عرض مشاركة واحدة
  رقم المشاركة : [1]  
قديم 19-08-16, 11:48 AM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
مقال حيٌّ هو الربّ؛سالم ساكا

http://saint-adday.com/?p=14186
salim_saka
حيٌّ هو الربّ
Yousif ‏13 ساعة مضت
الاب سالم ساكا

الخبر الذي كان عنوانه: "مات الله"، والذي أطلقه الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه (Friedrich Wilhelm Nietzsche) (15/10/1844- 25/8/ 1900م)، بالفعل كان خبراً مدوّياً. إذ أطلقه نيتشه الفيلسوف بعد طول معالجة لتسريع وفاة الله، وظلَّ الخبر نفسه يتكرَّر مراراً من بعده. نعم، كان الخبر يختفي حيناً لكنَّه كان يظهر بصيغةٍ، أو لربَّما بطبعةٍ أخرى مُنقَّحة، بحيث يتبدَّل فيها مُعلِنْ الخبر أو صاحبه، لكن، كان يُكتَشَف بعد كلِّ خبرٍ يُعلَنْ فيه موت الله، أنَّ الله لا يزال حيّاً.
لا أقصد هنا طبعاً أنْ أناقشَ فلسفة نيتشه الألماني بكلِّ خلفيّاتها وتشعّباتها، بل وإمتداداتها. ولكن بما أنَّ نَعْيَ "الله" وموته قد تكرَّر مراراً، فسؤالي اليوم هو: أحيٌّ هو "الله" حقاً في أيامِنا هذه أم ميِّتْ؟ وهل نحنُ نعيش زمن مات الله فيه، أم نعيش زمن فيه الله لا زال حيّاً؟ بكلِّ تأكيد سؤالي هذا ولأوّل وهلة يبدو غريباً، بل لربَّما عند البعض مثيراً للضحك والسخرية: فهل بيننا اليوم مَن يشكّ لحظة بأنَّ "الله" موجود وهو حيّ؟


مظاهر الإيمان بالله:
إنَّ الاحتفالات الدينيَّة والأعياد قائمة كلّ يوم وفي كلّ مكان، تؤدّيها كافة الأديان والمذاهب، كلٌّ حسب طقوسِه وعاداتِه وتقاليدِه. بحيث تُغطّي هذه الاحتفالات والأعياد كافةَ وسائلِ الإعلام، من محطّات الإذاعة وقنوات التلفاز الأرضيَّة، وغالباً ما تنقل أيضاً مباشرة عبر الأقمار الإصطناعيَّة، علاوة على التقارير الصحفيَّة التي ينشر الإعلاميون والصحفيون أحداثها ووقائعها لحظة بلحظة. كما أنَّ المؤتمرات الدينية الوطنيَّة، الإقليميَّة والدوليَّة، لم يبقَ لها مكان في الأجندات لكثرتِها، وجماهير الحجّاج والمؤمنين لا تزال تزحف بالملايين من كلّ أنحاء العالم، لتتجمَّع في مشارقِ الأرضِ ومغاربها، في زيارة كنيسة أو كنيست أو جامع أو معبد أو أيّ مكان آخر… فما معنى ذلك كلّه؟


وجود الله:
لا، ليس مَنْ ينكر وجود الله، أو أنَّ الله مات إلاّ الجاهل: "قال الجاهل في قلبه: ليس إله" (مزمور 14/1، 53/1). لا، ليس مَنْ ينكر وجود الله، أو أنَّ الله مات، وإسمه تعالى يتردَّد في كلِّ سطرٍ من كتبنا المقدّسة. ففي العهد القديم فقط وردت كلمة "الله" 1612 مرة، وفي العهد الجديد 1512 مرة، دون أن نحسب ما يجاري هذه الكلمة "الله" عدداً كبيراً من شبه مترادفات، مثل "الربّ"، "العلّي"، "القدير"، "القدوس"… وفي القرآن، الكتاب المقدَّس عند المسلمين، وُرِدَتْ كلمة "الله" بلفظها 2697 مرة، بقطعِ النظر عن الأسماء الحسنى وما شابهها. فـــ "الله" حاضر في قراءاتنا نحن المسيحيّين واليهود، وحاضر هو في الكتب المقدَّسة للديانات الأخرى، كما وهو حاضر أيضاً في تلاوات المسلمين، صباحاً ومساءً وعند الظهيرة: "أمّا أنا فالله أدعو، والربّ يُخلّصني. في المساء والصباح وعند الظهيرة" (مزمور 55/18). وأسمه في أسمائِنا: إشعيا، حزقيال، إيليا، يوحنا، إيشوع، صموئيل، إرميا، وعدالله، سعدالله، عبدالله، فتح الله، نصرالله، وعلى شفاهِنا في كلّ صلاة، وفي كلِّ بسملة وحمدلة، كما في كلّ تنفّس أو طلبٍ ودعاء: فإذا سقط طفل صرخنا عفوياً "الله الله"، وإذا إنبهرنا بشيء أو نالنا الإعجاب به قلنا "اللّـــــــه"، وإن أردنا إستعجال أمر قلنا: "يا الله"، وإن ودَّعنا شخصاً عزيزاً علينا قلنا له: "الله معاك"، وإذا فقدنا شخصاً غالي علينا قلنا: "الله يرحمه"، بل أحياناً نُسخِّر الله تعالى في كثير من الدعوات للثأر والإنتقام: "الله يأخذ روحَك"، "الله ينتقم منك" "الله يكسر رقبتك"، الله لا يريك الخير أبداً، الله يطيح حظَّك"…، ولا ننسى طبعاً "والله" للحلف وفي الغالبِ زوراً، أو كمحطِّ كلام ليس إلاّ.
أستطيعُ القولَ جازماً بأنَّ ما من أمةٍ أو مجتمع على وجهِ الكرة الأرضيَّة يتلفَّظ بكلمة "الله" ويستخدمها أكثر ممّا تتلفَّظ بها مجتمعاتنا وتستخدمها في بلدانِنا هذه. ولكن أيّ "الله"؟ هل هذا الذي لا يتوقَّف لساننا وشفاهنا من ذكره والتلفّظ به؟ ألا يصحّ أنْ يُطبَّقَ علينا بشأنِه ما قاله يسوع الناصري لمواطنيه ومعاصريه، لخاصَّته وللأمم؟: «حَسَنًا تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ! كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا، وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ. لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ: غَسْلَ الأَبَارِيقِ وَالْكُؤُوسِ، وَأُمُورًا أُخَرَ كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ». ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:«حَسَنًا! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ!" (مرقس 7/6-9)؛ «الابنُ يُكْرِمْ أباهُ والعَبْدُ يُكْرِمْ سَيِّدَهُ فانْ كُنْتُ أَنا أَباً فَأيْنَ كَرامَتي وَإنْ كُنْتُ سَيِّداً فَأيْنَ هًيْبَتي قالَ لَكُمْ رَبُّ الجُنودِ أيُّها الكَهَنة المحْتَقِرونَ اسْمي وَتَقولونَ بِما إحْتَقَرْنا إسْمَكَ» (ملاخي 1/6). ألم تفقد شعائرنا الدينيَّة وطقوسنا في الغالب صدقيَّتها، كعلاقةِ بنوّة ومحبَّة وتعبُّد داخلي مع "الله" الحيّ، نتحدَّث معه ونصغي إليه، لتنقلب فرائض وطقوساً يعتورها الكثير من الفلكلور والمظاهر الخارجية؟ ألم ننسَ مراراً لُبَّ الإيمان ونواته الحقيقيّة، والجوهر لنتسلَّى بالقشور؟ مكتوب: "على صورة الله ومثاله خلق الله الإنسان" (تكوين 1/27)، ولكن في الواقع ألا نرى الكثيرين من الناس يحاولون هم أن يخلقوا "الله" على صورتهم ومثالهم، فيبتدعونه صنماً أصمّ أخرس أعمى، يُجسِّد ميولهم ونزواتهم، ويريدونه مُلبِّياً لرغباتهم وأهوائهم؟ أليس الدين عند إنسان اليوم إسقاطاً لإحتياجاتنا الغريزية كالصحّة والحياة والخصوبة والحماية من المجهول، تماماً كما كان لدى الإنسان القديم بالرغم من وعيه للقداسة، لكنَّه عبَّر عنها بدياناتٍ عبادية غطَّتها أساطير مختلفة؟


الله مقياس الإنسان:
الــ "الله الحيّ" يجب أنْ يكونَ منبع ومعيار كلّ صلاحٍ وكلّ حقيقة وكلّ وجود حقيقيّ. الــ "الله الحيّ" يختلف ويسمو على الإله الساعاتي أو المهندس الكبير للألوهييّن الذين يُقدّمونه على أنَّه خالق العالم فقط، وأنَّه بعد هذا العمل لم يعد للعالمِ والإنسان أيّ علاقة بأيٍّ كان، بل فقط بأنفسِهم وبطبيعِتهم.
الــ "الله" الحيّ علَّمنا أنَّ طريق الملكوت هي العناية باليتيم والأرملة، وبالجائع والعطشان، المشرَّد والعريان، المريض والمسجون، الطفل والمسنّ، المعوَّق والعاجز (متى 25/31-46). الــ "الله" الحيّ علَّمنا أنَّ طريق الملكوت هي العناية بكلّ إنسانٍ مُهمَّش ومنبوذ في المجتمع، بل هي القيام في وجهِ الظلم والطغيان، تماماً كما فعل يوحنا المعمدان أمام هيرودس الذي أراد الزواج من إمرأة أخيه فيليبس وهو على قيد الحياة (متى 14/3-12)، ورفع الصوت لنشرِ العدالة والكرامة، والدفاع عن المرأة والطفل وكلّ مستضعف، "اغتسلوا. تنقّوا. اعزلوا شرَّ أفعالكم من أمام عينيَّ. كفّوا عن فعلِ الشرِّ. تَعلَّموا فعلَ الخير. اطلبوا الحقَّ. انصفوا المظلوم. اقضوا لليتيم. حاموا عن الأرملة، يقول الله الحيّ (إشعيا 1/16-17). فإذا أحجم أتباع "الله" الحيّ عن المجاهرة بما علَّمهم، لينصرفوا لتحقيق مآربهم وغاياتهم، والعمل لمصالحهم الشخصيَّة فقط، ألا يصبحون، بصمتهم وسلوكهم هذا، عبّاداً لصنمِ "الأنا"، أفلا يكونون هم أيضاً قد ساهموا في قتل ذلك "الله" ودفنه؟ هذا يعني: إنَّ الدخول في ملكوت الله ليس إنجازاً جامداً. بل يتطلَّب حياة جديدة، حياة أبناء الله، ولهذه الحياة مُتطلّباتها أيضاً من خلالِ الأخلاق المسيحيَّة. لذلك يصف يسوع حالة المسيحيّ: التلميذ هو إبن الآب السماوي، إنَّه عضو في ملكوتِ الله، ويشترك مع أخوة وأخوات، يعيش في العالم الدنيوي وعالم البشر الذين قد يخفقون في تقديرِه ويضطهدونه. وتلي ذلك أمور عملية: تغيّر في الأوضاع، أمور لا تُحصى ممّا لم يُرَ قطّ، ولأجلِها يترتَّب على المسيحيّ أنْ يعملَ إنطلاقاً من وضعِه الأساسي، فيمنح بهبةٍ خلاّقة كلّ حالة معنىً مسيحياً، ويُلبّي الاحتياج لأنَّه ابن الله ومشارك في الملكوت. لذلك، علَّمنا "الله" الحيّ بأنْ نحبَّ أعداءنا، ونبارك لاعنينا… (لوقا 6/28). فإن نحن صلّينا لكي يمحو عدوّنا، ويبيد خصمنا ويفنيه من الوجود… أفلهذا الـــ "الله" الحيّ نكون قد صلّينا، أم صلّينا للصنم الميت الذي إبتدعناه لأنفسِنا إلهاً على صورتِنا نحن؟ وكم من أصنامٍ يقيمها عالمنا اليوم آلهةً للعبادة؟ كم وثنٍ أبدعه إنساننا المعاصر، ويدعونا للسجودِ له؟ فالمال صنم، واللّذة صنم، والجاه صنم، وحبّ العظمة والتسلّط صنم، ومثله الحسد والحقد وحبّ الإنتقام… الله الحيّ علَّمنا أنْ نُصلّي: "لتكنْ مشيئتُك لا مشيئتي" (لوقا 22/42)، ولكن إنْ نحن تَعبَّدنا لتلك الأصنام، أفما نكون قد قلنا للــ "الله" الحيّ: مشيئتي أنا لا مشيئتك، وهذا الصنم أو ذاك هو خياري؟ وعندئذ، وفي نهايةِ المطاف، يعود السؤال، ولا بدّ من الصراحة والجرأة في الجواب: هل موت الـــ "الله" الحيّ هو مخلّفات الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه فقط؟ أليس أنَّ الكثير من طقوسِنا ومظاهرِ عبادتِنا الخارجيَّة، قد أُفرِغَتْ من مضمونِها ومعانيها؟ ألم تعد طقوسُنا ومظاهرُ عبادتِنا الخارجيَّة هذه سوى كفن جميل، نلفّ بها مومياء مُحنَّطة، يحملها الناس على أنَّها الـــ "الله" الحيّ، وهم لموتِها جاهلون؟
نعم، الإله الميِّت، الصنم، كثيرٌ في أيامِ عصرنا هذا. ولكن، وعلى الرغم من ذلك، يبقى "حيٌّ هو الربّ"، «حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ، وَحَيَّةٌ هِيَ نَفْسُكَ، إِنِّي لاَ أَتْرُكُكَ» (2 ملوك 2/2 و 4 و6)، بل «حَيٌّ أنا، يقول السيّد الرَّبّ» (حزقيال 14/16 و18 و20). وإن بدا أحياناً أنَّ الربّ قد مات، وتكرَّر موته بطبعاتٍ وأشكال مختلفة، «فأنا الحيّ! كنتُ مَيِّتاً، وها أنا حيّ إلى دهر الدهور» (سفر الرؤيا 1/ 18).

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك ...- اكتب تعليقك - ...

 

 

توقيع » 1R-1026

من مواضيع 1R-1026

رد مع اقتباس