اعلانات خــورنة القوش
كاردينيا للورود والهدايا اعلن هنا
شخصيات القوشية في سطور دليل المنتدى
كرم الالقوشي karam alqoshy فيسبوك
اخبار شعبنا اخبار القوش اعلن هنا


عرض خاص ... فقط بـــ 25 $ ... اعلانك على موقع خورنة القوش لمدة شهر كامل ... اعلن اليوم ليصل الى اكثر من 130.000 الف متابع
دعوة للإنضمام لأسرتنا
اسم العضو
كلمة السر تأكيد كلمة السر البريد الإلكتروني تأكيد البريد الإلكتروني
التحقق من الصورة
رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.


تاريخ الميلاد:    
هل انت موافق على قوانين المنتدى؟

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
الشماس سمير كاكوز قراءة الاحد الثاني من البشارة العهد القديم
بقلم : الشماس سمير كاكوز
قريبا

العودة   منتديات خورنة القوش > †† اقسام الديـــــــن المسيحي †† > †† منتدى أقوال الأباء والقديسين ††

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : [1]  
قديم 15-07-16, 06:31 PM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
ص القديس مارتن لوثر

مارتن لوثر
الثلاثاء، 04 تشرين ثاني 2008، 23:28
https://www.linga.org/biblecharacters-articles/MjM5Mw==




نص كان "مارتن لوثر" أحد أبرز قادة الإصلاح الإنجيليّ في ألمانيا. كان والده من طبقة الفلاّحين، ثمّ تحوّل إلى صناعة المعادن حيث نجح وحصّل مداخيل عالية سمحت له بتأمين تعليم ممتاز لولده. درس "لوثر" في مدرسة الكاتدرائيّة في "ماغدبورغ"، حيث وقع تحت تأثير جماعة "أخوة الحياة المشتركة". ثمّ تابع دراسته الثّانويّة في مدرسة "أيزناخ" قبل ذهابه إلى جامعة "إيرفورت" في العام 1501، حيث حصّل شهادة البكالوريوس في العام 1502، والماجستير في العام 1505. درس "لوثر" الحقوق تلبية لأمنية والده. إلاّ أنّ صاعقة برق ضربت قربه، فأرعدته وجعلته يقطع نذراً أن يصير راهباً، وذلك في تمّوز 1505. وفيما هو في الدّير، بدأ "لوثر" في دراسة اللاهوت بجديّة في جامعة "إيرفورت". وفي العام 1508، أُرسِل إلى "ويتنبرغ" حيث كان يُحاضر في الفلسفة الأخلاقيّة في جامعتها الجديدة. وفي العام 1509 عاد إلى "إيرفورت" حيث تابع دراسته وراح يُحاضر في اللاهوت. أمّا أساتذته في "إيرفورت" فكانوا من أتباع مدرسة اللاهوت الإسميّ (Nominalist) الّتي أنشأها "وليام أوكهام" وتلميذه "كابريال بيال"، الّتي قللّت من دور العقل في الوصول إلى الحقائق اللاهوتيّة وشدّدت على دور الإرادة الحرّة للإنسان في تحقيق خلاصه. في العام 1510-1511، سافر "لوثر" إلى روما بمهمّة تخصّ رهبنته. وبينما هو هناك، صُدِمَ بما رآه من دُنيويّة لدى الإكليروس الّذي كان غير مبالٍ بالحياة الدّينيّة. وفي العام 1511 أُرسِل من جديد إلى "ويتنبرغ" حيث أكمل دروسه العليا ونال الدّكتوراه في اللاهوت في تشرين الأوّل 1512. وفي العام نفسه عُيِّنَ رئيساً لقسم دراسات الكتاب المقدّس في الجامعة. وبين الأعوام 1507-1512 اختبر لوثر صراعاً روحيّاً عنيفاً بينما كان يسعى إلى تتميم خلاصه، عبر التّدقيق في حفظ القواعد الرّهبانيّة، والاعتراف المتواتر، وإماتة الذّات. وربّما بسبب تأثير التّقوى الشّعبيّة وتعليم لاهوت "أوكهام"، كان "لوثر" يرى في الله قاضياً غضوباً يتوقّع من النّاس أن يُحصِّلوا تبريرهم بأنفسهم. إلاّ أنّ "لوثر" غيّر تدريجيّاً نظرته إلى التّبرير، وذلك بفضل مساعدة الرّئيس العامّ لرهبنته "يوحنّا فون ستوبيتز"، وقراءاته لكتابات القدّيس "أوغسطينوس"، ودراسته للكتاب المقدّس بشكل أساسيّ بينما كان يُحضّر محاضراته لصفوفه في الجامعة. نما مفهوم "لوثر" اللاهوتيّ تدريجيّاً من الإيمان بدور الإنسان في خلاص نفسه، كما علّم "أوكهام"، إلى تبنّي التّعليم "الأوغسطيني" القائل: إنّ الله بنعمته المجّانيّة يُبادر إلى تخليص الإنسان بالإيمان فقط، وبعد هذا الاختبار، يبدأ الإنسان بالتّعاون مع الله في حياته الرّوحيّة. قد يكون "لوثر" اختبر الخلاص شخصيّاً بين العامين 1517-1518، وهو ذَكَر في موعظته حول "التّبرير المُثلّث"، كيف أنّ الله يُبرِّر الخاطئ بفضل ذبيحة المسيح الكفّاريّة بشكل آنيّ وكامل، ومن دون أيّ جهد أو استحقاق بشريّ. ابتدأ الإصلاح الإنجيليّ في تشرين الأوّل من العام 1517، عندما احتجّ "لوثر" على بيع صكوك الغفران، وذلك عبر أطروحة ضمّت خمسة وتسعين بنداً، علّقها على باب كنيسته في "ويتنبرغ" عشيّة عيد جميع القدّيسين. وقد تُرجمت الأطروحة إلى لغة الشّعب في اليوم التّالي، ووُزِّعت في كافّة أرجاء ألمانيا، الأمر الّذي أثار عاصفة من الاحتجاج ضدّ بيع صكوك الغفران. عندما تضرّرت عمليّة بيع الغفرانات، حاولت السّلطات البابويّة إسكات "لوثر"، فوُوجِهَ أوّلاً داخل رهبنته في "هايدلبرغ" وذلك في 26 نيسان 1518، إلاّ أنّ المناظرة تحولّت فرصة "للوثر" ليُدافع عن لاهوته وليربح مُهتَدين جدد. وفي آب 1518 استُدعيَ "لوثر" إلى روما ليَردّ على الاتّهامات المرفوعة ضدّه والّتي تتّهمه بالهرطقة، على الرّغم من أنّه لمّا يكن قد علّم صراحة ضدّ أيّ من العقائد الرّائجة في القرون الوسطى. وخوفاً من عدم حصول "لوثر" على محاكمة عادلة في روما، تدخّل الأمير "فريدريك الحكيم" طالباً من السّلطات البابويّة أن تُرسِل مُمثّلين عنها لإجراء المحاكمة في ألمانيا. تمّ الاجتماع الأوّل برئاسة الكاردينال "كاجيتان" في تشرين الأوّل 1518، والثّاني برئاسة "كارل فون ميلتِتس" في كانون الثّاني 1519، وفي كلا الاجتماعَين رفض "لوثر" أن يتنكّر لمعتقداته، واستمرّ في إظهار كلّ احترام للبابا ولمُمثّليه. في تمّوز 1519، عُقِدت مناظرة في "لايبزغ"، حيث شكّك "لوثر" بالسّلطة البابويّة وبعِصمَة المجامع الكنسيّة، مُشدّداً على أولويّة الكتاب المقدّس، الأمر الّذي دفع بخصمه "يوهان إيك" إلى نَسْبِهِ إلى المُصلِح البوهيمي "جون هوص" (الّذي عاش في القرن الخامس عشر وحُكِم عليه كهرطوقيّ)، وذلك في محاولة لتحقيره. خرج "لوثر" من هذه المناظرة أكثر تيقّناً من معتقداته وتصميماً على المجاهرة بها. تابعونا على الفيسبوك: وفي العام 1520 كتب "لوثر" ثلاثة كُتيّبات مهمّة للغاية. الأوّل كان "خطاباً للنّبلاء المسيحيّين في الأمّة الألمانيّة"، يدعوهم فيه إلى إصلاح الكنيسة والمجتمع، الأمر الّذي عجزت البابويّة عن إتمامه. الثّاني دعاه "الكنيسة في السّبي البابليّ"، الّذي هاجم فيه النّظام الأسراريّ لكنيسة القرون الوسطى، الأمر الّذي أدّى إلى تصنيف "لوثر" مع المُنحَرِفين عن الإيمان المستقيم. وقد حَصَر "لوثر" في هذا الكُتيّب الأسرار الكنسيّة في اثنتين: المعموديّة وعشاء الرّبّ، وقد زاد سرّ التّوبة إليهما، فيما نَكَر عقيدة الاستحالة وذبيحة القدّاس. أمّا الكُتيّب الثّالث، وهو لاهوتيّ غير وعظيّ بعنوان "حريّة الرّجل المسيحيّ"، فقد وجّهه إلى البابا، وعلّم فيه عقيدة التّبرير بالإيمان فقط. ومن الجدير ذكره، أنّه قبل نشره هذه الكتيّبات الثلاثة، صدر حكم بابويّ بِحَرْم "لوثر" وبِفَصْله عن الكنيسة الكاثوليكيّة، إلاّ أنّ "لوثر" أظهر عدم خضوعه للسّلطة البابويّة بحرْقِهِ قرار الحَرَم علانية، وذلك في كانون الأوّل 1520، قبل شهر من وضع هذا القرار قيد التّنفيذ في حال رفض "لوثر" التّراجع عن إيمانه. وعلى الرّغم من إدانة "لوثر" من قِبَل الكنيسة، إلاّ أنّه أُعطيَ حقّ الدّفاع عن نفسه أمام محكمة "وورمز" الأمبراطوريّة في نيسان 1521. وفي هذه المُحاكمة طُلِب من "لوثر" التّراجع عن تعاليمه، إلاّ أنّه تمسّك بها بشدّة قائلاً: "أنا لا أتراجع عمّا كَتَبت، فضميري أسيرُ كلمة الله. هنا أقِف، وليُعينَني الله". وبموقفه هذا، تحدّى "لوثر" سلطة الأمبراطور الّذي وضعه تحت الحَرَم وأمر بحرق جميع كتاباته. وفي طريق العودة إلى المنزل، خَطَفَه أصدقاؤه وأخذوه إلى قلعة "وارتبورغ"، حيث بقي مختبئاً حوالى السّنة، وكتب عدداً من المناشير الّتي هاجم فيها المُمارسات الكاثوليكيّة، وابتدأ بترجمة الكتاب المقدّس إلى الألمانيّة. وفي العام 1522 عاد "لوثر" إلى "ويتنبرغ" ليُرتّب الأمور بعد أن عمّت الفوضى في أثناء غيابه، وبقي هناك حتّى نهاية حياته. تزوّج "لوثر" في العام 1525 من الرّاهبة السّابقة "كاثرين فون بورا"، الّتي أنجبت له ستّة أولاد، وكانت حياته العائليّة سعيدة للغاية، لم يُعكّر صفوَها إلاّ المرض المتكرّر والمشادّات العقائديّة الحادّة. تميّز "لوثر" بكونه رجل العمل المتواصل. كان يقضي أوقاته يكتب ويُعلّم ويُنظّم شؤون الكنيسة الجديدة، ويقود حركة الإصلاح في ألمانيا. ومن أهمّ كتاباته: "اعتراف الإيمان"، الّذي وضعه في العام 1538، والّذي أظهر بوضوح خلافه اللاهوتيّ مع الكنيسة الكاثوليكيّة. كما اشتهر "لوثر" بكونه صعب المِراس، وباستخدامه لغة وعظيّة قاسية في مواجهة خصومه. ففي العام 1525، عند اندلاع ثورة الفلاّحين في جنوب ألمانيا ورفضهم الاستجابة إلى ندائه بالتّروّي والسّماح له بمعالجة الأمور بهدوء، هاجمهم "لوثر" في منشور دعاه: "ضدّ عصابات الفلاّحين القَتَلَة". لكنّ الحقّ يُقال إنّ "مارتن لوثر" لم ينظر إلى نفسه كمؤسِّس كنيسة جديدة، بل كمُصلِح كرَّس نفسه لإصلاح الكنيسة وإعادة عقيدة التّبرير بالنّعمة، الّتي نادى بها بولس الرّسول، إلى الموقع المركزيّ في اللاهوت المسيحي. وفي العام 1522، عندما بدأ أتباعه يُطلقون على أنفسهم اسم "اللوثريّين"، كتب إليهم ناهياً إيّاهم عن ذلك، قائلاً لهم: "دعونا نتخلّص من كلّ الأسماء الفِئويّة وندعُ أنفسنا مسيحيّين، على اسم ذاك الّذي نتمسّك بتعليمه ... فانا أتمسّك، مع الكنيسة الجامعة، بتعليم المسيح الجامِع، الّذي هو سيّدنا الوحيد". إلاّ أنّ "لوثر" عاد وقَبِلَ التّسمية عندما هاجم الأعداء أتباعه مُعيّريهم باللّوثريّة، الأمر الّذي أخافهم، فقال لهم "لوثر": "إنْ كنتم مقتَنِعين بأنّ تعليم لوثر يتوافق مع تعليم الإنجيل ... فلا تتنكّروا للوثر بالكامل، لئلاّ تتنكّروا أيضاً لتعليمه، الّذي تعترفون بأنّه تعليم المسيح أيضاً". مات "مارتن لوثر" في "آيسلوبن" في 18 شباط 1546، في أثناء رحلة لمُصالحة اثنين من النّبلاء اللوثريّين، ودُفِن في كنيسة قلعة "وتنبرغ"، إلاّ أنّ الإصلاح الإنجيليّ استمرّ بعده ونما وغيّر وجه أوروبّا والعالم الغربيّ.

لينغا: https://www.linga.org/biblecharacters-articles/MjM5Mw==

ساعد في نشر والارتقاء بنا عبر مشاركة رأيك في الفيس بوك ...- اكتب تعليقك - ...

 

 

توقيع » 1R-1026

من مواضيع 1R-1026

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [2]  
قديم 15-07-16, 06:37 PM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
ص رد: القديس مارتن لوثر

مارتن لوثر[عدل]
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85...88%D8%AB%D8%B1



صورة معبرة عن مارتن لوثر
لوثر عام 1533
معلومات شخصية
الميلاد 10 نوفمبر 1483
أيسلبن، الإمبراطورية الرومانية
الوفاة 18 فبراير 1546 (62 عامًا)
أيسلبن، الإمبراطورية الرومانية
مكان الدفن All Saints' Church تعديل القيمة في ويكي بيانات
الجنسية ألماني
اللقب مطلق الإصلاح البروتستانتي
الديانة المسيحية
الزوجة كاترينا فون بورا
أبناء هانز، إيزابيل، المجدلية
مارتن، بول، مارغريت
الحياة العملية
تعليم دكتوراه في أصول الدين
ودكتوراه في الكتاب المقدس
المدرسة الأم جامعة إرفورت (1501–1505) تعديل القيمة في ويكي بيانات
شهادة جامعية ماجستير link=d:Q9554#P69 تعديل القيمة في ويكي بيانات
المهنة راهب، واعظ.
سبب الشهرة الإصلاح البروتستانتي
التيار German Renaissance تعديل القيمة في ويكي بيانات
التوقيع
صورة معبرة عن مارتن لوثر
تعديل طالع توثيق القالب
مارتن لوثر (10 نوفمبر 1483 - 18 فبراير 1546) راهب ألماني، وقسيس، وأستاذ للاهوت، ومُطلق عصر الإصلاح في أوروبا،[1] بعد اعتراضه على صكوك الغفران. نشر في عام 1517 رسالته الشهيرة المؤلفة من خمس وتسعين نقطة تتعلق أغلبها بلاهوت التحرير وسلطة البابا في الحل من "العقاب الزمني للخطيئة"؛ رفضه التراجع عن نقاطه الخمس والتسعين بناءً على طلب البابا ليون العاشر عام 1520 وطلب الإمبراطورية الرومانية المقدسة ممثلة بالإمبراطور شارل الخامس أدى به للنفي والحرم الكنسي وإدانته مع كتاباته بوصفها مهرطقة كنسيًا وخارجة عن القوانين المرعيّة في الإمبراطوريّة.
أبرز مقومات فكر لوثر اللاهوتي هي أنّ الحصول على الخلاص أو غفران الخطايا هو هديّة مجانيّة ونعمة الله من خلال الإيمان بيسوع المسيح مخلصًا، وبالتالي ليس من شروط نيل الغفران القيام بأي عمل تكفيري أو صالح؛ وثانيًا رفض «السلطة التعليمية» في الكنيسة الكاثوليكية والتي تنيط بالبابا القول الفصل فيما يتعلق بتفسير الكتاب المقدس معتبرًا أنّ لكل إمرئ الحق في التفسير؛[2] وثالثًا أنّ الكتاب هو المصدر الوحيد للمعرفة المختصة بأمور الإيمان؛ وعارض رابعًا سلطة الكهنوت الخاص باعتبار أن جميع المسيحيين يتمتعون بدرجة الكهنوت المقدسة،[3] وخامسًا سمح للقسس بالزواج.[4] ورغم أن جميع البروتستانت أو الإنجيليين في العالم يمكن ردهم إلى أفكار لوثر، إلا أن المتحلقين حول تراثه يطلق عليهم اسم الكنيسة اللوثرية.
قدّم لوثر أيضًا ترجمة خاصة به للكتاب المقدس بلغته المحليّة بدلاً من اللغة اللاتينيّة التي كانت اللغة الوحيدة التي سمحت الكنيسة الرومانية باستخدامها لقراءة الكتاب المقدس، ما أثر بشكل كبير على الكنيسة وعلى الثقافة الألمانيّة عمومًا، حيث عزز الإصدار من قياس مفردات اللغة الألمانيّة وطورت بذلك أيضًا مبادئ الترجمة،[5] وأثرت ترجمته لاحقًا على ترجمة الملك جيمس باللغة الإنكليزية للكتاب المقدس؛[6] كما ألّف لوثر عددًا كبيرًا من التراتيل الدينيّة التي أثرت في تطور فن الترنيم في الكنائس.[7] في السنوات الأخيرة من حياته، تزامنًا مع مرضه وتدهور حالته الصحيّة، كتب لوثر ضد اليهود وطالب بالتضييق على حرياتهم وحرق كنسهم ومنازلهم، ما دفع إلى رشقه بمعاداة الساميّة.[8]
محتويات [أخف]
1 حياته المبكرة
1.1 الطفولة والتعليم
1.2 الرهبنة والحياة الأكاديمية
2 بدايات الإصلاح
2.1 بالإيمان وحده
2.2 النزاع مع البابوية
3 تصاعد نشاطه
3.1 مجلس ورمز
3.2 في قلعة فرتبرغ
3.3 العودة إلى فيتنبرغ وحرب الفلاحين
3.4 زواجه
3.5 تنظيم الكنيسة
4 ترجمة الكتاب المقدس
5 الترانيم
6 آراء جدالية
7 لوثر والأديان الأخرى
7.1 موقفه من الإسلام
7.2 معاداة اليهودية والساميّة
8 تصوير لوثر
9 السنوات الأخيرة ووفاته
10 مؤلفاته
11 انظر أيضًا
12 المراجع
13 وصلات خارجية
حياته المبكرة[عدل]
الطفولة والتعليم[عدل]

هانز ومارغريت لوثر، والدا مارتن.
ولد مارتن لوثر من لودر هانز ومارغريت نيي يندمان في 10 نوفمبر 1483 في أيسلبن ضمن ألمانيا حاليًا،[9] والتي كانت جزءًا من الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ككاثوليكي روماني، وقد عُمّد في صباح اليوم التالي لمولده في عيد القديس مارتن. انتقلت عائلته إلى مانسفيلد في 1484، حيث استأجر والده منجمًا للنحاس وشغل منصب واحد من أربعة ممثلين للمدينة في المجلس المحلي. كان له عدد من الأخوة والأخوات، أقربهم لمارتن هو شقيقه جاكوب.[10][11]
عرف عن هانز لوثر كونه طموحًا، إلى جانب رغبته في أن يرى مارتن ابنه الأكبر محاميًا؛ ولتحقيق هذه الغاية بعث به إلى إحدى المدارس اللاتينيّة في مانسفيلد، ثم إلى ماغديبرغ عام 1497، حيث انضمّ إلى مدرسة يديرها مجموعة من الرهبان على أسس الحياة المشتركة، وأخيرًا إلى إيزنباخ عام 1498.[12] كان القاسم المشترك بين المدارس الثلاث اعتمادها بشكل مُركّز على ما يدعى «الفنون الثلاثة» أي النحو والبلاغة والمنطق. في عام 1501، حين كان لوثر في سن التاسعة عشر، دخل جامعة إيرفورت - والتي وصفها في وقت لاحق بأنها حانة للجعة وبيت للدعارة -،[13][14] حيث كان نظام التعليم مركزًا، وصفه لوثر بأنه يوم شاق من التعلّم عن ظهر قلب، وغالبًا ما يكون مترافقًا مع تمارين روحيّة.[15] حصل لوثر من جامعة إيرفورت من على الماجستير عام 1505.

لوثر في الرهبنة الأوغسطينية.
طبقًا لرغبة والده، التحق لوثر بكلية الحقوق في إيرفورت عام 1505، غير أنه بدأ بالتسرب من الدراسة بعد مدة وجيزة تقريبًا واعتبر أن القانون يمثل عدم اليقين، ملتفتًا نحو اللاهوت والفلسفة، ومعربًا عن اهتمام خاص بأرسطو وعدد من الفلاسفة القروسطيين أمثال غابرييل بيال،[15] الذين أثروا على فكره اللاهوتي سيّما من حيث التركيز على استخدام العقل في الدين دون أن يعلو على «الله المحب» والذي لعب الدور المحوري في فكر لوثر اللاهوتي،[16] جنبًا إلى جنب مع اعتقاده بأن البشر لا يمكن أن يتعلموا شيءًا عن الله إلا من خلال الوحي الإلهي، وبالتالي أصبح الكتاب المقدس متزايد الأهميّة بالنسبة له.[16]
قرر لوثر أن ينخرط في الرهبنة، وعزا قراره هذا في وقت لاحق إلى حدثٍ له في 2 يوليو 1505، حين نزلت صاعقة بالقرب منه حين كان على ظهر الخيل نتيجة عاصفة رعديّة أثناء عودته إلى الجامعة من منزل ذويه، فصرخ معلنًا أنه إن نجا سيغدو راهبًا، مع التعهد بعدم فسخ النذر أيًا كان.[17] ربما يكون وفاة اثنين من أصدقائه والحزن الذي أصيب به في أعقاب وفاتهما أثر أيضًا على انخراطه في سلك الرهبنة. في 17 يوليو 1505،[18] ترك كلية القانون، وباع كتبه الدراسية، ودخل دير الرهبنة الأوغسطينية، وقد عبّر والده عن سخطه من تصرف ابنه، بسبب ما اعتبره مضيعة لتعليم لوثر.[19]
الرهبنة والحياة الأكاديمية[عدل]
خلال حياته الرهبانيّة، كرّس لوثر قسطًا طويلاً من يومه للصوم الطويل والتأمل والصلاة، والحج والاعتراف المتكرر.[20] لوثر وصف هذه الفترة من حياته لاحقًا بأنها مرحلة من اليأس الروحي العميق، وقال أنه فقد الاتصال مع المسيح المعزي، والذي تحوّل إلى سجّان ومضطهد للفقراء، في ظل غياب العدالة والظلم الواقع في ألمانيا آنذاك.[21][22] لاحقًا، قرر يوهان فون ستايبيتز، رئيس الرهبنة، أن لوثر بحاجة إلى العمل لصرفه عن التأمل المفرط، وأمره بمتابعة العمل الأكاديمي؛ بناءً على ذلك عُين عام 1507 أستاذًا للكهنوت في كان، وفي عام 1508 بدأ تدريس اللاهوت في جامعة فيتنبرغ،[23] ثم حصل على درجة البكالوريوس في دراسات الكتاب المقدس في 9 مارس 1508، ودرجة أخرى للبكالوريوس في عام 1509،[24] وفي 19 أكتوبر 1512 حصل على درجة دكتوراه في أصول الدين، وأخيرًا في 21 أكتوبر 1512 حصل على درجة الدكتوراه في الكتاب المقدس، وعاد إلى جامعة فيتنبرغ، حيث قضى القسط الأوفر من حياته.[25]
بدايات الإصلاح[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: القضايا الخمس والتسعون

باب كنيسة جميع القديسين في فيتنبرغ، والتي علق لوثر على بابها القضايا الخمس والتسعين، في 31 أكتوبر 1517، والتي شكلت بداية الإصلاح.
في عام 1516 أُرسل يوهان تيتزل، الراهب الدومينيكاني والمفوض البابوي الخاص إلى ألمانيا لبيع صكوك الغفران، بغية جمع الأموال اللازمة لإعادة بناء كاتدرائية القديس بطرس في روما.[26] كان اللاهوت الكاثوليكي الروماني يرى أن الإيمان وحده - أو التوبة وحدها - غير كافيّة للحل وغفران الخطيئة بل يجب أن تترافق مع أعمال صالحة كالأعمال الخيريّة التي من ضمنها التبرع بالمال للكنيسة.[27] في 31 أكتوبر 1517، كتب لوثر إلى أسقفه ألبرت الماينزي، احتجاجًا على بيع صكوك الغفران، ومعتبرًا أن الإيمان وحده كافٍ لنيل التبرير،[28] أرفق لوثر مع رسالته نسخة من أحد كتبه التي عرفت باسم الأطروحات أو القضايا الخمس والتسعين، والتي أعلن فيها لوثر أنه لا ينوي مواجهة الكنيسة أو البابوية مطلقًا،[29] لكن الرسائل والمناظرات خلال تلك الفترة وأسلوب الكتابة، ينمّ عن وجود نوع من التحدي في العديد من الأطروحات لاسيّما الرسالة 86، والذي سأل فيها: «لماذا يريد البابا بناء بازليك القديس بطرس من مال الفقراء، بدلاً من ماله أو مال الفاتيكان الخاص؟».[29] اعترض لوثر أيضًا على قول منسوب إلى الموفد البابوي يوهان بمعنى أنه حالما ترنّ العملة في قاع الصندوق، فإنّ أرواحًا تتخلص من العذاب. رغم كون هذه العبارة غير مؤكدة نسبتها تمامًا.[30]
ركّز فكر لوثر اللاهوتي، أنّ الله يمنح المغفرة بمعزل عن أي عمل صالح، وأن الغفران يحلّ من أي عمل تكفيري أو عقوبة مرتبطة به، واعتبر أنه لا يجوز على أتباع المسيح القبول بمثل هذه «الضمانات الكاذبة» المتعلقة بالعمل الصالح. في يناير 1518 قام مجموعة من أصدقاء لوثر بترجمة الأطروحات الخمسة والتسعين من اللاتينية إلى الألمانية وطبعت ثم وُزعت النسخ على نطاق واسع،[31] ما جعلها واحدة من أول أكثر الكتب انتشارًا في التاريخ، وفي غضون أسبوعين انتشرت في مختلف أنحاء ألمانيا، وفي غضون شهرين في جميع أنحاء أوروبا؛ وتعممت في فرنسا وإنجلترا وإيطاليا عام 1519، وفي فيتنبرغ احتشد الطلاب لسماع مواعظ لوثر وأفكاره. حيث نشر، بعد القضايا الخمس والتسعين، كتيبات أشبه بالتعليق على الرسالة إلى أهل غلاطية وسفر المزامير؛[32] كان هذا الجزء الأول من شهادة لوثر وأعماله الإنتاجية التي لاقت بدورها قبولاً واسعًا؛ غير أن أشهر ثلاث مؤلفات للوثر نشرت عام 1520، وهي: النبالة المسيحية والأمة الألمانيّة وكتاب السبي البابلي للكنيسة وكتاب حرية المسيحي.
بالإيمان وحده[عدل]
Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: سولا فيدي
بين عامي 1510 و1520 كتب لوثر وحاضر عن سفر المزامير، والرسالة إلى أهل روما، والرسالة إلى العبرانيين والرسالة إلى أهل غلاطية؛ كما درس هذه الأجزاء وناقش استخدام مصطلحات خاصة مثل صلاح وتكفير في طريقة جديدة غير تلك التقليدية في الكنيسة الكاثوليكية. خرج نتيجة دراساته هذه بنتيجة مفادها بأنّ الفساد قد لحق بأساليب الكنيسة الرسمية في دراسة الكتب المقدسة، فقدت بنتيجتها الرؤية فيما عدّه جزءًا من الحقائق المركزيّة للمسيحيّة. وكان الأهم بالنسبة للوثر عقيدة التبرير - أي غفران الخطايا من قبل الله وتبرير الإنسان أمامه - حيث دافع لوثر عن كون التبرير يتم بنعمة من الله وحده، ولا حاجة لأي عمل كفاري يرافق أو يلي فعل التوبة لنيل الغفران.[33] بدأ لوثر بتدريس هذه العقيدة واعتبرها إحدى صخور الإيمان، كما كتب أنها المادة الرئيسيّة للعقيدة المسيحية برمتها، والتي من خلالها يمكن فهم أسباب التقوى.[34]
أضخم أعمال لوثر مناقشة لعقيدة التبرير بالإيمان وحده، كان كتابه عبودية الإرادة الذي نشر عام 1525، والذي كان ردًا على كتاب الراهب ايرازموس لعام 1524 حول الإرادة الحرة. استند لوثر في تدعيم موقفه على رسالة القديس بولس إلى أفسس 8: 2-10 ليبرهن أن الأعمال الصالحة التي يقوم بها المؤمنين لا تساهم في فعل التبرير، ومن ثم فالتبرير قادم من الله دون أي فعل مشاركة من الإنسان وذلك عن طريق سر الفداء؛ فسر الفداء حسب لوثر لا يمنح البر، بل هو البر بحد ذاته.[35] كتب لوثر أنّ التبرير والغفران هما هدية من الله، وأنه عن طريق الإيمان شعر بأنه «شخص قد ولد من جديد»، وأن اكتشافه «بر الله» لا يقل سعادة عن دخوله الجنة، وأنّ المتبرر يعيش بالإيمان ويعضده بالعمل الصالح كثمرة له دون أن يكون داخلاً في تركيب سيرورته.[36] ومن مقالات لوثر حول الموضوع:[37]
بموت المسيح من أجل خطايانا لمرة واحدة تبررنا (روما 3: 24-25) وأنه وحده هو حمل الله الذي حمل خطايا العالم (يوحنا 1: 29) وأنّ الرّب قد وضع عليه إثم جميعنا (أشعياء 6: 53). فالجميع قد أخطؤوا، والله قد برر وغفر لهم بغض النظر عن أعمالهم السابقة وتفاوتها (روما 3: 23-25)، وهو أمر ضروري يجب أن يكون موضع إيمان. فلا يمكن الحصول على التبرير أو اغتنام الغفران من قبل أي قانون أو عمل صالح، فالتبرير هو هدية للمؤمن، تثمر الأعمال الصالحة.
النزاع مع البابوية[عدل]

البابا ليون العاشر، بريشة رافائيل.
لم يقم مطران ماينز وماغديبرغ بالرد على رسالة لوثر التي طرح فيها القضايا الخمس والتسعين الخاصة به، وأعرب عن قناعاته بأنها تحوي بدعًا وهرطقات، وأرسل إشعارًا إلى روما بذلك.[38] وجه البابا ليون العاشر أمرًا إلى سلسلة من اللاهوتيين المختصين في «إصلاح الهراطقة» لمحاججة لوثر وذلك «بقدر كبير من العناية» وكما «هو صحيح».[39] and he responded slowly, "with great care as is proper."[40] وعلى مدى السنوات الثلاث التالية نشر اللاهوتيون سلسلة مقالات ضد لوثر، التي لم يكن من أثارها سوى تصلّب معاداة لوثر للبابوية، حيث أشار مجددًا إلى الأموال التي تستخدم من أعمال التكفير في بناء كاتدرائية القديس بطرس.[41] أخيرًا رفع الراهب الدومينيكاني سلفستر مازوليني دعوى قضائية على لوثر أمام محاكم العقيدة بتهمة الهرطقة، فاستدعي لوثر إثر قبول الدعوى إلى روما. غير أن القرار عدّل لاحقًا، بحيث تتم جلسات الاستماع إلى لوثر في أوغسبورغ برئاسة الموفد البابوي الكاردينال كاجيتان، في مبنى برلمان أوغسبورغ وبضمانته.[42] عقدت الجلسة الأولى في أكتوبر 1518 حيث أعلن لوثر أنّ البابوية غير منصوص عنها في الكتاب المقدس، وتحولت الجلسة إثر إعلانه إلى مشادة كلاميّة، وطوال الجلسات ركز لوثر على مهاجمة البابا رغم كون قضية جلسات الاستماع هي مناقشته القضايا الخمس والتسعون الخاصة برسالته الشهيرة.[43][44]
لم يستطع الموفد البابوي اعتقال لوثر في أوغسبورغ، حيث ضمنت الحكومة الأمان للوثر، رغم أن التعليمات الصادرة عن روما للموفد البابوي تنصّ على اعتقال لوثر في حال رفض الارتداد عن معتقداته. كما أن لوثر غادر المدينة في الليل ودون إبلاغ الكاردينال أو الحصول على إذنه. في يناير 1519 عينت البابوية القاصد الرسولي كارل فون ميلتيز في ألتنبرغ في ولاية سكسونيا لإعادة الاستماع إلى لوثر. كان القاصد الرسولي ذو نهج أكثر ميلاً للمصالحة وقدم بعض التنازلات للوثر في التفاصيل. وفي شهري يونيو ويوليو 1519 نظمت مناظرات بين أنصار لوثر وأنصار التقليد الكاثوليكي، وتمت دعوة لوثر شخصيًا للمناظرة. أكد لوثر بشكل أجرأ خلال هذه الفترة أن متى 18: 16 لا يضفي على البابوات الحق الحصري في تفسير الكتاب المقدس، ومن ثم طعن في العصمة البابوية في الأمور العقائدية.
في 15 يونيو 1520 أصدر البابا مرسومًا يقضي بالطرد والحرم الكنسي للوثر في حال لم يتراجع عن 41 جملة مأخوذة من كتاباته بما فيها القضايا الخمس والتسعين، وذلك ضمن مهلة ستين يومًا. حاول يوهان إيك في ميسين، وكارل فون ميلتيز والسفير البابوي التوسط في إيجاد حل؛ ولكن لوثر الذي أرسل للبابا نسخة من كتابه «حرية المسيحي» في أكتوبر، أضرم النار في المرسوم البابوي على الملأ في فيتنبرغ يوم 10 ديسمبر 1520. وانتهت هذه القضية بصدور الطرد والحرمان من قبل البابا ليون العاشر بحق لوثر في 3 يناير 1521.[45]
تصاعد نشاطه[عدل]
مجلس ورمز[عدل]

لوثر قبيل مجلس ورمز.
في 18 أبريل 1521 عُرض مارتن لوثر على مجلس ورمز. كان المجلس مجمعًا في مدينة ورمز على نهر الراين يضم قضاة من مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ويترأسه الإمبراطور نفسه. وكان سبب انعقاد المجمع الذي بدأ أعماله في 28 يناير وحتى 25 مايو، على مناقشة القضايا الخمس والتسعين التي طرحها لوثر، وآلية تفعيل الحرم الكنسي عليها. حضور لوثر لهذا المجلس، جاء بعد أن حصل على صكّ أمان من الأمير فريدريك الثالث.
قدّم يوهان إيك، متحدثًا نيابة عن الإمبراطور، نسخًا من كتابات لوثر، وسئل بداية إذا ما كانت الكتب من وضعه، ولا يزال موافقًا على محتوياتها. أكّد لوثر أن الكتب من تأليفه، وطلب وقتًا للإجابة على السؤال الثاني. صلّ لوثر، واستشار أصدقاءه، وقدّم رده في اليوم التالي، بأنه مقتنع ولديه ثقة بشهادة الكتاب المقدس وحدها، دونًا عن البابا أو المجامع، التي تخطأ وتناقض نفسها في كثير من الأحيان. واعتبر لوثر نفسه في نصّ جوابه الرسمي «أسير كلمة الله»، ورفض الارتداد عن أفكاره، وقال أنه لا يجوز أن يكره بأن يعتقد ما هو ضد ضميره.[46][47]
على مدى الأيام الخمسة التالية، عقدت جلسات متوالية لتحديد مصير لوثر. قدّم الإمبراطور المسوّدة النهائية التي يراها ملائمة في 25 مايو 1521، وفيها إدانة لوثر بوصفه خارجًا عن القانون، وحظر مؤلفاته، كما طالب باعتقاله بوصفه "زنديق سيء السمعة"؛[48] كذلك فقد نصّ القرار على تجريم كل مواطن في ألمانيا يأوي لوثر أو يقدم له مساعدة، كما أهدر دمه بمعنى أن قتله العمد لن يتسبب بأي أثر قانوني.
في قلعة فرتبرغ[عدل]

قلعة فرتبرغ، المكان الذي التجأ إليه لوثر بعد محاكمة مجلس ورمز.
قام الأمير فريدريك الثالث بنقل لوثر تحت حماية فرسان ملثمين إلى قلعة فرتبرغ بعد انفضاض مجلس ورمز. وخلال إقامته في القلعة الواقعة في منطقة إيزنباخ، ترجم لوثر العهد الجديد من اليونانية إلى اللغة الألمانية، ووضع عددًا من الكتب الجدليّة، كان من ضمنها كتابًا تهجم فيه على ألبريشت رئيس أساقفة ماينز، كما ألف كتبًا أخرى في شرح مبدأ التبرير، وتفنيد لاهوت التبرير في الكنيسة الكاثولكية، وشرح عدد من الكتابات اللاهوتية.[49][50]
جميع هذه الأعمال، ركزت على الإيمان، وقال إنّ العمل الجيد الذي يقوم به المرء بهدف كسب أجر من الله هو خطيئة. وبيّن أنّ كل البشر خطأة بالطبيعة، وأنه بدون نعمة الله، لا يمكن للإنسان أن يقوم بعمل صالح. في 1 أغسطس 1521 كتب لوثر إلى ملنشثون حول الموضوع ذاته: «"كن خاطئ، بل وخطاياك قويّة، ولكن دع ثقتك فيا للمسيح تكون أقوى، لتفرح في المسيح المنتصر على الخطيئة والموت.»[51] في المرحلة ذاتها من مراحل تطوّر فكره، هاجم لوثر التقوى الشعبيّة، مثل الحج أو زيارة الكنائس أو سواها من الممارسات الكنسيّة. قال أن القداس الإلهي هو هدية من الإله، وأدان فكرة اعتبارها تجسيد للتضحيّة، وذهب لحد وضع هذا التصوّر بأنه وثنية. رفض لوثر، خلال تواجده في قلعة واتبرغ، سر الاعتراف بشكل إلزامي، وقال أنه بدلاً من الاعتراف لدى قس، يجب التشجيع على الاعتراف والغفران بشكل خاص، وقال أنّ "كل مسيحي هو مُعرّف".[52] وفي نوفمبر، اعتبر لوثر أن كسر النذور الرهبانيّة، وأهمها نذر العفّة، ليست خطيئة، لأن هذه النذور كانت محاولة غير شرعيّة وقاصرة ودون جدوى للفوز بالخلاص.[53]

الغرفة التي أقام فيها لوثر، في قلعة فارتبورغ.
أثارت هذه الكتابات الكثير من الاضطرابات، لاسيّما في أوساط الرهبنة الأوغسطينية التي تخرج منها لوثر، والتي تمرد بها الرهبان محطمين الأيقونات في الكنائس ومعلنين دعمهم لأفكار لوثر وشجبهم مجلس ورمز؛ بعد زيارة سريّة وسريعة قام بها إلى فيتنبرغ في ديسمبر 1521، كتب لوثر عتابًا لمناصريه على هذه التصرفات، ودعا كافة المسيحيين لتوقي خطر التمرد والثورة.[54] التقلبات في فيتنبرغ استمرت إلى ما بعد عيد الميلاد، حيث دأبت عصابات صغيرة من أنصار لوثر الأكثر تعصبًا، على أعمال شغب، ووعظ حول معمودية الكبار، والعودة الوشيكة للمسيح. وقبيل نهاية العام، سمح مجلس فيتنبرغ بعودة لوثر إليها.[55][56]
العودة إلى فيتنبرغ وحرب الفلاحين[عدل]
عاد لوثر سرًا إلى فيتنبرغ في 6 مارس 1522. وكتب "خلال غيابي، دخل الشيطان إلى حظيرة الأغنام في بلادي، جالبًا ويلات عديدة لا يمكن إصلاحها عن طريق الكتابة فقط، بل من خلال وجودي الشخصي وكلماتي المعاشة".[57] ابتداءً من يوم الأحد 9 مارس، ولمدة ثمانية أيام لمناسبة الصوم الكبير، أعلن لوثر ثمانية خطب، أصبحت تعرف باسم "العظات"، ناقش خلال هذه الخطب أهمية سيادة «القيم المسيحية» الأساسية مثل الحب، والصبر، والإحسان، والحرية، والثقة بكلمة الله بدلاً من العنف في إحداث تغيير ولو كان ضروريًا.[58] وعظ لوثر فيما يخصّ الموضوع الأخير: "هل تعرف ماذا يفكر الشيطان عندما يرى الرجال يستخدمون العنف لنشر الإنجيل؟".[59] ليستنتج أنّ الشيطان هو من يجني الفائدة في ذلك، وأنه يخاف بالأحرى وينهز، عندما يرى الكلمة والعمل هما سلاحا الميدان في المعركة.[59]

صورة لأحد معارك حرب الفلاحين في القرن السادس عشر في ألمانيا.
كان تأثير عودة لوثر كبيرًا للغاية، فبعد العظة السادسة، كتب فقيه فيتبرغ جيروم سشورف: "يا للفرحة من عودة الدكتور مارتن، تنتشر بيننا كلماته من خلال الحرمة الإلهية، وإعادة جميع المضللين اليوم، إلى سبيل الحقيقة".[60] أما المجموعة الثانية من عظات لوثر، فكانت حول إقرار أو تعديل ممارسات كنسيّة بعينها، كما عمل خلال تلك الفترة مع السلطات المدنية لاستعادة النظام العام؛ وقد واجه معارضة قويّة من المحافظين الذين أرادوا المحافظة على الطقوس دون مساس، وهو ما أدى إلى إثارة الاضطرابات الاجتماعية والعنف.[61]
وعلى الرغم من نبذ لوثر للعنف، فإن مساعديه من الدعاة أمثال نيكولاس ستورش وأنصار الأنبياء تسفيكا، وتوماس منتزر، قاموا بتحريض الفلاحين الألمان خلال فترة 1524-1525 للثورة، ارتكبت خلالها العديد من الفظائع، وغالبًا تحت اسم لوثر. كانت الثورات الفلاحيّة على نطاق صغير، أمرًا منتشرًا في ألمانيا خلال القرن الخامس عشر،[62] لكن منشورات لوثر عن رفض التراتبية الهرمية في الكنيسة، وتكرار استخدام عبارات مثل حريّة وليبرالية، أجج اعتقاد الطبقات الفلاحيّة بأن لوثر سيدعم أي هجوم على الطبقات العليا بشكل عام. اندلعت ثورات في فرانكوفونيا، وشوابيا، وساكسونيا السفلى في عام 1524، وتحول الأمر إلى صدامات مسلحة أشبه بحرب.[63]
تعاطف لوثر مع شكاوى بعض الفلاحين، وأظهر ردًا مستفيضًا في مقالاته الاثني عشر التي صدرت في مايو 1525، لكنه أكّد في الوقت ذاته على وجوب طاعة السلطات الزمنيّة.[64][65] وصرّح خلال جولة له في ساكسونيا السفلى، أنه غضب على نطاق واسع من حرق الأديرة ومقرات الأساقفة والمكتبات؛ وعمليات القتل والسرقة؛ التي قامت بها عصابات الفلاحين الداعمة له. بعد عودته إلى فيتنبرغ، قدّم تفسيره لرأي الإنجيل في الثورة، وأدان بشدة أعمال العنف التي وصفها بكونها أعمال إبليس، بل دعا النبلاء إلى إخماد المتمردين «مثل الكلاب المسعورة».[66]
تبريرات لوثر لمعارضته ثورة الفلاحين كانت في ثلاثة أسباب، السبب الأول أنهم اختاروا العنف في وجه حكومة زمنيّة شرعيّة، متجاهلين قول المسيح في «تقديم ما لقيصر لقيصر، وما لله لله»، واستشهد أيضًا بالرسالة إلى روما 13: 1-7 حيث أوضح القديس بولس أنّ السلطة هي من الله وبالتالي لا يمكن مقاومتها. والسبب الثاني، الأعمال المخالفة للوصايا الإلهية خلال الثورة من قتل وسرقة ونهب والتي وضعت الفلاحين خارج «شرع الله وقوانين الإمبراطورية» لذلك فهم «يستحقون الموت في الجسد والروح، إذ غدوا قطاع طرق وقتلة» والسبب الثالث هو التجديف، إذ إنهم قد قاموا بأفعالهم هذه، تحت شعار الإنجيل.[67]
ومن دون دعم لوثر للانتفاضة، ألقى العديد من المتمردين أسلحتهم، وشعر البعض الآخر بالخيانة. وبعد معركة فرانكن هوسن في 15 مايو 1525، انتهت حرب الفلاحين. ليجد بعض المتطرفين ملاذهم في جماعات أخرى نشأت على غرار اللوثرية مثل حركة تجديد العماد.[68]

كاترينا فون بورا، زوجة مارتن لوثر.
زواجه[عدل]
تزوج مارتن لوثر من كاترينا فون بورا، وهي واحدة من اثني عشر راهبة كاثوليكية هربنّ من دير سترسن في أبريل 1523، وساعدهنّ لوثر في الهروب. كان عمر كاترينا 26 عامًا، بينما لوثر 41 عامًا. تزوج لوثر في 13 يونيو 1525.[69][70]
كان بعض القسس المناصرين للوثر متزوجًا بالفعل قبلاً، مثل كرلستدت أندرياس وجوناس يطس، ولكن زفاف لوثر كان ختم الموافقة على زواج رجل الدين.[71] ورغم أن بعض كتاباته قد أدانت عهود العفة التي برأيه لا يمكن أن تنسب إلى الكتاب المقدس، لكن قراره بالزواج قد فاجأ كثيرين، بمن فيهم مقربون منه، أمثال ملنشثون الذي وصف تصرفه بالمتهور.[72] كتب لوثر في 30 نوفمبر 1524 مبررًا زواجه، فإلى جانب الحب، و«اكتشاف الجسد»، فإن لوثر كما اعترف كان يعيش على أبسط أنواع الطعام، ودون أدنى اهتمام، بحاجياته، كسريره مثلاً.
كان لوثر ذي زواج «سعيد وناجح»، أنجب منه ستة أطفال، هانز - يونيو 1526؛ إليزابيث -ديسمبر 1527، والتي توفيت بعد شهور قليلة؛ المجدلية -1529، التي توفت عام 1542؛ مارتن - 1531؛ بول -يناير 1533؛ مارجريت - 1534.[73] إلى جانب عمله الكنسي، فإن لوثر قد ساعد زوجته كاترينا في زراعة الأرض، وبيع منتوجاتها. صرّح لوثر في 11 أغسطس 1526، أنه يملك كل شيء، وأنه لن يبدل «فقر بلده، بثروات كرويسوس».[74]
تنظيم الكنيسة[عدل]

زجاجية تظهر مارتن لوثر يعظ بالإنجيل في كنيسة القديس متى، في الولايات المتحدة.
مع عام 1526 وجد لوثر نفسه وبشكل متزايد، ينظّم كنيسة جديدة.[75][76] بين عامي 1525 و1529 شكّل لوثر هيئة للإشراف على الكنيسة، لخدمة المكان ووضع الكتب والشروح وتنظيم أشكال العبادة. أراد أن تكون الكنيسة لا مركزية، بحيث لا يمكن استبدال النظام التراتبي المعمول به في الكنيسة الكاثوليكية بآخر شبيه، ولذلك فقد أوجد الكنائس المحليّة، مثل كنيسته في ولاية سكسونيا والتي لا تتدخل في شؤون الكنائس في سائر الولايات الألمانيّة، وإنما تتعامل كمستشار لكنائس المناطق الجديدة لا غير.[77] فصل لوثر الإدارة المالية من رجال الدين، وأناطها بمسيحيين عاديين في مجالس خاصة لهذه الغاية، حسب بريشت كاتب سيرة مارتن لوثر، فإن هذه الخطوة، كانت بداية تطور غير مقصود في تاريخ البشرية، حول سيطرة السلطة الزمنيّة على ممتلكات وأموال الكنيسة.[78] تصريحات لوثر التي أطلقها لرعاة الكنائس عام 1528 شكلّت تراجعًا عن حدة مواقفه السابقة، فالبيان الذي صاغه ملنشتون بموافقة لوثر، شدد على دور التوبة في غفران الخطايا، على الرغم من موقف لوثر أن الإيمان كافي للتبرير؛ كذلك فقد أدان تدريس كون الإيمان منفصل عن الأعمال. هذه التعليمات، في وثيقة رسمية صادرة عن لوثر، شكلت مشكلة لأولئك الذين يسعون لتطور ثابت في الفكر والممارسة عند لوثر.[79]
كان لوثر، وبناءً على طلب أتباع الكنيسة، قد كتب ونشر قداسًا ونشره في بداية عام 1526،[80] وهو يشبه إلى حد بعيد الرتبة الرومانيّة الكاثوليكية، غير أن الفروق تميزت باللغة، فالكنيسة الرومانية كانت توجب تلاوة نصّ القدّاس باللاتينية حتى المجمع الفاتيكاني الثاني الذي انعقد في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين أن لوثر ومنذ القرن السادس عشر وضع نصّ القداس باللغة الألمانية السائدة؛ كما أنه قام بتبسيط بعض الحركات الطقسية؛ وأغفل من النص أي عمل كفاري من قبل المشاركين في القدّاس عن خطاياهم. احتفظ لوثر بالتنظيم الكنسي التقليدي، من حيث ارتفاع الهيكل ووجوب الكأس، في حين جعل الشموع وغطاء المذبح وثياب القس المحتفل اختياريّة.[81][82] بعض المصلحين البروتستانت اللاحقين أمثال زوينجلي نظر إلى قداس لوثر وتنظيمه على أنه «بابوي جدًا»؛[83] المؤرخون لاحظوا أن أغلب تعديلات لوثر أدخلت لاحقًا على رتبة القداس الكاثوليكي الروماني نفسها.
قدّم لوثر أيضًا رتبًا عن العماد والزواج، وعيّن مواعيد يوميّة في الكنائس لتلقين التعليم للأطفال أو الشباب أو الفقراء.[84] هذا التنظيم، الذي بدأ في العام 1527، شكل بنوع أو بآخر، أساس مدارس الأحد لدى سائر الطوائف حديثًا؛ والدافع الأساسي له، كتابات لوثر عن عدم معرفة الناس كثيرًا عن العقيدة المسيحية، وأشار إلى كون كثير من القساوسة تنقصهم المهارة والأسلوب في الوعظ والتدريس، لذلك فقد وضع لوثر نظامًا آخر، لتقوية الوعظ في الكنائس؛ كما نشر عام 1529 كتابه الشهير عن التعليم المسيحي، والذي قدّمه كدليل للرعاة والمعلمين، ويشتمل على تعاليم مسيحية سهلة الفهم مثل الوصايا العشر، والصلاة الربيّة، والعشاء الأخير. أشار لوثر أنه من غير المطلوب أن يحفظ المسيحيون فقط عن التعليم المسيحي، بل أن يفهموها أيضًا.[85][86] ولا يزال، كتاب لوثر عن التعليم المسيحي مستعملاً حتى اليوم، إلى جانب العديد من الترانيم التي صاغها، وترجمته الخاصة للكتاب المقدس. ولقد أثبت التعليم الذي قدمه لوثر - لا سيّما المنشورات اللاحقة التي قدمها في كرّاسات صغيرة - فعاليّة كبيرة، في مساعدة الآباء تعليم أطفالهم، وكذلك كان فعالاً بالنسبة للقساوسة.[87] استخدام اللغة الألمانية العاميّة وتبسيط العقيدة، كانتا النقطتان الأساسيتان في تأليف لوثر.[88]
ترجمة الكتاب المقدس[عدل]

النسخة الأصلية لترجمة لوثر للكتاب المقدس عام 1534.
نشر لوثر ترجمته الألمانية للعهد الجديد عام 1522،[89] ثمّ أنهى ومعاونيه ترجمة العهد القديم عام 1534، ليُتمّ بذلك ترجمة الكتاب المقدس كلّه. واستمرّ على دراسة اللغات القديمة والعمل على صقل الترجمة حتى نهاية حياته.[90] انتُقد لوثر لإضافته كلمة "وحده" بين كلمة "الإيمان" في روما 3: 28،[91] غير أن لوثر استفاض بتبرير عمله لكون الخلاص بالإيمان وحده حسب رأي لوثر هو العقيدة الأساسية في المسيحية، وأن القديس بولس كان يريد أن يوصل هذه الفكرة، وبالتالي فإضافة الكلمة أمر ضروري لكي يتضح بشكل ناصع فحوى العقيدة المسيحية في التبرير كما رآها لوثر.[92]
انتشرت ترجمة لوثر في جميع أنحاء ألمانيا، وقال أنه يعتزم العمل بكامل طاقاته لجعل الوصول إلى الكتاب المقدس سهلاً ويوميًا بالنسبة لجميع الألمان، وإزالة أي عائق قد يراه الشخص أمام بعض المفاهيم أو الألفاظ. حظيت ترجمة لوثر بشعبية كبيرة وتأثيرًا كبيرًا في ترجمة الكتاب المقدس، ودفعت إلى ارتفاع الطلب على المنشورات باللغة الألمانية، كما ساهمت مساهمة فعالة في تطور اللغة والأدب الألمانيين؛[93] وذهب البعض إلى أن انتشار اللوثرية في مختلف أصقاع ألمانيا يعود لترجمته هذه؛[94] ومما يذكر، هو تأثير هذه على ترجمات أخرى لاحقة مثل ترجمة الكتاب المقدس للإنجليزية عام 1525، ومن ثم ترجمة الملك جيمس الشهيرة لاحقًا.[95]
الترانيم[عدل]
ترك لوثر إرثًا غزيرًا من الترانيم، التي جاء بعضها تلحينًا لمقاطع من الكتاب المقدس، أو وحيًا من مقاطع بعينها منه. قدّم لوثر ألحانًا للطبقات العليا، وكذلك استخدم الموسيقى الشعبية، بحيث تجمّع حول ترانيمه رجال الدين والرجال العاديين والنساء والأطفال.[96] انتشرت ترانيم لوثر في العبادات، والمدارس، والمنازل، والساحات العامة. الكثير من ترانيم لوثر، كانت مرتبطة بمواقف معينة من حياته لاسيّما كفاحه في سبيل الإصلاح، فمناظراته مع الكنيسة الرومانيّة هي التي دفعت لتقديمه ترنيمة نشيدًا جديدًا، نرفع نحن. (بالألمانية: Ein neues Lied wir heben an) والتي ترجمت لاحقًا إلى الإنجليزية ولحنتها ماريا تيدمان عام 1875.[97][98]
في عام 1524 قدّم لوثر ترنيمته العقائديّة التي تشرح وجهة نظره للمعتقدات المسيحية بعنوان نحن جميعًا نؤمن بإله واحد حقيقي (بالألمانية: Wir glauben all an einen Gott) وهي من ثلاث مقاطع تشرح إيمان الرسل، وتشكل أحد أساسات التعليم المسيحي؛ وتم توسعتها وتطويرها في مراحل لاحقة وباتت أحد أهم الاناشيد الواسعة الانتشار في الكنائس اللوثرية، كما تعتبر من أشهر الترانيم اللاهوتيّة في القرن الثامن عشر، غير أن لحنها الصعب جعل استخدامها نادرًا في القرن العشرين.[96] وفي عام 1538 قدّم لوثر الصلاة الربية ملحنة، مع تفاسير لها تتوافق مع التعليم المسيحي كما رآه لوثر، وذلك بتعليق على كل مقطع من الطلبات السبعة التي قدمها المسيح في الصلاة، وترنّم في الكنائس اللوثرية كتهيئة للقداس، وكوسيلة لدراسة المرشحين لتولي التعليم المسيحي. عدّل لوثر ونقّح في النص مرات متعددة، مما يدلّ على رغبة لوثر في تعزيز النص واللحن لتوفير الصلاة بشكل أكثر ملائمة.[99]
في عام 1523 استوحى لوثر من المزمور 130 ترنيمته من أعماق الويل، أبكي لك (لغة ألمانية: Aus tiefer Not schrei ich zu dir) وأرسلها كعينة لتشجيع زملائه على تلحين المزامير أو وضع أناشيد على غرارها لاستخدامها في العبادات؛ ونشرت هذه الترنيمة مع سبع أخرى في كتاب التراتيل اللوثرية الأول. وفي العام التالي، وضع لوثر ترنيمة عقائديّة أخرى بعنوان وحدها النعمة والتي استخدمت على نحو واسع في الطقس اللوثري لاسيّما في الجنازات. كما أصدر لوثر لحنًا للمزمور 67 وآخر للمزمور 51، مع شرحه من كتاب التعليم المسيحي للوثر والخاص بسر الاعتراف.[100] وعلى الغرار نفسه في وضع الترانيم العقائديّة، كتب لوثر عام 1540 ترنيمة إلى الأردن جاء المسيح (لغة ألمانية: Christ unser Herr zum Jordan kam) ليعكس بخلالها بصيغة الأسئلة والأجوبة متعلقات بالتعليم المسيحي عن العماد. هناك عدد كبير من الترانيم الشهيرة الأخرى التي صاغها لوثر حول عيد الميلاد وعيد الفصح والمجيء الثاني للمسيح والوصايا العشر،[96] أثرت لاحقًا على الفن الموسيقي الديني في أوربا، كما أثرت في كبار الموسيقيين أمثال يوهان باخ الذي أعاد تقديم عدد من ترانيم لوثر في صيغ حديثة.
آراء جدالية[عدل]

نصب لمارتن لوثر في برلين، ألمانيا.
خلافًا لآراء العديد من المصلحين أمثال كالفن وملنشثون،[101][102] كان لوثر يعتقد بأن الروح "ترقد وتنام" بعد انفصالها عن الجسم في الموت، حتى يوم القيامة.[103] وبذلك نفى التفسيرات التقليدية لبعض مقاطع الكتاب المقدس، مثل مَثل الغني والعازر.[104] وخلافًا للكنيسة الكاثوليكية، رفض لوثر فكرة وجود مطهر، يكفّر فيها الموتى عن الخطايا التي لم تكفّر بعد في الحياة الأرضية.[105][106] وأكد لوثر أيضًا على استمرار هوية المرء الشخصية إلى ما بعد الموت. وقد لاحظ اللاهوتي اللوثري فرانز بيبر أن تعليم لوثر عن حالة الروح بعد الموت تختلف عن اللاهوتيين اللوثريين في وقت لاحق أمثال غيرهارد يوهان.[107]
في أكتوبر 1529 استدعى فيليب الأول مجموعة من علماء الدين من ألمانيا وسويسرا لعقد مجلس في ماربوغ بهدف إنشاء وحدة مذهبية في الدول البروتستانتية الناشئة؛[108] وبنتيجة المجلس تم التوصل لاتفاق على 14 نقطة من أصل 15 نقطة مطروحة، والخلاف الوحيد كان عن طبيعة القربان الأقدس - سر الإفخارستيا - وهي مسألة حاسمة في الفكر اللوثري.[109]
اختلف رجال الدين ولاهوتيو البروتستانتية حول تفسير الآيات المتعلقة بتقديم المسيح الخبز على أنه جسده في العشاء الأخير، فبينما ذهب أغلب لاهوتيي الكنيسة البروتستانتية إلى تأويل النص وأخذه مجازيًا، فقد أصرّ لوثر على الوجود الحقيقي وبشكل سرّي للجسد والدم في الخبز الفطير والنبيذ المكرّس، متفقًا بذلك جزئيًا مع تعليم مجمع ترنت في الكنيسة الكاثوليكية؛[110][111] في حين اعتقد خصوم هذا الرأي بأن لا تحوّل يحصل، وأنّ الأمر هو تحوّل روحي أو مجرد رمز.[112] تحول النقاش إلى جدال ومواجهة في كثير من الحالات، خصوصًا مع زوينجلي. وعلى الرغم من هذا الخلاف حول سر القربان المقدس، فإن مجلس ماربوغ مهد الطريق للتوقيع عام 1530 على اعتراف أوغسبورغ والذي شكّل جامعة للدول البروتستانتيّة وشارك به حشد كبير ومرموق من النبلاء والأمراء البروتستانت.[113][114]
مع بداية العام 1537 كان يوهانس أغريكولا وهو أحد القسس الواعظين في آيسلبن مسقط رأس لوثر، يعظ بإسقاط الوصايا العشر بحجة كونها واردة في العهد القديم، وقال بأنه لا يجوز تدريسها كجزء من التعليم المسيحي.[115] قام لوثر بالرد على أطروحات أغريكول في ستة رسائل مفتوحة، بيّن فيها لوثر قراءة جديدة للوصايا العشر، فهي برأيه تساعد في اكتشاف الخطيئة وبالتالي تحثّ على التوبة وطلب الغفران، وتبيّن بشكل جلي ما جاء المسيح ليعمله في الإنجيل.[116] ومن ناحية ثانية، أشار لوثر إلى أن الوصايا العشر تشكل إرادة الله الأبديّة أي بمعنى آخر القانون الطبيعي، الذي يبين كيف يمكن للمسيحي أن يعيش.[117]
كذلك، فإنّ من الآراء والمواقف الجدليّة البارزة التي عُرف بها لوثر، علاقته بزواج فيليب الثاني مع احتفاظه بزوجته الأولى، أي رعايته تعدد الزوجات.[118] كان فيليب قد التمس موافقة لوثر وملنشثون وعددًا من كبار اللاهوتيين حول تعدد الزوجات، مستندًا إلى تعدد الزوجات الذي قام به عدد من الآباء الأولين أمثال إبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى. لم يكن لاهوتيو الكنيسة الناشئة، بمن فيهم لوثر نفسه، قادرين على مواجهة الحاكم والنفوذ السياسي، لذلك فقد رخصوا له بالزواج الثاني شرط أن يكون سريًا وغير مفضوح، ونتيجة هذا الترخيص تزوج فيليب الثاني في 4 مارس 1540 من مارغريت فون ديرسيل.[119]
لاحقًا هدد فيليب الثاني بفضح لوثر، الذي قام بدوره بإنكار أي صلة له بالزواج الثاني، أما كاتب سيرة مارتن لوثر بريخت، يرى أن الموافقة الضمنيّة التي قدمها لوثر على زواج فيليب الثاني كانت «واحدة من أسوأ الأخطاء التي قام بها لوثر»، وأنه أخطأ في حساب الآثار السياسية المترتبة على عمل كهذا، ومن ثم فإن افتضاح هذه القضيّة تسببت بأضرار بالغة على سمعة لوثر.[120]
لوثر والأديان الأخرى[عدل]
موقفه من الإسلام[عدل]
خلال انعقاد مجلس ماربورغ، كان سليمان القانوني يحاصر فيينا عاصمة النمسا.[121] كان لوثر قد رفض مقاومة العثمانيين في شرح له يعود لعام 1518 للقضايا الخمس والتسعين، فاتهم بالانهزاميّة. كان لوثر يرى الأتراك آفة أرسلت لمعاقبة المسيحيين من قبل الله، وأنهم جزء من الويلات التي تحدث عنها سفر الرؤيا إلى جانب البابوية التي اعتبرها لوثر خلال تلك المرحلة ضد المسيح.[122] لبث لوثر معارضًا أي حرب على أساس ديني، معتبرًا إياها مخالفة لعقيدة المسيح، ومن ثم عاد عام 1526 وقبل بحق الدفاع عن النفس ضد الأتراك أو سواهم، وفي أواخر حصار فيينا، كتب لوثر صلاة من أجل الخلاص من الأتراك، سائلاً الله أن «يعطي الفوز للإمبراطور، دائمًا على أعدائنا».[123][124]
في عام 1542 قرأ لوثر ترجمة لاتينية للقرآن،[125] وكتب عدة تعليقات عن الإسلام الذي كان يدعوه «المحمدية» أو «الأتراك».[126] وعلى الرغم من أن لوثر قد وجد الإسلام «أداة للشيطان»، إلا أنه عارض منع نشر القرآن في أوروبا، وعبّر عن أهمية تعرضه للتدقيق والتمحيص في الغرب، كما أبدى عدم مبالاة تجاه العبادات الإسلامية وكتب: «دعوا الترك، يؤمنون ويعيشون كما يشاؤون».[127][128]
معاداة اليهودية والساميّة[عدل]

غلاف كتاب لوثر المعادي للساميّة عن اليهود وأكاذيبهم.
كتب لوثر عن اليهود في جميع مراحل نشاطه، على الرغم من العدد القليل جدًا من اليهود الذين تعامل معهم، لكن مواقفه كانت تعكس التقاليد اللاهوتية والثقافية في الغرب آنذاك والتي صنفت اليهود كشعب رفض قبول المسيح ومن ثم تورط في قتله، وعاش ضمن مجتمعات منعزلة عن المحيط العام في أوروبا.[129][130] اعتبر لوثر اليهود غير مؤمنين لأنهم رفضوا الاعتراف بأن يسوع هو المسيّا،[131] رغم أنه في الوقت نفسه، كان يعتقد بأن جميع البشر على اختلاف مللهم وأعمالهم قد اشتركوا في الذنب نفسه وفي ارتكاب الشر ضد الله.[132] في عام 1523 نصح لوثر بالعطف تجاه اليهود، وبرر ذلك بأن يسوع نفسه قد ولد يهوديًا، لكنه أوضح أن الهدف من المعاملة الحسنة بهدف تحويلهم إلى المسيحية، وأمام فشل مثل هذه الجهود، زادت عدائية لوثر لليهود.[133]
كانت أعمال لوثر الرئيسية عن اليهود هي نحو 60,000 مقالة جمعها في كتاب عن اليهود وأكاذيبهم (لغة ألمانية: Von den Juden und Ihren Lügen) وكتاب الاسم المقدس ونسب المسيح (لغة ألمانية: Vom Schem Hamphoras und vom Geschlecht Christi) وكلاهما نشرا في عام 1543 أي قبل ثلاث سنوات من وفاته.[134] قال لوثر، بأن اليهود لم يعودوا شعب الله المختار وإنما «أناس الشيطان»،[135][136] ودعا لإحراق الكنس اليهودية وتدمير منازلهم ومنع الحاخامات من الوعظ والاستيلاء على أملاكهم، ووصفهم بأنهم "الديدان السامة" التي يجب أن "تعمل أو تطرد إلى الأبد"، وبين أنه " من الخطأ عدم قتلهم".[137] أعمال لوثر، تركت تأثيرًا على أتباعه حتى بعد وفاته،[138] وعلى الرغم من أن السلطات المدنية آنذاك رفضت طرد اليهود بناءً على اقتراح لوثر، فإن أعمال شغب اندلعت خلال عقد 1580 تعرض خلالها اليهود لطرد جماعي من المقاطعات الألمانية اللوثرية. وبحسب عدد كبير من المؤرخين، فإن للوثر وشعبيته أثر بالغ في تطوير معاداة السامية في ألمانيا، وخلال فترة 1930-1940 استخدم الحزب النازي كتابات لوثر، لتكون "الدعامة المثالية" لمعاداتهم الساميّة ومحاولات القضاء على اليهود،[139][140][141][142] وبحسب روبرت مايكل، فإن كل كتاب مطبوع خلال عهد الرايخ الثالث يحوي اقتباسات من لوثر.[143] وفي 10 نوفمبر 1938 تزامنًا مع عيد لوثر، حرقت العديد من الكنس في ألمانيا، ووفقًا لجيري ديك وهو مدرس تاريخ، فإنّ النازية حصلت على دعمها الشعبي والكم الأكبر من أصواتها من المقاطعات البروتستانتية في ألمانيا، خلافًا للمقاطعات الكاثوليكية. في المقابل، فإن بعض المؤرخين برأ لوثر من كونه أصل معاداة السامية، وقال أن تأثير كتبه عن اليهود كان محدودًا ومؤقتًا، لكنّ النازيين استغلوا اسمه بشكل انتهازي. كاتب سيرته مارتن بريخت، أشار إلى وجود فرق شاسع بين اعتقاد لوثر بأن الخلاص لن يناله اليهود، وبين الكراهية لهم على أساس عنصري. ورغم محاولات التبرير هذه، فإن صورة لوثر كمعاد للسامية، والمتسبب بالكراهية لليهود، لا تزال بارزة؛ ومن أصحاب الآراء الشهيرة في هذا الخصوص رولاند باينتون وهو مؤرخ كنسي لوثري، قال أنه يتمنى لو كان لوثر قد مات قبل أن يضع كتابه "عن اليهود وأكاذيبهم".[144]
تباعًا خلال عقد 1980 تنكرت الكنائس اللوثرية من تصريحات مارتن لوثر حول اليهود، ورفضوا استخدامها للتحريض ضد اليهود أو ضد اللوثرية بأي شكل من الأشكال.[145][146]
تصوير لوثر[عدل]
خلافًا لقديسي الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسيّة، قدُمت صور لوثر من دون رموز، يتضح من خلالها بأنه رجل قوي البنية، مع ذقن مزدوجة وفم قوي وعيون عميقة، ورقبة غليظة وقصيرة. هذه الصورة «المدنية» للوثر، كانت تهدف إلى إبراز عدم ابتعاد لوثر عن الملذات الدنيوية مثل الشرب أو الزواج، وهو ما كان يتناقض بشكل صارخ مع التقشف المأمور به في الحياة الدينية للقرون الوسطى. صدرت أغلب صور لوثر خلال مرحلة 1530 - 1540، وكانت ترفق بكتاباته، التي شكلت العامل الأبرز لانتشار البروتستانتية.[147]
السنوات الأخيرة ووفاته[عدل]
لوثر كان يعاني من اعتلال صحي لسنوات عديدة، لا سيّما الدوار، والإغماء، والطنين، وانسداد إحدى عينه،[148] بدءًا من عام 1531 وحتى 1546 حين تدهورت حالته الصحية بشكل كبير. الصراع مع روما، والانشقاقات بين زملائه الإصلاحيين، والفضيحة التي نجمت عن موافقته قيام الأمير فيليب بزوجتين، كل ذلك أدى إلى المزيد من التدهور في حالته الصحية.[149] في عام 1536 أخذ لوثر يعاني من الحصى في الكلى والمثانة، والتهاب المفاصل، والتهاب الأذن، وتمزق طبلة الأذن. وفي ديسمبر 1544، بدأ يشعر بآثار الذبحة الصدرية.[149]

المنزل الذي توفي فيه لوثر في آيسبلن.
تدهور صحته البدنية، جعله سريع الغضب، وأشد قسوة في كتاباته وتعليقاته، وقد قالت زوجته كاترينا صراحة: "لقد كنت وقحًا للغاية".[150] آخر خطبة للوثر كانت في كنيسة أيسلبن مسقط رأسه في 15 فبراير 1546، قبل ثلاث أيام من وفاته.[151] وقد خصصها بشكل كامل، لليهود، واقترح فيها الاستعجال بطردهم من ألمانيا إن لم يصبحوا مسيحيين، لتتخلص ألمانيا من الربا والافتراء، كما برر.[152] في 17 فبراير اختتم بنجاح مفاوضاته مع أشقائه حول إرث والده في التجارة والتعدين. وفي مساء تلك الليلة نفسها، بعد الساعة الثامنة مساءً، قال أنه شعر بآلام في الصدر. وعندما ذهب لينام، صلّى: "يا رب في يدك أستودع روحي". العبارة المقتبسة من سفر المزامير 31: 5، وهي من صلوات الاحتضار. وفي 1.00 صباحًا، استيقظ نتيجة شعوره بآلام مبرحة في الصدر، والتي خفف عنها بالمياه الساخنة. آخر سؤال كان للوثر، من قبل صديقيه جوستوس جوناس وماكيل كوليوس: "أيها القس الأب، هل أنت مستعد للموت بثقة في المسيح، وأنت متعرف بالمذهب الذي كنت قد علمت باسمه؟"، وبشكل متميز كان رد لوثر: "نعم". السكتة الدماغية اللاحقة، منعته من الكلام، وتوفي بعدها بوقت قصير في 2:45 صباحًا يوم 18 فبراير 1546 وله من العمر 62 عام، في أيسلبن مسقط رأسه، ودفن في كنيسة القلعة في فيتنبرغ تحت المنبر، وترأس صلاة الجنازة عليه عدد من أصدقاءه أمثال ملنشقون فيليب.[153][154] وفي العام التالي، دخلت قوات الإمبراطور شارل الخامس - عدوّ لوثر - البلدة، لكن أمرًا من الأميز تشارلز، منع تدنيس قبره.[154]
وعُثر في وقت لاحق على قطعة من الورق التي كانت لوثر قد كتبها خلافًا لعادته باللاتينية، كتب فيها، لا يمكن للمرء أن يفهم فيرجيل ما لم يكن مزارعًا لخمس سنوات على الأقل؛ ولا يمكن لمرء أن يفهم رسائل شيشرون أو حتى يدرسها ما لم يكن قد شغل نفسه في السياسة مع الدول العظمى عشرين عامًا؛ ولا يمكن لأحد أن ينغمس في الكتاب المقدس كليًا، ما لم يكن قد أدار كنائس لمائة عام، مع أنبياء مثل إيليا واليسع ويوحنا المعمدان والمسيح والتلاميذ الرسل، "نحن متسولون وهذا صحيح."[155][156]
يحتفل بعيد لوثر في 18 فبراير في الكنيسة اللوثرية وفي الولايات المتحدة؛ أما في كنيسة إنكلترا يحتفل به مع عيد جميع القديسين في 31 أكتوبر.
مؤلفاته[عدل]
الاسم
الاسم بالألمانية تاريخ الإصدار الموضوع العام
الخطبة في الغفران والرحمة
Eynn Sermon von dem Ablasz unnd Gnade 1518 لاهوت التبرير وآلية الغفران عن الخطايا.
حصن قويّ هو إلهنا
Ein feste Burg ist unser Gott 1529 مجموعة ترانيم دينية، مع ألحانها.
حول الحرب ضد الأتراك
Vom Kriege wider die Türken 1528 يناقش العقيدة المسيحية في الحروب والدفاع عن النفس.
التعليم الكبير 1529 من أهم الكتب، ناقش فيها الكتاب المقدس ونصوصه كالصلاة الربيّة، والوصايا العشرة.
ترجمة الكتاب المقدس 1534 تعتبر أول ترجمة للغة محليّة في الغرب، نالت انتشارًا واسعًا.
عن عبودية الإرادة
De Servo Arbitrio 1525 ينافح لوثر في هذا الكتاب عن كون حرية الإرادة في الإنسان محدودة وغير مطلقة، وهي محكومة بالنزوع نحو الخطأ.
في الحرية المسيحية
Von der Freiheit eines Christenmenschen 1520 ناقش فيه لوثر المفهوم الكتابي للحرية، والمعروف باسم "حرية أبناء الله".
حول عبودية بابل في الكنيسة 1520 من أكثر الكتب هجومية على الكنيسة الكاثوليكية، اعتبر فيها البابا بمثابة ضد المسيح. فكرة بابل، تعود لسفر الرؤيا، حيث تمثل بابل رمز الشرّ الذي سيقضي عليه المسيح في مجيئه الثاني.
التعليم الصغير
Der Kleine Katechismus 1529 استكمالاً لما بدأ في التعليم الكبير، يقوم لوثر باستكمال شروحه وتفاسيره للكتاب المقدس.
تكريم الأسرار
Vom Anbeten des Sakraments des heiligen leichnams Christi 1523 خصصه لوثر لمناقشة سر القربان.
حول سر جسد ودم المسيح- ضد المتعصبين
Sakrament des Leibes and Blutes Christi wider die Schwarmgeister 1526 كتابه الثاني حول سر القربان. "المتعصبين" هنا، الذين قالوا بتمام تحول الجوهر واختفاء جوهر الخبز. نافح لوثر عن بقاء جوهر الخبز لدعم الشكل، ووجود جوهر المسيح في القربان دون شكل.
لاهوت الصليب
Theologia Crucis 1518 من كتبه المبكرة، ناقش فيه سر الفداء، والتبرير المجاني الذي يمنحه الله للإنسان في المسيح.
القضايا الخمس والتسعون
Disputatio pro declaratione virtutis indulgentiarum 1517 يحتوي خمس وتسعين نقطة يعترض فيها لوثر على لاهوت التبرير الكاثوليكي وأهمية أعمال التكفير؛ كان بداية سبب الخلاف مع البابوية.
النبالة المسيحية للأمّة الألمانية
An den christlichen Adel deutscher Nation 1520 خصصه لوثر للحديث عن السلطة والعلاقة بين السلطة المدنية والسلطة الدينية وفعل الروح في الأمة.
العقيدة فيما يتعلّق بعشاء المسيح
Vom Abendmahl Christi, Bekenntnis 1528 كتابه الثالث عن سر القربان، ينافح به عن نظرية الجوهريين، وانعدام المعجزة ببقاء الشكل غير مسنودًا بجوهر.
التعليم حول المملكتين
Zwei-Reiche-Lehre 1528 كتابه الثاني حول السلطة، المملكتين هما مملكة السماء أي السلطة الدينية ومملكة الأرض وهي السلطة المدنية.
صيغة القداس
Formula missae 1523 يعتبر أول كتاب طقسي ليتورجي، يشرح تعديلات لوثر على الطقوس اللاتينيّة في القداس وسواه.
القداس الألماني
Deutsche Messe 1526 ثاني كتبه حول الليتورجيا.
ضد القتلة
Wider die räuberischen und mörderischen Rotten der Bauern 1526 مقالات كتابها لوثر ضد أتباعه من الفلاحين الذين ثاروا على الإقطاع مرتكبين جرائم كالسرقة والقتل.
مقالات حول التعليم
Schmalkaldische Artikel 1537 ثالث كتب لوثر عن التعليم المسيحي، يعتبر الجزء الثالث من التعليمين الصغير والكبير.
عن اليهود وأكاذيبهم
Von den Jüden und iren Lügen 1543 مجموعة مقالات متفرقة، اتهم فيها لوثر اليهود بمختلف الشوائب، وأقذع النعوت. ويعتبر من المؤلفات اللا سامية.
عن الاسم الغير مدرك، ونسب المسيح
Vom Schem Hamphoras 1543 كتابه الثاني ضد اليهود، قارن فيه بين اليهود والشيطان.
في المجامع الكنسية
1539 ناقش أعمال المجامع المسكونية، وأقر فيه قوانينها.
انظر أيضًا

 

 

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [3]  
قديم 15-07-16, 06:38 PM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
رر رد: القديس مارتن لوثر

 

 

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [4]  
قديم 15-07-16, 06:41 PM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
ص رد: القديس مارتن لوثر

محاضرات في تاريخ الكنيسة الغربية - د. يواقيم رزق مرقس
http://st-takla.org/Coptic-History/C...en-Luther.html
59- مارتن لوثر: المُصْلِح



كان هم ما أثار مارتين لوثر Martin Luther هو موضوع الغفران، فقد آمن الكاثوليك أن كل أعمال الشر تنال جزاءها أما في هذه الحياة أو في تلك الفترة التي تعقب الموت والتي سموها (المطهر) والتي تتأهب فيها النفس للسعادة الخالدة، وقد آمنوا أن البابا يستطيع أن يقصرها نتيجة الغفران للأحياء والأموات، وكانت تلك الغفرانات تُباع بالمال، على أن وكلاء البابوية أساءوا استخدام هذه أيضًا، واتخذوا منها وسيلة لابتزاز الأموال، وكانت أمورًا رديئة وفاسدة تؤلم قلب الله وتُخْجِل الكنيسة، وقد دخل كثيرون من أخيار الكاثوليك ضد هذه المساوئ، وسفهوا علنًا تصرفات بائعي صكوك الغفران.



St-Takla.org Image: Heretic Martin Luther, the leader of the Protestants

صورة في موقع الأنبا تكلا: مارتن لوثر المهرطق، مؤسس طائفة البروتستانت الإنجيليين

وفي سنة 1517 أصدر البابا ليون العاشر غفرانًا عامًا للشعب، شاملًا العالم المسيحي كله! وإن كان الغرض منه الحصول على المال اللازم لإتمام بناء كنيسة القديس بطرس في روما!! وكان رئيس الأساقفة البرت منيز وكيلًا عن البابا في بيع الغفرانات في بعض أجزاء الإمبراطورية الألمانية يومئذ، ولكن قيل أن نصف الأموال التي جمعها من الأبرشية اغتصبها لنفسه وسدد بها بعض الديون التي كان قد افتراضها، ومن تم نري هذا النظام الذي وضعته القرون الوسطى يتحول الآن إلى تجارة حقيرة كان لوثر في ذلك الوقت راهبًا حسب نظام القديس اغسطينوس كما كان أستاذًا لعلوم الدين وراعيًا لكنيسة ويتبرج، وكان يرى التائبين الذين يعترفون له بخطاياهم، والذين اشترط عليهم الندم والتوبة وانسحاق القلب، يقدمون له صكوك غفرانهم بديلًا، فأحس بأنه فقد هيبته في خدمته وفي أقداس واجباته، وكان قد معهم في صراع روحي، وبوحي رئيسه وبعض زملائه، فيحاول أن يوضح أن الإيمان هو الشرط الكافي الوافي للتبرير، "وقد اشمأزت طبيعته الدينية من تدنيس هذه الظواهر الروحية الداخلية، ومن "بيع النعمة بالذهب". وفي قمة حماسه أعلن بابا كنيسة ويتنبرج بحوذته الخمسة والتسعين عن منح الغفران، وكان قد كتبها باللاتينية، وعلى حسب عادة ذلك الزمان تحدى فيه الخصوم ودعاهم إلي حوار علني، وكانت مكتوبة بأسلوب وصياغة تثير تفكير الخاصة من العلماء دون العامة في الشعب الألماني، وقال أن غفران الخطايا يمنح لكل مسيحي يتوب ويندم بدون الحاجة إلي صك، وإن غفران البابا ليس إلا إعلانًا للغفران الإلهي، وان إنجيل نعمة الله يأبى التصرفات المخزية التي يقترفها تجار منح الغفران ولم يكن لوثر يقصد مهاجمة البابا أو نظام الكنيسة، ولكنه أحس أن الحبر الأعظم حين يقف على المخازي التي يقترفها وكلاؤه في حق الناس يؤثر أن تهدم كنيسة الفريسي بطرس وتحرق بالنار على أن تبنى على دماء الشعب وعظامه.

أحس الراهب لوثر أنه يدافع عن وجهة نظر البابا ويفضح المتاجرين بالأمر، ولكن المعركة التي اضطر إلى خوضها في سبيل عقيدته ساقته سوقًا إلى الشطط الذي آل فيما بعد، واضطر إلى أن يعلن جهره بالإيمان الذي استقاه من الأسفار المقدسة، والذي بات مصدر قوته وحياتها يناقض العقائد التي اندست في خلال القرون الوسطى وقبل نظام الكنيسة الحالي كله، على أنه مع ذلك ارتضى بناء على رجاء بوعدهم وطلبوا إقامة مناقشة علنية له في ليبنرج، (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى). فأحس لوثر أنه أصبح في حِل من تعهده وراح يقارع خصومه وجهًا لوجه، واضطر أن يصرح علانية أن سلطة البابوية ليست ذات مصدر الهي وأنها من ابتكارات تطور التاريخ أشبه بسلطة الإمبراطور الألماني وان الاعتراف بهذه السلطة ليس من مقتضيات الخلاص.

اتخذ لوثر الخطوة الحاسمة وبعد أن رفض المثول بين يدي البابا الذي استدعاه في روما، وبعد أن جاهَر في مناظرة خصومه بأن لا يؤمن بالسلطة البابوية وبعد أن نشر عقائد إيمان الكنيسة باللغة الألمانية لكي يفهمها الشعب، وبعد كل هذا لم يكن هناك بد من اللجوء إلى الشعب الألماني ذاته بألفاظ تستعر بنار الحماس مناديا إياه أن يطالب بحرية الفرد في الدين.

والذي هدف إليه لوثر الآن هو إنشاء كنيسة ألمانية قومية مستقلة وحرية الأفراد في كثير من الشئون الدينية فقد أعلن مثلًا أن الرجال والنساء، يكونوا رهبانا وراهبات إذا شاءوا ولكن من حقهم أيضًا أن يهجروا الأديرة إذا لم تطمئن نفوسهم إلى هذه الحياة. وأصر على أن خلاص الناس رهين بالإيمان بالله لا بالأعمال الصالحة التي يعملونها.

وقال أن صلوات البشر وأعمالهم ينبغي أن تصدر عن وازِع محبة الله والاعتراف بفضله، وهو المشفق الرحوم غافر الذنوب ولم يقبل، تكون الصلوات والأعمال الحسنة بمثابة رصيد حساب روحي يستعين على نيل الخلاص.

ومما عَلَّمَ به أن حياة الرهبان والراهبات ليست اسمي من الذين يخدمون الله بأعمالهم اليومية في مفترق الحياة، آمن بأن الكهنة رجال عاديون اختيروا لتمثيل الشعب وقيادته في العبادة فقط وليسوا أشخاصا خلقت عليهم الكنيسة نقودًا وخواصًا لن تُنْزَع منهم.

وكان من جراء هذا كله أن حرمه البابا، وأمر بإحراق كل كتاباته. فما كان من لوثر إلا أن أحرق كتاب (قانون الكنيسة) وانثني طلابه ومريدوه في انفعال شديد يحرقون الرسالة البابوية ومؤلفات خصوم زعيمهم في مدينة ويتنبرج.

وعند ذاك كان الأمراء الألمان السبعة الذين حولهم اختيار الإمبراطور قد بايعوا تشارلز الخامس ملكا عليهم، فاستدعي تشارلز لوثر إليه ليجهر بعقائده أمام الجمعية الوطنية (مجلس النواب الألماني) في مدينة (درمس)، فانطلق مع بعض أنصاره في عربة مغطاة وأمامهم المنادي الإمبراطوري وقد رفع علمه الأصفر ذا النسر المزدوج دلاله على أنهم في حصن الإمبراطور، وكان لوثر يخطب في الناس في كل مكان يقف فيه في الطريق، فأثار حماس الجماهير الصاخبة واندفع الناس من بيوتهم يحيونه وهو داخل المدينة وفي أثناء انعقاد مجلس النواب كتبت على الجدران عبارات تهديد تنبئ بأن الثورة ستكون مسلحة إذا أصاب لوثر مكروه وعندما وقف لوثر أمام الإمبراطور في اليوم التالي قرر في غير مواربة أنه لا يتقيد لا بأوامر البابا ولا بقرارات المجامع العامة، وهو لا يخضع إلا لضميره ولأسفار الكتاب المقدس وختم كلامه قائلًا "علي هذا عاهدت نفسي وسأكون على العهد مقيمًا أعانني الله".

ثم عاد لوثر إلى مقره، وكان الإمبراطور تشارلز الخامس يلتمس في ذلك الوقت فضلًا من البابا فعزل الأمراء الألمان الذين انتصروا للراهب مارثن لوثر، ثم استدعى الباقين وأعلن لهم أن لوثر خارج على القانون وقد حدث ذلك قبل أن تمضي عشرون يومًا على مبادرة لوثر المدنية.

علي أن المجموعة كانوا متأهبين، وبينما كان في طريقه خرجت مجموعه الخيالة من غابة، وأوقعوا العربة وحملوه معهم وهناك في قلعه ورتبرج الكبرى أخفاه آمر ساكوني ووضعه تحت حمايته وقد بقي مدة متخفيا في بذله فارس فقير، ومن مخبأة كتب رسائل إلى أصدقائه وأنصاره وهناك شرع أيضًا في ترجمه العهد الجديد إلى اللغة الألمانية بعبارة سهلة الفهم وترجم فيما بعد بمعونة علماء آخرين أسفار العهد القديم أيضا.

وكانت ألمانيا في ذلك الحين على حال من الفوضى والاضطراب، فالإمبراطور كان أكثر الوقت متغيبًا في أملاكه، وكل أمير مستقلًا في إمارته أما الفلاحين الكادحون والفرسان الفقراء فقد انطوت نفوسهم على التمرد والمرارة وعضد الناس لوثر مسوقين إلى ذلك بعوامل متباينة، فبعضهم ناصره لكراهيتهم الضرائب التي فرضها البابا ورغبتهم في أن يديروا ألمانيا الحرة المتحدة والبعض الأخر كالفلاحين توسموا أن تكون مناداته بالحرية المسيحية وسيلة لإعتاقهم من أغلال العبودية وآخرون يهدفون إلى أن يهدموا كل الأشياء من النظم القديمة وخلق عالم جديد.

أغلقت الجامعة في ويتبرج وعطلت العبادة في الكنيسة واضطهد الرهبان والراهبات وبات لوثر في موقف حرج خانق، فهو لم يرد أن يحطم كل النظم القديمة ولا أن يفرض تعاليمه على الشعب فرضا وخشي نشوب ثورة اجتماعية تذهب بكل جهوده وتعاليمه، فاضطر أن يخرج من مخبأه ويهدئ ثائرة الشعب في ويتنبرج حتى عادت الأمور إلى مجاريها، وجاهد لإخماد ثورة الفلاحين، على أنه حينما فشل في ذلك واشتدت الثورة وهاجم الثوار القلاع والأديرة حرص الأمراء على قتلهم وإخماد ثورتهم في غير هوادة ولا رحمه. ولكن لوثر ندم على ذلك فيما بعد وأنب نفسه على هذه الغلطة.

غرست الآراء التي أذاعها لوثر في أوراق كثيرة من ألمانيا، وراح هو بقيه حياته يعلم وينشر دعوته وينظم الكنيسة الجديدة ويتعهد حياتها وثقافتها، وقد تزوج من (كاترين فون بورا) التي كانت راهبة، وعاش وإياها حياة هنية مع أطفالها في البناء الذي كان قبلًا ديرًا له في ويتنبرج. وهناك كتب المؤلفات الدينية ونظم الترانيم التي يرددها البروتستانت الآن.

ولما تفشي الطاعون في ويتنبرج ظل لوثر فيها بين الشعب، وهكذا نشأت الكنيسة البروتستانتية نتيجة عيوب رجال الإكليروس الكاثوليك وشطرت الكنيسة الغربية شطرين ولم ينقضي وقت طويل حتى ساءت العلاقات بين الفريقين وشك كل واحد في نوايا الأخر وبدأت تفرق أوروبا في حروب دينية اتسعت بها الهوة وانتشر التعصب الديني.

وبعد موت مارثن لوثر خرج شخص أخر ليخلق نظامًا جديدًا يؤكد به حق الكنيسة المطلق في الحرية والاستقلال عن الدولة جون كالفين.

 

 

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [5]  
قديم 15-07-16, 06:42 PM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
ص رد: القديس مارتن لوثر

محاضرات في تاريخ الكنيسة الغربية - د. يواقيم رزق مرقس
http://st-takla.org/Coptic-History/C...Lothareya.html
60- اللوثرية وبدعة صكوك الغفران



+ مؤسسها "مارتن لوثر" Martin Luther.

+ نشأته: ولد مارتن لوثر في مدينة "أيزليبن" أي سكسونيا وهو ينتمي إلى أسرة قروية فقيرة إذ عاش عيشة بائسة كما تأثر في حياته بالخدمات التي انتشرت وقتئذ والتي كانت تنادى بتصوير السيد المسيح للناس بأنه (المنتقم الجبار الذي يتوعد الناس بأقصى العقاب والعذاب) ورغم فقر أسرة (مارتن لوثر) إلا أن والده صمم على تعليمه راغبًا فى أن يصبح ابنه أحد رجال القانون وبالفعل درس مارتن القانون في جامعة "أرفورث" وحصل على ماجستير القانون سنة 1505، ولكنه سرعان ما ترك القانون ودخل سلك الرهبان المعروفين باسم "جماعة سانت اغسطين"، وفي هذا الدير أشبع رغبته في التأمل والتفكير في خلاص المرء.. وبعد عامين من الرهبنة التحق بجامعة "فتبزج" ليكمل دراسته الدينية وتفوق وحصل على شهادة دينية تعادل الدكتوراه وفي سنة 1512 أصبح أستاذ اللاهوت في الجامعة وصار من الأساتذة في الوعظ والتدريس، وأجاد.

St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

حياته في الدير وبداية نشر أفكاره: -



St-Takla.org Image: Heretic Martin Luther, the leader of the Protestants

صورة في موقع الأنبا تكلا: مارتن لوثر المهرطق، مؤسس طائفة البروتستانت الإنجيليين

لقد ظلت حالة القلق ملازمه له طوال الفترة التي قضاها في الدير وعلى الرغم من دراسته لعلم اللاهوت ورغم تنسكه وتقشفه فقد ظل يتخوف "من فكرة العقاب والعذاب" إلى أن توصل إلى فكرة كان لها أثرها فيما طرحه بعد ذلك من مقولات قالها:-

(أن الإيمان هو خير وسيلة لتخليص الروح، وأن التبرير يكون بالإيمان وحده) ومعنى هذا أن الإيمان برحمة الله هو خير وسيلة للخلاص من العقاب) واخذ لوثر ينشر أفكاره (التبرير بالإيمان) وبعد ذلك زالت منه مرحلة القلق والخوف من العقاب والعذاب إلا أن فكرته هذه كانت تعنى انتقادًا لوسائل الكنيسة الكاثوليكية في التبرير خاصة بعد زيارته لروما سنة 1530 ومشاهدته لمظاهر الانحلال والفساد الذي أصبح عليه رجال الكنيسة وبعد ذلك أخذ لوثر ينادى بضرورة عودة الكنيسة إلى أصل الكتب المقدسة وضرورة نشر المعنى الذي يساعد الشعب على فهم أصول دينهم.

+ وفي هذا الوقت أصدر البابا (لاون العاشر) صكوك الغفران ليبيعها ويحصل على الأموال اللازمة لبناء كنيسة القديس (بطرس بروما) ووصل إلى سكونيا مندوبه الخطيب البارز (حنا تنزل).

ملحوظة:- قد وقع "حنا تنزل" أثناء بيعه ترويجه لصكوك الغفران عندما قال (أن الرجل الذي ارتكب الخطيئة مع العذراء المباركة نفسها فإن هذه الصكوك كفيلة بأن تمنحه الغفران الكامل)! (وهذا القول في قمة الوقاحة والخطورة) لأجل بيع صكوك الغفران وهنا كان لابد من حدوث مقارنة ما بين (مارتن لوثر) بعقيدته الجديدة (التبرير بالأيمان) وبين ممارسات الكنيسة الكاثوليكية التي أرهقت رعاياها نفسيا وماديا.

+ لذا ردَّ لوثر بوثيقته الشهيرة التي احتوت على 95 حجة ودليل على فساد الكنيسة ورفض فكرة صكوك الغفران وأخذ يحرض الشعب على رفضها وعلق وثيقته الشهيرة على باب الكنيسة في (فتبزج) يوم 31 أكتوبر سنة 1517 ومن هنا بدأت المواجهة بين البابا ومارتن لوثر أو المواجهة بين فكرتين مختلفتين تعبر كل منهما عن مرحله من المراحل، ولم ينجح البابا في أن يرجع لوثر عن أفكاره بل سرعان ما استفحلت وتزايدت أعداد المؤيدين له والملتجئين لهم الساخطين على الكنيسة يومًا فيومًا.

St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

بعد ذلك طلب البابا من رئيس جماعة (سانت اوغسطين) أن يقنع لوثر بالعدول عن أفكاره وبالفعل عقد مجمع (هيدلبرج) سنة 1518 لمناقشة أفكار لوثر لكنه لم يتراجع وتمسك بالأفكار التالية: -

1- أن كل مسيحي معمد إنما يمكن اعتباره رجل من رجال الدين.

2-أن روما مدينة منحلة أخلاقيًا.

3-أن البابا عدو للمسيح.

4- ضرورة زواج رجال الدين وجعل الطلاق أمر مشروع.

وبعد ذلك جمع أفكاره كلها ودفعها في أسفار ثلاثة اسماها (وسائل الإصلاح) وبدا في رواجها الأولى وجهها إلى المدنيين باللغة الألمانية.

وحثهم فيما على المساهمة في إصلاح الكنيسة، والثانية كتبها باللغة اللاتينية ووجهها إلى رجال الدين، والثالثة وجهها إلى البابا لاون العاشر وتتعلق بالحرية المسيحية.

St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

+ لوثر يستدعى للمثول أمام الرايت الإمبراطورى:-

وأمام الرايت الإمبراطورى طولب لوثر أن يعترف بخطيئته، لكنه (رفض) معتبرًا نفسه أنه قد أصبح بطلًا شعبيًا، فلا يصح أن يتنازل مكانته! معتبرًا أنه هو الذي يعبر عن شعور الألمانيين الكارهين لروما.

وبعد ذلك وفى نفس الجلسة التي صدر فيها اتهام لوثر بخروجه عن القانون وأدانته أيضًا الكنيسة وأصدرت أمر بحرمانه لكنه تمكن من الهرب إلى أحد القلاع التي مكث بها حوالي سنة وترجم فيها العهدين القديم والجديد إلى اللغة الألمانية.

وبذلك قد أتاح الفرصة العامة الشعب للإطلاع على الإنجيل وقد بني كنيسة بعدها استمدت هذه الكنيسة نظامها من الكتاب المقدس ومن أفكار لوثر وخاصة فكرة (التبرير بالإيمان).

واجتاحت أثار مارتن لوثر معظم الطبقات وفئات المجتمع الألماني مما أدى إلى قيام بعض الحركات هذا الأمر الذي دفعه للخروج من عزلته ليعضض هذه الحركات.

موقفه أبان هذه الحركات التي هي نتاج لهذه الحركة اللوثرية:

St-Takla.org Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

نتائج اللوثرية

حدث ثلاث حركات بذلك هما:-

1- المطالبة بإعادة التعمير:-

ينادون بإعادة التعمير ويطالبوا بعدم الاكتفاء بتعمير دار الأطفال فإن تعليم الإنجيل كما فهموا تنادى بتعميد البالغين أيضًا ولقد تطرف بعض زعماء هذه الطائفة إذ أنهم طلبوا بتعدد الزوجات لدرجة أن بعضهم أصبح له عشر زوجات! وكانت تنادى أيضًا أنه لا يجوز لمسيحي إشهار السلاح في وجه مسيحي ولكن كانت نصيحة لوثر لهم الالتزام بالهدوء ولكن سرعان ما قضت السلطات على هذه الطائفة.

إلا أنها تعد من النتائج التي أسفرت عنها اللوثرية.


2- ثورة الفرسان:-

هؤلاء الفرسان هم الإقطاعيين الذين امتلك كل واحد منهم إقطاعية صغيره شيد فوقها مقره ونسبوا السيادة والسلطة كلها إلى الإمبراطور كما أن أوضاعهم تدهورت أواخر العصور الوسطى "وقد اتخذوا أفكار مارتن لوثر سندًا لهم، وأخذوا يخربون الكنائس ويستولون على أموالها ودمروها وطردوا الرهبان". (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى). وكان على رأس هؤلاء (فون هتن) الذي أيد أقوال لوثر من أن البابا رجل غريب ينهب أموال الشعب وظهر كثير بعد ذلك من الفرسان لكن لوثر امتنع عن تأييد حركة الفرسان ورفض أسلوبهم العنيف كما أن الأمراء الفلاحين قدموا هذه الحركة مما أدى إلى فشلها.


3- ثورة الفلاحين: -

أهم مطالبهم -الحرية- المساواة خفض ضريبة العشور "كانت تؤدى للكنيسة – تحرير قيمة إيجار الأرضي". والذي يهمنا أن لوثر لم يؤيد هذه الثورة الأمر الذي أضعف الحركة اللوثرية وتضاؤل نفوذها.

وبعد ذلك عقد مجمع "أوجسبرج" في سنة 1530 والذي حاول فيه الإمبراطور التوفيق بين عقائد "البروتستانت" و" الكاثوليك" ورغم مرونة ممثل لوثر في هذا المجمع "ملانكتون" إلا أن رجال الدين الكاثوليك أصروا على اتخاذ كل الوسائل اللازمة للقضاء على لوثر وأتباعه ومذهبه الجديد وبدعته هذه وبعد ذلك جاء رؤساء الكنيسة البروتستنتية بحلف يدعى "صلح أوجسبرج" سنة 1555. ونجح هذا الصلح الذي نتج عنه انقسام ألمانيا حيث سادت اللوثريه في تصحيح الشمال، بينما بقيت الكاثوليكية في الجنوب، الملاحظة الجديدة بالذكر، الصلح أعطي الحرية فقط في الاعتقاد وللأمراء دون الرعية حيث يجب وأن تدين بدين الأمراء.

+ على أي حال، صلح أوجسبرج هذا لم يعترف إلا لعقيدتين فقط هما "الكاثوليكية" و"البروتستانتية"، في الوقت الذي كانت فيه بدأت دعوات الإصلاح تأخذ طريقها إلى أنحاء أوروبا ودول الغرب.

 

 

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [6]  
قديم 15-07-16, 06:47 PM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
ص رد: القديس مارتن لوثر

http://www.lutherinarabic.org/7ayateh_wa_ta3aleemeh.htm
المصلح
مارتن لوثر
حياته وتعاليمه







بحث تاريخي عقائدي لاهوتي

يقدمه


الدكتور
القس حنا جرجس الخضري





دار الثقافة



إهداء


إلى هذين الكنزين العظيمين اللذين منحهما لنا الرب لور (فوزية) وعمانوئيل (فرح) حنا جرجس الخضري


















فهرس الكتاب


إهداء............................................. ..............................

المقدمة .................................................. ......................
الفصل الأول: ميلاده .................................................. ........
الوسط الذي نشأ فيه مارتن لوثر
عماده
حياته العائلية
حياته المدرسية
مارتن في مدرسة مجدبورج
مارتن في مدينة أبزناخ (أو اسناخ)

الفصل الثاني: مارتن الطالب في جامعة أرفورت ....................................
الفصل الثالث: الأستاذ مارتن لوثر يترك الجامعة وينزوي في الدير ..................
الفصل الرابع: الأستاذ لوثر يصبح راهبا أغسطينيا..................................
سيامته كاهناً
شعاع نور في ليل حالك الظلام
مشكلة الخوف من الله ومن الخطية
الفصل الخامس: عودة لوثر للتدريس ..................................................
لوثر في روما
الفصل السادس: الاكتشاف العظيم لعقيدة التبرير بالإيمان ...............
الفصل السابع: صكوك الغفران .................................................. .......
الفصل الثامن: ماذا عملت يا لوثر؟ .................................................. ...
الفصل التاسع: مجمع هيدلبرج .................................................. .......
الفصل العاشر: لوثر أمام الكاردينال كاجتان ............................................
الفصل الحادي عشر: حوار مفتوح في مدينة ليبزج ..........................................
الفصل الثاني عشر: انفصال لوثر عن الكنيسة الكاثوليكية ....................................
الفصل الثالث عشر: كتابات لوثر العظمى .................................................. .
المنشور الأول: أو المكتوب الأول إلى الأمة المسيحية الألمانية النبيلة
المكتوب الثاني: السبي البابلي للكنيسة المكتوب الثالث: الحرية المسيحية

الفصل الرابع عشر: فورمس "بوتقة التجربة" .................................................
الفصل الخامس عشر: قلعة فارتبوج والفارس جورج .........................................
الفصل السادس عشر: عودة المصلح في فيتمبرج .............................................
الفص السابع عشر: ثورة الفلاحين .................................................. ..........
الفصل الثامن عشر: زواج الراهب مارتن لوثر.............................................. ..
الفصل التاسع عشر: صعوبات في وجه الكنيسة الناشئة........................................
زيارة لوثر وملانكثون لبعض الكنائس
الفصل العشرون: اجتماع مجلس الأمة "الدايت" في سبيرس "اوسبير" ودعي اللوثريون بروتستانت في سبيرس أولا (أع 26:11) اجتماع ماربورج ومشكلة العشاء الرباني "الافخارستيا"

الفصل الحادي والعشرون: مجمع أوكسبورج سنة 1530 كاثوليك وبروتستانت .............
الفصل الثاني والعشرون: وان مات يتكلم بعد .................................................
الفصل الثالث والعشرون: بعض الأمثلة من تعاليم لوثر .......................................
مفهوم الكرستولوجي
العشاء الرباني "الافخارستيا"

الفصل الرابع والعشرون: ما موقف الكنيسة الكاثوليكية والعلماء الكاثوليك من لوثر الآن؟




مقدمة
مارتن لوثر
للأعلى
من هذا الرجل. هل كان محقا في صراعه ونضاله ضد البابا وضد الإمبراطور وضد بعض الأمراء والرؤساء الكاثوليك؟ هل كان مخطئا أم محقا في قيامه بحركة الإصلاح؟ هل كان هرطوقيا أم أرثوذكسيا في عقائده وتعاليمه؟ هل كان البابا محقا أم مخطئا في حرمانه للوثر؟ هل كان الإصلاح بركة أم نقمة للعالم؟
سنحاول ان نجيب على هذه الأسئلة وأسئلة أخرى سوف تواجهنا أثناء دراستنا لهذا الكتاب. ولنبدأ بالسؤال الأول وهو لماذا كتب هذا الكتاب؟
1- سوف يحتفل العالم المسيحي البروتستانتي كله في شهر أكتوبر "تشرين الأول" ونوفمبر "تشرين الثاني" بمرور خمسمائة سنة على مولد المصلح الألماني، الذي ولد في 10 نوفمبر سنة 1483م. ومع ان كنيستنا الإنجيلية في مصر هي كنيسة إنجيلية مشيخية الا انها تدين أولا للرب يسوع المسيح في كل شيء، وتدين للوثر وللوثرية بأشياء كثيرة.
2- ان احتفالنا بمناسبة مرور خمسمائة سنة على ميلاد المصلح الإنجيلي، لا يعني بأي حال من الأحوال ان الكنيسة الإنجيلية تقدس الأشخاص، أو تقدم عبادة خاصة لهؤلاء القديسين (2كو 14:13 في 21:4، اتس 27:5) بل تحاول ان تنظر إلى جهادهم وأعمالهم، فتسير في نفس الطريق الذي سلك فيه هؤلاء (عب 7:13). متجنبة على قدر الامكان الأخطاء التي سقطوا فيها، مقدمة المجد والكرامة لشخص الرب يسوع الذي حفظهم بنعمته شهودا أمناء.
3- كما ان الكنيسة في احتفالها بهذه المناسبة لا تريد ان تجرح الإخوة الأحباء من أي كنيسة أخرى لا توافقها في الرأي، أو العقائد، فليس هذا هدف الكنيسة الإنجيلية بل ان هدف كاتب هذا الكتاب هو:
4- ان يقدم دراسة ايجابية بقدر المستطاع عن شخصية المصلح الألماني، محاولا فيها ان يبين الظروف التاريخية والسياسية والدينية التي كانت تعيش فيها الكنيسة الكاثوليكية والمصلح. فكم من المرات قدمنا نحن البروتستانت انتقاداتنا اللاذعة القاسية لموقف البابا ليون وموقف الكنيسة الكاثوليكية عامة في قضية مارتن لوثر دون تفهم للتيارات الخفية السياسية التي لعبت دورا هاما في هذه القضية. ولا أريد بهذا ان ابرر البابا في حرمانه للوثر. لكني أريد ان أقول فقط ان لوثر قد عاش في فترة تاريخية معقدة.
5- ويتمنى الكاتب من كل قلبه ان يكون هذا الكتاب دافعا وحافزا للكثيرين على دراسة حياة مارتن لوثر والفترة التي عاش فيها على ان تكون الدراسة علمية مجردة من الخلفيات التي يحتفظ بها كل منا كاثوليكي أو أرثوذكسي أو بروتستانتي، عن المصلح وعن تعاليمه. ربما وصلت إلى بعضنا بطرق غير علمية وغير محايدة.
6- لهذا السبب فقد حاولت ان أقدم بعض المراجع سواء على صفحات الكتاب نفسها أو في قائمة المراجع حتى يستطيع الشخص الذي يريد التعمق في دراسة حياة وتعاليم لوثر ان يجد بعض المراجع التي تساعده على الإلمام بهذا الموضوع.
7- ومع ان لوثر استعمل في بعض الأحيان، ألفاظاً وعبارات قاسية جارحة في وصفه للبابا، ونحن نأسف كثيرا جدا لهذا التطرف. الا ان شخصية لوثر وتعاليمه يمكن ان تكون مادة سنية لإثارة حوار بناء يقود إلى وحدة قوية بعد انفصال طويل لأن كثيرين من العلماء الكاثوليك في الوقت الحاضر يعترفون بان كنيسة وباباوات العصور الوسطى والعصر الذي عاش فيه لوثر يختلفون عن باباوات وكنيسة العصر الحال، خاصة بعد مجمع الفاتيكان الثاني.
8- كان لوثر يكن للبابا كل حب وتقدير واحترام ولم يغير فكره في ذلك الا بعد التأكيد من ان البابا كان يسعى للقبض علية ومحاكمته كهرطوقي.
9- لم يهاجم لوثر الكنيسة ولم يحاول ان يهجرها لأنه كان يرى فيها أما، فكان يسعى دائما لإصلاحها من الداخل.
10- ومع ان لوثر قد هاجم سلطان البابا وسلطان المجامع، الا ان سلطان المجامع مازالت موضوع جدل ونقاش بين الكنائس التي تؤمن بهذا السلطان الا ان لوثر كان متمسكا ليس فقط بالكتاب المقدس وحده، بل قبل أيضا أقوال الآباء التي لا تتعارض والكتاب المقدس. وقد اكتشف ان القديس اغسطينوس قد أدرك موضوع التبرير بالإيمان بطريقة تشبه إلى حد كبير إدراكه لهذه العقيدة؟!!! ألم يحث هو نفسه أيضا الرهبان في مدينة هيدلبرج على دراسة الكتب المقدسة وتعاليم الآباء؟
11- توجد حقيقة أخرى هامة جدا فيما يختص بلوثر والحوار المسكوني: لقد تمسك لوثر بالكتب المقدسة وشدد على دراستها، كما تمسك بتعاليم الآباء. كما ان الكنائس التقليدية القديمة كاثوليكية كانت أم أرثوذكسية قد فتحت الكتاب المقدس وخرج منها أيضا رجال أكفاء في العلوم التفسيرية والنقدية والتاريخية...........
على هذا الأساس من تمسك المصلح بأقوال الآباء التي تتفق مع الكتاب المقدس، ثم تمسكه بالكتاب المقدس نفسه، أمكن للكنائس التقليدية القديمة وكنائس الإصلاح ان تجد أرضا جديدة تقف عليها للتفاهم. ففي الماضي كان ينظر التقليدي إلى البروتستانتي على انه شخص رافض للتقليد والآباء. وليس هذا صحيح لأن آباء الكنيسة الذين قبلوا الكتاب المقدس وعملوا به هم آباء مصلحين أيضا. ويجب علينا ان نحبهم ونحترمهم كما أحبهم واحترمهم رجال الإصلاح ورجعوا إلى كتاباتهم ولم يحاول المصلحون قط مهاجمة آباء الكنيسة الذين تمسكوا بالكتاب المقدس وعملوا به، بل وجدوا في هؤلاء الآباء سندا وعونا لكي يؤيدوا بأقوال هؤلاء الآباء وتعاليمهم الجديدة التي نادوا بها. ولهذا السبب نجد ان كتابات المصلحين قد امتلأت باقتباسات من أقوال الآباء، هذا ما حاول ان يفعله لوثر. وهذا ما حاول ان يفعله أيضا كثير من المصلحين. فعلى سبيل المثال نجد في كتابات جون كلفن المصلح الفرنسي ثلاثة آلاف اقتباس من كتابات الآباء، فعلينا نحن أبناء وورثة المصلحين ان نقبل كل تعاليم الآباء التي تتفق والكتاب المقدس ولا تعارض معه. وما أكثر تعاليم الآباء التي لا تتعارض قط مع الكتاب المقدس بل هي مأخوذة منه.

12- يجب ان نبحث بطريقة علمية وتاريخية صحيحة وواعية والأسباب الحقيقية التي أدت إلى ذلك الانقسام المخجل. إذ انه توجد أسباب سياسية كثيرة كانت وراء هذا الانقسام. ومما لا شك فيه انه لا يمكن ان نلقي بالمسئولية كلها على عاتق الظروف السياسية وحدها، لأنه كانت توجد أيضا أسباب عقائدية وتعليمية وراء هذا الانقسام ولكننا نعتقد بان الباحث والدارس المنقب يمكنه ان يدرك بان الظروف السياسية التي كانت تحيط بالكنيسة في عصورها الأولى وفي العصور اللاحقة وفي العصور الوسطى كانت سببا في كثير من الانقسامات التي حدثت فيها والتي نعاني منها نحن الآن، بالرغم من ان ظروفنا السياسية تختلف تماما عن الظروف في تلك الفترات التي عاشتها هذه الكنائس.
لقد كانت تسيطر على تعاليم بعض المجامع وبعض الآباء والمصلحين، مفاهيم فلسفية وتعليمية الا ان بعضها تغير، مما يوجب علينا ان نجلس معا كاثوليك وأرثوذكس وبروتستانت ونطرح مشاكلنا على المائدة ونناقشها بصراحة وأمانة.
13- يحتاج العصر الذي تعيشه الكنيسة اليوم شرقا وغربا إلى وحدة كاملة وترابط قوي وإيمان عميق في شخص الرب يسوع المسيح صخر الدهور، ويحتاج أيضا إلى محبة صادقة بلا رياء لكي تستطيع الكنيسة بنعمته ان تواجه تحديات وتيارات العصر الحاضر من الحاد وكفر ومادية وتعصب أعمى. ان الكنيسة كلها غربا وشرقا معرضة لهذه التحديات، وان كنا نثق ونؤمن بان وعد الله صادق وأمين وان أبواب الجحيم لن تقوى عليها فعلينا الا ننسى ان رغبة الله العظمى وأمره السامي واضحان في: صلاة الرب يسوع الشفاعية وهي ان نكون واحدا حتى نستطيع ان نحمل المسئولية الموضوعة على عاتقنا الا وهي ان يؤمن الجميع باسمه.
دار الثقافة



الفصل الأول
للأعلى
ميلاده:
من الغريب ان مرجريت زيكلر، تتذكر جيدا اليوم والساعة التي ولدت فيها ابنها مارتن لوثر ، الا انها لا تتذكر جيدا سنة الميلاد. ولقد حاول ملانكثون Melanchton)) الصديق المخلص والرفيق الأمين للوثر في جهاده، ان يعرف تاريخ ميلاده، فسأل أمه مرجريت، فقالت له انه ولد قبيل منتصف الليل في العاشر من شهر نوفمبر (تشرين الثاني). ولكنها لا تذكر السنة بالتحديد[1]
ولهذا السبب فقد اعتقد بعض المؤرخين ان مارتن لوثر ولد في العاشر من نوفمبر 1483[2] والبعض الأخرى يظن انه ولد في سنة 1484 أو 1485 [3]. اما مارتن لوثر نفسه، فكان يعتقد انه ولد وفي العاشر من نوفمبر 1482، إذ انه تقدم للامتحان في كلية (Erfurt) أرفورت في سنة 1505 ولم يكن من الممكن، بحسب دستور هذه الكلية، قبول أي طالب لهذا الامتحان قبل ان يبلغ الثانية والعشرين من عمره على ان ملانكثون، كان متمسكا لوقت ما ولأسباب نجهلها، بان مارتن ولد في العاشر من نوفمبر سنة 1484. وهذا ما قد سجله في كتابه "حياة لوثر" المؤرخ بتاريخ أول يونيو 1546 [4]، وهي السنة التي انتقل فيها المصلح إلى المجد. ولكن يعقوب أخا مارتن لوثر قال ان أخاه ولد في العاشر من نوفمبر 1483. ويعترف ملانكثون بصدق وأمانة يعقوب حتى انه قبل هذه الشهادة كوثيقة تاريخية، يرجع إليها معظم العلماء.
وبناء على ذلك، تحتفل الكنائس اللوثرية في العالم كله بمرور خمسمائة سنة على ميلاد المصلح الديني الألماني مارتن لوثر في العاشر من نوفمبر سنة 1983م.

الوسط الذي نشأ فيه مارتن لوثر
كان يوحنا لوثر ومرجريت زيكلر من عائلة ريفية متواضعة من أعمال أيزناج أو اسناخ “Eisenac”. ولقد اشتدت قسوة الحياة الريفية عليهما، لأنهما لم يكونا من أصحاب العقارات والأطيان[5] في منطقة تورنج (Thurrine) الزراعية والغنية بغاباتها وحقولها إلى أيسليبن (Eisleben) سعيا وراء لقمة العيش. ففي هذه المدينة التي تقع حاليا في ألمانيا الشرقية[6] وفي احد شوارعها الكبيرة وفي بيت مظلم يخلوا من كل وسائل الراحة والرفاهية والتنعم، ولد المصلح مارتن لوثر[7].
من كان يعلم أو حتى يحلم بان هذا الطفل الصغير الفقير المتواضع النسب والحسب، سوف يغير بحياته وتعاليمه مجرى التاريخ ومصير كثير من دول العالم؟!!!

عماده
تمسكت الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت بفكرة الإسراع في تعميد الأطفال[8] وبما ان يوحنا (هانس) ومرجريت كانا كاثوليكيين محافظين على تقليد الكنيسة وطقوسها فقد طلبا عماد ابنهما في "يوم الثلاثاء" وهو غد ميلاده فحملاه إلى كنيسة القديس بطرس ليعمد هناك، وسمياه باسم مارتن لأنه ولد في ليلة عيد القديس مارتن[9].
ومع ان يوحنا (هانس) لوثر لم يدرس دراسات عالية في الجامعة، الا انه كان على ما يبدو واسع الطموح كثير الجهاد، لا يخشى التعب ولا يهاب الصعاب وقد كتب مارتن فيما بعد يقول: (كان والداي فقيرين جدا، فكانت والدتي تحمل الأخشاب على ظهرها لإعالتنا لقد كانت حياتهما قاسية صارمة) وعندما تكلم لوثر عن أبيه قال: (لقد خلق عرقه مني ما أنا عليه الآن)[10]
ولم يكن رجل طموح مثل هانس لوثر ليرضى بالفتات الساقط من موائد الفلاحين والعمال. ولذلك فقط دفعه طموحه هذا للسعي وراء مكان أفضل وعمل أجدى. ولهذا السبب فبعد مضي ستة اشهر من ميلاد مارتن، ترك أيسليبن متجها إلى مدينة (Mansdfeld) مانسفلد التي تبعد عن أيسليبن بحوالي ستة كيلومترات. وكانت هذه المنطقة غنية بمناجم النحاس والفضة ولم يمر وقت طويل على هذا الرجل المجتهد العامل الطموح، حتى قفز من درجة عامل إلى رئيس لثلاثة مسابك صغيرة[11] ولم يتوقف نجاحه وصعوده عند باب هذه المسابك الصغيرة، بل أصبح هو نفسه مالكا لحوالي أثنى عشر مسبكا[12] كما انه اختير عضوا في مجلس المدينة الذي كان يتكون من أربعة أعضاء لمساعدة الحاكم والاشتراك معه في الإدارة. وبهذا أصبح يوحنا (هانس) لوثر بورجوازيا في مدينة مانسفلد[13].
أما مرجريت زيكلر فكانت هي أيضا سيدة مجتهدة عاملة نشيطة. ولقد رسم كراناش (Cranach) الرسام المعاصر لها صورة تعبر عن حيرتها وقوتها ونشاطها... كما انها كانت أيضا سيدة فاضلة تقية. ولذلك فان كثيرات من جيرانها اتخذنها مثالا لهن[14] الا ان تقواها قد صبغت وتأثرت عميقا بالخرافات والعقائد التي انتشرت في عصرها. فكانت تؤمن كما كان يؤمن الكثيرون من أبناء عصرها بالقوات الشيطانية والحسد (وتأثير العين). كما انها كانت تعتقد ان الأرواح الشريرة تسكن الأماكن المظلمة والبرك والمستنقعات[15] وكانت تخشى من السحر وسلطانه حتى انها نسبت موت ابنها الثاني إلى سحر جارة من جيرانها؟!!![16]

حياته العائلية:
كانت كثرة الأطفال في هذا العصر تعتبر بركة من بركات الله، وعلامة من علامات رضاه على الناس ولقد منح الرب يوحنا لوثر ومرجريت سبعة أطفال[17] فكانوا بلا شك يملأون البيت فرحا وسرورا. ومع ان يوحنا ومرجريت تركا القرية والزراعة، الا انهما احتفظا بالعقلية الريفية بوقت طويل جدا ولوثر نفسه كان يقول (انني فلاح أبا عن جد، ولقد كان كل أجدادي فلاحين)[18]. ومن بين العادات والمفاهيم المنتشرة في ذلك العصر، ليس فقط في القرى والفلاحين، بل في المدن أيضا بين المتعلمين. والتي كانت تسيطر بدورها على يوحنا لوثر ومرجريت المفهوم الخاطئ في تربية الأطفال واستعمال الشدة والقسوة في تهذيبهم. وهذا الأسلوب التربوي الذي اتبعه أهل ذلك العصر لا يدل بأي حال من الأحوال على تجرد الآباء والأمهات والمربين من العطف والمحبة والحنان ويذكر المصلح بعض العقوبات التأديبية التي ذاقها فيقول (لقد عاقبني أبي عقابا شديدا في يوم ما لدرجة اني هربت من أمامه واختفيت، ولم استطع ان آنس إليه الا بعد وقت طويل) ثم يقول عن أمه في يوم من الأيام ضربتني أمي بالسياط حتى انفجر الدم من جسمي بسبب حبة جوز بائسة[19] وبالرغم من هذه التأديبات والعقوبات القاسية التي تألم بها مارتن لوثر فأنه كان يدرك تمام الإدراك ان الهدف من كل هذه التأديبات كان تهذيبه وتعليمه وكانت كلها لخيره. كما يقول هو نفسه: (فبالرغم من ان عقاب والدي لي كان قد تعدى الحدود الا انهما لم يريدا الا خيري)[20].
ومما لا شك فيه ان قسوة والديه في الطريقة التي اتبعاها لتهذيبه وتعليمه تركت انطباعات كثيرة وتأثيرات نفسية عميقة في شخصية مارتن لوثر مرهف الحس، ورقيق الشعور. بل دفعت به أيضا إلى نوع من الانطوائية. ولأجل هذا كتب فيما بعد يقول: (كان والدي في غاية القساوة معي، الامر الذي خلق مني إنسانا خجولا ولقد كانت قسوتها عاملا دفعني إلى الالتجاء إلى الدير لأصبح راهبا)[21] ان قسوة والدي مارتن لوثر في تربيته. ربما جعلته يفكر في الرهبنة هربا منهما الا انها لم تكن العامل الأساسي والوحيد الذي زج به إلى الدير وسوف نتعرض لهذه النقطة فيما بعد.

حياته المدرسية:
التلميذ مارتن في مدرسة مانسفلد:
كان والدا مارتن في غاية القسوة في تهذيبهما له. كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ولكنهما لم يريدا من هذه القسوة والشدة الا تربيته تربية مسيحية صالحة. وبناء على ذلك فقد سجلا اسمه في مدرسة المدينة التي كانت تقيم فيها العائلة لكي يحصل على اكبر قسط من التعليم حتى يستطيع فيما بعد ان يصبح متعلما ومثقفا وهذبا.
فعندما بلغ سن السابعة[22] أو قبل ذلك بقليل عرف مارتن طريق المدرسة. وعلى ما يبدو كان نظام المدرسة والتدريس في ذلك العصر جافا قاسيا. ولقد انقسم العلماء هنا إلى فريقين. فريق يرى ان نظام التدريس كان فعلا جافا وقاسيا ممتلئا بالسطحيات والقشور (والحشو) خليا من الجوهريات والتعمق والتركيز. وبما انه خلا من التعمق والدرس العلمي والبحث الدقيق فقد استعمل المعلمون كوسيلة لتعليم الشدة والقهر والضرب وليس جذب التلاميذ وتشويقهم بطريقة عرض الدروس بوسائل جديدة وبأسلوب ممتع جذاب.
والذين يؤيدون هذه النظرية اقتبسوا عدة مراجع وشواهد من كتاب ذلك العصر- على اننا نكتفي هنا بسرد بعض كتابات المصلح فقط فيما يخص هذا الموضوع. ففي سنة 1524 أرسل لوثر خطابات إلى حكام المدن ليحثهم على العمل على تأسيس مدارس وجامعات في مدنهم. ولقد ذكر في خطابه هذا بعض الانتقادات القاسية والمريرة عن التعاليم والمناهج لدرجة انه لصق اسم جهنم والمطهر بهذه المدارس. فهو يقول عن المدرسة (كنا نعذب... ولم نتعلم شيئا)[23] وعندما يتعرض لوصف قساوة معلميه وشدتهم في التعليم يقول (لقد ضربت 15 مرة في يوم واحد)[24]
إلى هذه النصوص ونصوص أخرى رجع الكثيرون لكي يؤيدوا فكرة ان نظام التعليم كان خاليا من العمق ومصحوبا بالقسوة والعنف.
اما الفريق الثاني فيتفق والفريق الأول على ان نظام التعليم في ذلك الوقت كان قاسيا بالفصل ولكن ليس بالدرجة التي حاول الكثيرون ان يصفوه بها مبالغين. كما بالغوا أيضا في كلامهم عن أسلوب الآباء في تهذيبهم للأبناء[25]. وصحيح ان المناهج كانت قليلة ومحدودة وهذا يرجع إلى قلة الكتب. الا ان الذين كانوا يرغبون في الدرس والبحث، كانوا يجدون أبوابا مفتوحة أمامهم في ذلك الوقت.


المناهج التي كانت تدرس:
كانت تدرس كل المواد باللغة اللاتينية[26] فلقد درس مارتن في مدرسة مانسفلد قواعد اللغة اللاتينية، الوصايا العشرة، قوانين الإيمان، الصلاة الربانية وبعض الترانيم[27] والخطابة والمنطق والتاريخ وبعض العلوم الأخرى.

مارتن في مدرسة مجد بورج (Magde Bourg)
لقد قرر الأب الطموح يوحنا لوثر ان يواصل ابنه دراساته، فأرسله لذلك إلى مدرسة اشتهرت في المنطقة بكفاءة معلميها وتقوى الذي يقومون بإدارتها: وهي مدرسة الإخوة الفرنسيسكان* في مجد بورج. إلى هذه المدرسة جاء مارتن من مانسفلد مع صديق له ميسور الحال يدعى يوحنا رينيك (Jean Reineke) لكي يواصلا دراستهما الثانوية.
كان مارتن في الرابعة عشرة عندما التحق بهذه المدرسة. ومع انه لم يمكث في هذه المدينة الا عدة شهور، لأنه أصيب بمرض أضطره للعودة إلى مانسفلد، الا ان إقامته في هذه المدرسة كان لها تأثير عميق جدا على حياته ومستقبله فبالرغم انه لم يذكرها الا مرة واحدة في كتاباته[28] الا ان الأحداث التي وقعت فيها، لعبت دورا هاما جدا في حياته الروحية ونذكر منها:
1- كان الامر الأول الذي أثر في نفس الشاب هذا هو الحياة في المدرسة نفسها. كان الإخوة الفرنسيسكان يشرفون على إدارتها وعلى التعليم فيها. ولقد اتصفت هذه الجماعة بروح التقشف والزهد والاتضاع والاماتات كما كان القديس فرنسيس الاسيزي. ولذلك فقد حاول بكل الوسائل غرس وتنمية هذه الروح في التلاميذ. ولكي يدربوهم على ممارسة هذه التمرين العملي الصعب، فقد طلبوا منهم ان يتسولوا في الشوارع طالبين صدقة من الناس[29] لذلك فانه من الخطأ إذن ان نقول ان مارتن كان يتسول لفقره، وسوف نرجع إلى هذه النقطة فيما بعد.
2- كان الامر الثاني الذي أثر في حياة مارتن وتفكيره هو تعاليم مدرسية الإخوة الفرنسيسكان عن حياة الرهبنة. ولقد انتشرت في هذه الأيام فكرة ان الرهبنة وسيلة من وسائل الأكيدة على الحياة الأبدية والهروب من غضب الله.
3- اما الحال الثالث الذي ترك في نفس ذلك الشاب المرهف الإحساس والشعور تأثيرا عميقا لا يمكن للأيام ان تلاشيه هو صورة وليم، احد الأمراء والأغنياء من بلدة أنهالت (Anhalt) الذي ترك العلم وكل أمجاده وجاء ليصبح راهبا ويعيش في الدير. وكان يجول في شوارع المدينة طالبا إحسان المحسنين. ولقد ظهرت عظامه تحت ثيابه لكثرة ما كان يعاني من الأعمال البدنية المتعبة وإذلال جسده وقهره. ويقول مارتن في وصفه لهذا الأمير: (لقد رايته بعيني يحمل كيسا على ظهره كحمار)[30] ويقال ان هذا الأمير كان يمارس هذه الأعمال التقوية وتعذيب جسده بهذه الطريقة لكي يكفر عن ذنوب أبيه السالفة[31] ولكي يحصل هو نفسه على الحياة الأبدية.
4- حدث رابع مر به لوثر في هذه المدرسة: فلقد رأى لأول مرة كما يقال- نسخة من الكتاب المقدس، وعندما فتحه عن طريق الصدفة، وجد قصة الصبي صموئيل، فألتهمها التهاما ومنذ هذه اللحظة وهو يتوق شوقا لاقتناء هذا الكتاب العجيب[32].
5- لقد مر الشاب مارتن بهذه الاختبارات في فترة قصيرة جدا لا تتعدى سبعة شهور. وقبل ان ينهي السنة الدراسية أصيب بمرض ورجع إلى مانسفلد للاستشفاء والعلاج وسط العائلة. وبينما كان على فراش المرض، أصيب أيضا أكير مانسفلد بمرض خطير جدا وكان يتوقع هو وكل مدينته موته القريب. ولذلك فقد أعلن ندمه على كل خطاياه، كما انه كان يقوم بأعمال صالحة كثيرة لكي يكفر عن ذنوبه ولكي ينال بأعماله الصالحة كما كان يعتقد، رضا ربه.
لعبت كل هذه الأحداث دورا هاما وكبير في حياة مارتن الروحية وفي مستقبله أيضا. كانت هذه الأحداث أو بعضها سببا في مرضه هذا؟ لا نعلم بالضبط، ولكننا نعتقد ان هذه الأحداث التي حدثت في فترة قصيرة كانت من الأسباب الهامة جدا التي دفعت مارتن إلى التفكير العميق في حياته الروحية وخاصة في مشكلة الموت والتبرير.

مارتن في مدينة أيزناخ أو اسناخ (Eisenach)
بعد مرور بضعة أسابيع على مرض مارتن بدأ يتماثل للشفاء. وعندئذ بدا يوحنا أيضا في البحث عن مدرسة أخرى. وأستقر أخيرا الرأي على مدينة ايزناخ. فان مارتن سوف يجد هناك عمه كونراد هيتر (Conrad Hutter) وهو قندلفت أو سكر ستاني لكنيسة القديس نيكولا في هذه المدينة[33] وهكذا سجل اسم مارتن في مدرسة القديس جورج في أيزناخ وبدأ من جديد عاما دراسيا آخر.
على ان عمه كونراد هيتر لم يعره اهتماما كبيرا. ولهذا السبب فقد انضم هذا الشاب إلى جماعة من الشباب في فرقة الترانيم المحلية. وكان يطوف الشوارع معهم مرنما ومستجديا في حاجة لهذا المال للمدرسة وللأكل والملابس، لأنه كان فقيرا. والذين يؤيدون هذه النظرية، يرجعون إلى أقوال مارتن نفسه عن انه كان من عائلة فقيرة، كانت أمه تحمل الحطب أو الخشب على ظهرها لاعالته... وقد كتب هو نفسه قائلا (لا تستهينوا بالصغار المتسولين لأني كنت مثلهم، نعم كنت فتى مسكيناً مستجدياً وارتقيت إلى ما انا عليه بقلمي..)[34] وكاتب آخر كتب يقول (ونظرا لفقر لوثر لم يدقق معه هؤلاء الآباء في مسألة المصروفات. ومع ذلك لم يستطع لوثر ان يسد مصاريفه الشخصية من جيبه الخالي... وكان من عاداته اثناء إقامته في مجد برج – ان يصحب جماعة من الزملاء الأصدقاء ممن ربطهم الفقر بأواصر الصداقة المتينة ويطوفون في شوارع المدينة يرددون الألحان والترانيم حتى يدبر الله لهم احد الأغنياء الذي يعطف عليهم ويرق لحالهم.. ويقدم لهم شيئا من الطعام[35].
أما الفريق الثاني من العلماء والمؤرخين يعتقد ان الفريق الأول الذي قدمنا بعضا من كتاباته يبالغ قليلا في وصف حالة مارتن بالبؤس المحزن والفقر المقنط والحاجة المؤلمة[36].
ولفهم هذه النقطة يجب ان لا يغيب عن بالنا مرحلتين في حياة يوحنا لوثر: المرحلة الأولى وهي التي قضاها اثناء صباه في أيزناخ ثم هجرته منها لضيق الحال وقلة العيش فيها ولأنه لم يكن من ذوي الأملاك* حتى في ايسلبن لم تتحسن حالته الاجتماعية، ولذلك فقد تركها سريعا سعيا وراء العيش متجها إلى مدينة اشتهرت بالمناجم وهي مانسفلد وهناك استقر. ولم تكن الحياة بالنسبة له في بداية الامر لينة هنية، بل كان عليه ان يجاهد ويصارع ويناضل فلقد بدأ كعامل بسيط في منجم وبفضل اجتهاده في العمل وأمانته ودقته أصبح رئيسا لعمال ثلاثة مسابك، وبعد ذلك نشد الاستقلال فأصبح هو نفسه مالكا أثنى عشر مسبكا وفي سنة 1496 صار عضوا في مجلس المدينة ومساعدا لحاكمها وبذلك أصبح يوحنا لوثر واحدا من بورجوازي هذه المدينة[37].
ومما لا شك فيه ان يوحنا لوثر كان من عائلة فقيرة جدا. ومما لا شك فيه أيضا ان مارتن وإخوته ذاقوا طعم الحرمان المر المؤلم وعاشوا فيه فترة. ولذلك فهو يتذكره ويذكره في كتاباته فمن المحتمل ان تكون أحوال يوحنا لوثر الاجتماعية والمالية بدأت في التحسن بعد ان وصل إلى مانسفلد بعدة سنوات، أي منذ سنة 1493 أو 1494 تقريبا. وكان مارتن في ذلك الوقت قد تجاوز العاشرة أو الحادية عشرة.
وكيف يمكن إذن ان نشرح كتابات الكتاب وكتابات لوثر نفسه التي تتكلم عنه وعن حرمانه والإماتة النفسية وتسوله في الشوارع؟ ولحل هذه المشكلة توجد عدة اقتراحات:
1- كان مارتن عضوا في فرقة الترنيم في مانسفلد ثم في مجدبورج وكذلك في ايزناخ. ومن المعروف بان أعضاء هذه الفرقة لم يكونوا من الفقراء المعوزين فقط بل كانت تظم أيضا أطفال بعض العائلات الغنية والمحترمة في المجتمع[38] وكان الهدف من تكوين هذه الفرق هو الترنيم في الكنائس وفي الشوارع أيضا. ولقد حاول المسئولون عن هذه الفرق ان يبثوا في نفوس المشتركين فيها روح التواضع وإنكار الذات عن طريق التسول وطلب الإحسان في الشارع. ولقد استخدم التلاميذ الفقراء هذه الوسيلة لسد حاجاتهم الدراسية وغير الدراسية.
2- ان الكتاب الذين صوروا لنا مارتن بائسا فقيرا ومتسولا امام الأبواب، كان دليلهم على ذلك النصوص التي تتكلم عن يوحنا لوثر في حالة فقره ونضاله قبل ان يصل إلى حالة اليسر.
3- لقد تألم مارتن فعلا عندما كان يقاسي الحرمان الحقيقي والفقر المادي الذي كان يعيشه مع إخوته في بيت أبيه في المرحلة الأولى من حياة أبيه يوحنا لوثر، وحتى بعد ان تغيرت أحوال أبيه الاجتماعية وتيسرت ظروفه ظل مارتن يشعر بحالة الفقر والحرمان بطريقة تكاد ان تكون واقعية في مجدبورج وفي ايزناخ عندما كان يطوف في الشوارع مع بعض رفاقه الأغنياء والفقراء مرنمين وهم يطلبون احسانات المحسنين. وبما انه كان يشعر بشعور الآخرين ويتألم لآلامهم. فقد اشترك معهم ليس فقط في جمع الكسر، بل كان يشعر بشعور الآخرين ويتألم لآلامهم. فقد اشترك معهم ليس فقط في جمع الكسر، بل كان يشعر في نفسه كما لو كانت هذه الكسر تجمع له شخصيا. ولهذا السبب، فعندما كتب عن المتسولون قال (وأنا أيضا كنت أتسول طالبا بعض الكسر من الخبز لا تحتقروا هؤلاء الصغار فاني كنت واحدا منهم)[39] . فان كان مارتن قد تألم كثيرا أثناء هذه التمارين الموسيقية والغناء في الشوارع، الا ان هذه كانت فرصة ذهبية فعن طريقها تعرف على عائلة كريمة النفس نبيلة الأخلاق ولقد ظل كل حياته مرتبطا بها ومحتفظا ومعتزا بذكرياتها العطرة هذه العائلة هي عائلة كونز كوتا وزوجته أورسول (Kunz Cotta Et Vrsdle) ويبدو ان هذه العائلة سمعته يرنم في الكنيسة، فدعته لتناول الطعام، وعندئذ بدأت روابط المحبة تتعمق، فأصبح مارتن كواحد من العائلة. ولقد كانت هذه السنوات التي قضاها مارتن تحت سقف هذا المنزل سنوات مشرقة شعر فيها بالسرور والارتياح والسعادة النفسية. كانت العائلة غنية ومثقفة وكان البيت مفتوحا، فكم من المواضيع اللاهوتية والدينية والتقوية التاريخية نوقشت أثناء تناول الطعام... وكم كان الشاب مارتن يصغي إلى هذه المناقشات التي دارت بين رب وربة البيت والآباء الفرنسيسكان وغيرهم. ولقد كانت هذه الفترة مشرقة في حياة الشاب مارتن لوثر.



هوامش الباب الأول



[1] Henri Strohl, Luther. Jusqu’n 1520. Presses Universitaies De France, p27.
[2] Roland H. Bainton’s Here J. Stand, A life of Martin Luther, A. Mentor Book, P. 16
[3] Denise Houticq, Luther Mon Ami. Labor et Fides, p. 12.
وانظر أيضا ميرل دوبينياه، ترجم عن الإنجليزية بقلم الشيخ ابراهيم الحوراني (تاريخ الإصلاح في القرن السادس عشر) منشورات مكتبة المشعل في بيروت باشراف رابطة الكنائس الإنجيلية في الشرق الاوس، الطبعة الثانية ص36-37.
[4] H. Strohl, Luther. Sa, Vie Et Sa Pensee, Ed. Oberlin, P.17.
[5] Ronald Baintaon, P.17-19.
[6] Albert Greiner, Luther, UN. Passione de verite, P. 8.
[7] A Greiner, Luther. Essai, Biographique, Labor Et Fides. P.19.
- أ. موريس، حياة لوثر، ترجمة القس باقي صدقه ص6[8]
- ميل دوبينياه ص37.[9]
[10]A. Greiner. Essai. 19.

[11] A. Greiner. Un Pass. P.9. انظر أيضا ميرل دوبينياه، ص37

[12] R. Bainton, P19.
[13] A. Greiner…… 9-11
[14] G. Casalis, Luther Et L’Eglise Conffssante, Ed. Du. Cerf, 1983. P.1-9.
[15] R. Bainton, 18-23.
[16] A. Greiner. Essai P.20.
[17] A. Greiner. Essai P.19, Hourtieq. P.12.
[18] A. Greiner. Essai P.19, Hourtieq. P.12.
[19] A. Greiner. P.19.
[20] A. Greiner.19-20.
[21] H. Strohl, Sa Vie … P.20.
[22] A. Greiner. P.19.
[23] Strohl, Luther Jusqu’en 1520, P.29-30.
[24] ……………………………….P.30.
[25] O. Schell, Martin Luther 2 Voi, Tubingue 1916, 1-4 Et, Strohl P. 29-30.
[26] D. Hourtic 9, 13.
- -ميرل دوبينياه، ص38.[27]

* ان الذي قام بتأسيس جماعة الإخوة الفرنسيسكان هو القديس العظيم والشهير فرنسيس الاسيزي وهو إيطالي الجنسية. ولقد اشتهر بحملاته التبشيرية في الكنيسة ولهذا السبب فهو يعد من المصلحين إذ انه حاول القيام بحملة تبشيرية إصلاحية داخل الكنيسة الكاثوليكية نفسها. كما انه اشتهر أيضا بمحبته الفياضة للناس وللحيوانات وللطبيعة. والجدير بالذكر ان القديس فرنسيس جاء إلى مصر في القرن الثالث عشرة سنة 1219 وتقابل مع السلطان الحاكم في ذلك العصر. فلقد جاء أثناء الحرب الصليبية لكي يقدم صورة أخرى حقيقية عن المسيحية التي شوهها بعض الجنود والقادة الصليبين بتصرفاتهم ووحشيتهم.
في خطابه المرسل إلى عمدة مجدبورج والمؤرخ بتاريخ 15 يونيو 1522.[28]
Christian Egypt: Ancient and Modern. By. Ottor A. Meinardus. Ph. D, P. 40-4 sch. 1. P.70

[29] D. Hourtic q, P. 14.
[30] R. H. Bainton P. 25, Greiner P.20-21.
[31] D. Hourtic q, P. 14.
[32] Strohl, Luther Jusqu’en 1520 P.P. 3-32.
[33] Strohl 24- Strohl, Luther Jusqu’en 1520 P. 32.
ميرل دوينياه 39-40[34]
- أ. موريس، حياة لوثر، ترجمة القس باقي صدقه ص14. [35]
* انظر ما جاء في هذا الكتاب بشان ذلك

[36] Strohl. Jusqu’en 1520 P. 29-32
انظر ما جاء في هذا الكتاب.[37]
[38] Strohl P. 24-25
[39]Strohl P. 24-25










الفصل الثاني
مارتن الطالب في جامعة أرفورت (Erfurt)
للأعلى
أنهى مارتن دراسته الثانوية في مدرسة القديس جورج بمدينة أيزناخ عندما كان في الثامنة عشرة من عمرة ومع ان أباه يوحنا لوثر لم يكن مثقفا ثقافة جامعية، الا انه كان طموحا، واسع الرؤى فيما يتعلق بمستقبل ابنه. وخاصة ان أحواله المالية تحسنت، بل انه احتل مكانة اجتماعية مرموقة في مدينة مانسفلد. لهذه الأسباب قرر يوحنا لوثر ان يلحق ابنه بالجامعة لإتمام دراسته الجامعية فسجل اسمه في جامعة (Erfurt) في مايو عام 1501. [1] وهي اقرب مدينة جامعية لمانسفلد.
وعندما رأى يوحنا ابنه طالبا جامعيا بدأت الأحلام التي غزاها طموحه الواسع تستولي على أفكاره وقلبه فقد كان يحلم بأن يرى ابنه محاميا مشهورا عظيما يشغل مركزا مرموقا في خدمة أمراء مدينة مانسفلد[2]. ولكن لكي يصل مارتن إلى هذا المقام المرغوب فيه كان عليه ان يقطع مرحلة طويلة من الدراسات في هذه الجامعة. وهنا في هذه المدينة بدا المصلح دراسته الجامعية.
درس الطالب مارتن الفلسفة على يد أستاذ بارز الشخصية، وهو العلامة بودوكوس الذي لقب بعلامة أيزناخ (ميرل دوبينياه ص40) كما انه درس أيضا على يد عدد كبير من أساتذة هذه الجامعة الذين اعتبروا من صفوة الأساتذة وأفضلهم: أمثال يوحنا جرفينستاين (Jean Grevenstein) ثم على يد (Gerard Hecker) وجرار هكر الذي صار فيما بعد راهبا في دير القديس اغسطينوس وهو نفس الدير الذي اختاره مارتن فيما بعد- وهو واحد من الذين قبلوا الإصلاح في آخر حياته.
ولقد استطاع الطالب مارتن في فترة الدراسة الجامعية ان يكون روابط صداقة قوية وعميقة مع بعض زملائه الطلبة. ولقد استمرت بعد هذه الروابط الودية طول حياته. بل ان بعضهم وقف وقفة مشرفة بجانبه للدفاع عنه وعن الإصلاح. ومن بين الذين تعرف عليهم أيضا، يوحنا لانج (Jeanlange) الذي ظهرت مواهبه الفذة في اللغة اليونانية ولقد كانا على صلة مستمرة بالمراسلة إلى ان فرق الموت بينهما. كما ان روابط الصداقة جمعته بالطالب جورج بوركاردت (Georges Burckardt) المسمى سبالاتين (Spalatin) والذي أصبح فيما بعد سندا[3] قويا له في صراعه ونضاله ضد البابا والإمبراطور والأمراء.
كان منهاج الجامعة يحتوي على دراسات للقواعد والمنطق والفلك والهندسة وعلوم ما وراء الطبيعة والموسيقى والفلسفة وكانت فلسفة أرسطو تسيطر على هذه العلوم، كما كانت تسيطر أيضا العلوم اللاهوتية الدينية بطريقة ملحوظة[4] ولهذا السبب كان مارتن مضطرا لأن يدرس فلسفات وتعاليم القرون الوسطى. فاطلع على كتابات اوكام (Occame) وسكوتس وتوما الاكويني فنتيرا وعلى كتابات بعض الكتاب الآخرين.
ويعتقد البعض ان مارتن قد رأى الكتاب المقدس لأول مرة في جامعة أرفورت حيث اطلع على قصة صموئيل وحنة. على اننا نتفق مع بعض العلماء الذين يعتقدون انه تقابل لأول مرة مع الكتاب المقدس في مجدبورج أثناء دراسته الثانوية وليس في أرفورت أثناء دراسته الجامعية[5].
وقد بالغ بعض المؤرخين وخاصة البروتستانت في سرد قصة مقابلة مارتن لوثر مع الكتاب المقدس ومما لا شك منه ان إطلاعه لأول مرة على قصة صموئيل الشاب وحنة ترك في نفس مارتن تأثيرا عميقا جدا. لذلك فقد غنى من كل قلبه لو استطاع اقتناء هذا الكتاب العجيب الفريد. وهنا أود ان الفت نظر القارئ الكريم إلى بعض المبالغات التي استخدمت ومازالت تستخدم (عن حسن قصد) في الكنائس الإنجيلية عندما تتعرض لشرح هذه الفكرة الخاصة باكتشاف لوثر للكتاب المقدس. فان البعض يعتقد ان الكنيسة الكاثوليكية كانت تمنع وتحرم دراسة الكتاب المقدس للعامة[6] كما رأى البعض الآخر في نسختي الكتاب المقدس المربوطتين بسلاسل في كل مكن جامعة أرفورت والدير الذي التحق فيه لوثر، رأوا رمزا على الكتاب كان مسلسلا ومقيدا ومغلقا أمام الجميع. ومما لا شك فيه ان الكنيسة الكاثوليكية في ذلك العصر لم تشجع بأي حال من الأحوال العلمانيين على دراسة الكتاب المقدس، أو الإطلاع عليه بل احتفظت بحق تفسيره لأكليروسها، ولكنها لم تحرم الذين كانوا يريدون الإطلاع عليه من ذلك والدليل على ذلك ان الكنيسة لم تصدر أي قرار (بحسب ما نعرف) ضد أول طبعة من الكتاب المقدس التي ظهرت باللغة الألمانية في سنة 1466 في مدينة ستزاسبورج، أي قبل ان يولد مارتن لوثر نفسه[7].
اما فيما يخص الكتاب المقدس المربوط بسلاسل فهذا لا يعني ان الإطلاع كان ممنوعا بل لكي لا تمتد إليه الأيدي غير الأمينة، خاصة ان الكتب في ذلك الوقت، كانت تعتبر كنوزا نادرة لقلتها. وكانت هذه العادة متبعة في بعض المكتبات خوفا من ضياع الكتب.
على أي حال فان مارتن الذي بدا بالتعرف على الكتاب المقدس في مدرسة مجد بورج، استمر في دراسة هذا الكتاب العجيب الفريد دون ان يهمل دراساته العلمية والفلسفية فقد كان مارتن طالبا ناجحا مجتهدا في دراساته، عميقا في تفكيره وأبحاثه. ولذلك فقد سماه أصدقاؤه بمارتن الفيلسوف (A. Gre 23). وكان يلتهم الكتب التهاما وخاصة الكتب الدينية على ان موقفه من الدين كان موقفا غريبا مزدوجا فقد كان مشدودا إلى الدين بقوة غريبة وعجيبة وبميول داخلية عميقة، كما انه كان في الوقت نفسه يخاف كل الخوف ويرتعب كما من الموت. ويصفر وجهه ذعرا عندما كانت تثار مشكلة الدين أو عندما كان يذكر اسم الله أو اسم يسوع. فان اسم الله واسم يسوع كانا يذكرانه دائما بغضب الله وقضائه وبالدينونة الأخيرة وعندئذ كان يستولي عليه خوف رهيب لدرجة الموت. انه لم يستطع ولم يجرأ على ان يقترب من الله العادل القدوس الذي يبالغ في طلب القداسة والبر من الإنسان الخاطئ. لم يستطع ان يقترب من يسوع القدوس الذي صورته الكنيسة كقاض عادل جالس على عرش مرتفع عظيم وقد قبض بيديه على ميزان دقيق لكي يزن أعمال الناس من خير ومن شر لأنه هو الذي يدين وسيدين الأحياء والأموات.
ان اختباراته في مدينة مجدبورج في الماضي (أنظر هذا الكتاب 34-36) أثارت في نفسه تسأولات كثيرة وعديدة فيما يختص بالموت وموقفه منه. لقد لاحقته فكرة الموت أينما حل وسيطرت على شعوره وضميره أينما وجد. والذي زاد الامر سوءا ان مارتن قد مر أيضا في أثناء دراساته في جامعة أرفورت ببعض الأحداث المؤلمة المحزنة. وكان أولها موت واحد من أصدقائه بمرض خطير، ثم اغتيال صديق آخر يدعى ألكسيس في ظروف غامضة. لقد ترك هذا الحادثان في نفس مارتن تأثيرا عميقا مما دفعه إلى ان يتساءل من جديد قائلا: ما مصيري امام الله لو كنت واحدا من هذين الصديقين اللذين طواهما الردى؟.. اما الحادث الثاني فقد لمسه بطريقة مباشرة وشخصية. ففي يوم الثلاثاء التالي لعيد القيامة سنة 1503 كان في طريقه مع صديق له إلى بيت والديه في مانسفلد وظهرت فجأة على الطريق أمامه حفرة حاول ان يتخطاها، ولكنه سقط على صخرة وجرح جرحا عميقا جدا في فخذه. وأسرع صديقه للبحث عن أقرب قرية لطلب المساعدة. وبينما كان مارتن مضرجا في دمائه رفع صلاة حارة للعذراء مريم ثم جاء الصديق، وحمل مارتن ورجع به إلى أرفورت. وفي نفس الليلة أصيب بنزيف فقد كمية كبيرة من الدم. في هذه اللحظة المخيفة المرعبة رفع مارتن مرة أخرى صلاة حارة إلى العذراء مريم لأنه كان يفضل ان يصلي لها لأنها لم تكن تثير في نفسه الخوف والرعب اللذين يشعر بهما امام الله أو امام يسوع[8] ولقد قال عن هذه الحادثة (شعرت باني سأموت متوكئا على مريم).
فان كان مارتن قد تأثر بكل الأحداث التي مر بها سابقا والتي تحدثنا عنها وهي: مقابلته مع الكتاب المقدس، ورؤيته للأمير المتسول، موت بعض أصدقائه في ظروف مؤلمة، وباء الطاعون الذي كان يحصد الناس حصدا.. الخ.. فكل هذه الخطوب القاسية تركت تأثيرها العميق في نفس مارتن . ولكن على ما يبدو فان حادثة الخنجر كانت أقوى وأشد الأحداث في تأثيرها على نفس الشاب الجامعي لأنها اخترقت جسده وروحه. ولذلك فان من المحتمل ان يكون قد اعتبرها نداء مباشرا له من الله[9].
اما الحادثة الثالثة فقد وقعت في 2يوليو 1505 وهو في طريقه في مدينة مانسفلد إلى أرفورت بينما كان يعبر غابة ستوترنهايم (Stotternheim) حيث اشتدت الزوابع وقصفت العواصف بشدة. وانتشر البرق والرعد في جلد السماء الملبدة بالغيوم السوداء. وفي وسط هذا الجو المظلم المخيف وفي وسط الغابة إذا بصاعقة هائلة تقتلع شجرة وتلقي بها عند قدميه وعندئذ ارتمى على الأرض وشعر انه في لحظاته الأخيرة وان الموت ليس عنه ببعيد[10] وعندئذ صرخ بدون تفكير طالبا النجدة والخلاص من القديسة حنه قائلا: (يا قديسة حنه أنقذيني سأكون راهبا بقية حياتي)*
ويبدو ان مارتن شعر في هذه المرة أيضا ان صوت الله كان يدعوه. لقد عاش مارتن طفولته في جو يسيطر عليه الخوف والاضطراب والقلق: فكان والداه قاسيان في معاملتهم له وانتشار وباء الطاعون قد زاد خوفه وقلقه واضطرابه من الموت وكذلك أيضا الاحداث التي مر بها هذا الشاب الرقيق الإحساس رسمت امام عينيه صورتين لم يستطع الفرار منهما: صورة الله القاضي المخيف المرعب، ثم مصيره بعد الموت.
ومع ان مارتن كان أسير هذه الأفكار الخاصة بالموت الا انه لم ييأس من الحياة، ولم تستطع هذه الأفكار ان تقوده إلى أي نوع من الأمراض النفسية كما ادعى البعض ذلك على غير حق والدليل على ذلك أنه أنهى دراسته الثانوية والجامعية بتفوق عظيم[11] وبعد ان أنهى دراسته للحصول على درجة البكالوريوس، قبلته الجامعة في احتفال رسمي عظيم مشرف لدراسة الحقوق إذ كان ترتيبه الثاني على سبعة عشر طالبا وقد كلف بالتدريس أثناء دراسته للحقوق.
وهنا تفتح أبواب المجد والعظمة على مصراعيها امام الأستاذ الشاب مارتن لوثر. الأبواب التي كان يحلم بها كل طالب متفوق: انها أبواب العظمة والمجد التي كان يحلم بها يوحنا لوثر الذي ذهل وأعجب كل الإعجاب بابنه وبصعوده للمجد الاجتماعي، فقرر في ذلك اليوم الا يخاطبه فيما بعد "بأنت" ضمير المفرد المخاطب: بل ان يخاطبه قائلا "انتم" علامة على الاحترام والتقدير (وهذا ما كان يحلم به يوحنا لوثر، انه ابنه يرتقي في دراسته لكي يحتل مركزا مرموقا في المجتمع. فهل سيحقق الأستاذ الجامعي مارتن لوثر امال أبيه الكبيرة ويواصل صعوده للمجد الاجتماعي في مدينة مانسفلد؟؟!!!!
هوامش الفصل الثاني





أ. موريسون ص18.[1]
[2] A. Greiner. P. 22.
[3] D. Hourticq P. 17-18.
[4] A. Greiner P.22.
دكتور عزت زكي تاريخ الكنيسة (ح3) : المسيحية في عصر الإصلاح، ص39، (ميرل دوبنياه ص41).[5]
[6] Sch. P. 89-92, H. Strohl, Luther Jusqu’en 1520, P.30-32.
[7] H. Strohl, P. 31.
[8] D. Hourticq P. 17-18.
[9] A. Greiner. P. 24.
[10] D. Hourticq P.18.
[11] A. Greiner. P. 22.







الفصل الثالث
الأستاذ مارتن لوثر يترك الجامعة وينزوي في الدير
للأعلى

بدا الأستاذ مارتن لوثر في إلقاء محاضراته في جامعة أرفورت، وكان في نفس الوقت يتابع دراسته أيضا في كلية الحقوق نزولا على رغبة أبيه وتحقيقا لها. ولم تمضي على هذه الحالة عدة أسابيع حتى وقعت له حادثة الصاعقة التي كادت ان تقضي على حياته وهو في طريق عودته من بيت والديه إلى أرفورت في 2 يوليو 1505.
ورجع مارتن بذاكرته إلى الماضي وحاول ان يرى الأخطار التي تعرضت لها حياته وكيف أنقذ منها. ألم يصب بمرض خطير في سن الرابعة عشرة وهو يدرس في المدرسة الثانوية في مجدبورج؟ ألم يعتريه المرض مرة ثانية أثناء دراسته في أرفورت؟ ألم تتعرض حياته مرة أخرى للموت عندما سقط على خنجر؟ ألم تكن حياته مهددة بالوباء الذي انتشر في المنطقة وراح ضحيته عدد كبير من الناس؟!! فماذا ينتظر إذن؟!! لقد حصل على درجة علمية رفيعة وهو يتمتع باحترام أصدقائه وبمحبة وفخر والديه. لقد كان الناس يشيرون إليه بالبنان. وأبواب المجد الارضي فتحت امامه على مصراعيها. فماذا يريد بعد ذلك؟ .. كان يريد ويبحث عن الحياة الأبدية؟ (لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه) (مر36:8) ولكن كيف يستطيع الإنسان ان يربح نفسه؟ كيف يستطيع الإنسان الخاطئ ان ينال الحياة الأبدية؟ أي ان ينال رضا الله البار العادل القدوس، ألم يصرخ لوثر نفسه قائلا: "أه لو كان في استطاعتي ان أكون رجلا تقيا وأرضي الله"[1] ولقد ظن ان أفضل طريق لإرضاء الله والحصول على بره هو الهروب من العالم والالتجاء للدير وعمل الاماتات ففي الدير سيكون بعيدا عن العالم وشواغله ومشاكله وتجاربه. هناك سوف يكرز وقته وحياته لله. سوف يقوم بعمل عدد كبير وهائل من أعمال الخير والاماتات التي ستكون كافيه لخلاصه وربما لخلاص آخرين وأيضا وهنا يقرر مارتن ان ينطلق إلى هذا المكان الهادئ المريح، لكي يستريح قلبه ويهدا ضميره. انه يريد الحصول على السماء بأعماله وسوف يعمل ويعمل إلى ان يحصل على حق الدخول إلى السماء. ولكن قبل ان يذهب إلى الدير، وفي ليلة 17 يوليو 1505 أي بعد حادثة العاصفة بأسبوعين دعا جماعة من أصدقائه وزملائه في الدراسة والتدريس لقضاء سهرة ممتعة معا. وأكلوا وشربوا وانشدوا الأناشيد ورنموا وضحكوا ثم تبادلوا الاخبار السارة وغير السارة. وفي نهاية هذه السهرة وقف مارتن لكي يلقي كلمة. وربما توقع البعض انه سيعلن لهم خبرا سارا من أخباره، ولأجل هذه المناسبة قد دعا بعضا من الذين ارتبطوا بروابط المحبة والصداقة لكي يشتركوا معه ويشاركوه في أفراحه وعندما بدا خطابه قال لهم بلهجة اختلط فيها المزاح بالجد: (الآن انتم تروني وغدا سوف لا تروني، ولهذا فقد دعوتكم لأودعكم)[2] فنظروا إليه مندهشين وظن البعض انه يمزح والبعض الاخر لم يفهم ماذا قصد مارتن بذلك... وعندئذ قام بتوزيع بعض أمتعته القليلة من ملابس وأشياء أخرى وعندئذ فهموا الا ان الامر لم يكن بالسهل تصديقه[3].
وفي 18 يوليو 1505 كتب مارتن خطابا لوالديه ليعلن لهما خبر دخوله الدير. وفي نفس اليوم قدم استقالته للجامعة مع الخاتم الذي أعطى له كأستاذ واخيرا انطلق إلى دير القديس اغسطينوس للناسكين لينزوي فيه هناك باحثا عن الطريقة التي يستطيع بها ان يرضي الله وان يحصل بأعماله الحسنة واماتاته الجسدية على البر فهل استطاع بها ان يحصل على بر الله وهل هدأ ضميره...
كان وقع خطاب مارتن على أبيه يوحنا كوقع الصاعقة على مارتن في الغابة. فعندما قرأ يوحنا لوثر الخطاب الذي أرسله له ابنه معلنا فيه خبر دخوله الدير حزن حزنا عميقا جدا، وكيف لا يحزن ويتألم وهو قد بنى آماله وفخره على نجاح وتقدم مارتن في دراسته. ففي لحظة واحدة انهار امام عينيه القصر الفخم الضخم الذي بدأ في بنائه منذ اثنين وعشرين عاما. ضاعت الآمال يا مارتن!! وفي غيضه وغضبه ضد ابنه بدأ يخاطبه من جديد قائلا: "أنت" بضمير المفرد بدل "انتم للاحترام" كان يوحنا لوثر ثائرا وغاضبا على ابنه ولم يرد ان يغفر له هذا الخطأ ولكن امام مرض الطاعون الذي طوى اثنين من أولاده في هذه الفترة وامام الإشاعات التي انتشرت بان يوحنا لوثر نفسه مريض رق قلبه وترأف على ابنه مارتن. فمع انه لم يغفر له كل المغفرة الا انه كف على الأقل عن مهاجمته.







هوامش الباب الثالث




[1] A. Greiner P. 25.
[2] D. Hourticq P. 19.
[3] Greiner P. 24.







الفصل الرابع
الأستاذ لوثر يصبح راهبا اوغسطينيا
للأعلى
لماذا دخل مارتن لوثر الدير؟ حاول المتخصصون في الدراسات اللوثرية (Les Lutheroques) ان يجدوا جوابا لهذا السؤال. فقدموا نظريات كثيرة ومعقدة. ولتبسيط الامر سوف لا نتعرض الا لنظريتين من هذه النظريات.
1- يعتقد البعض ان قرار لوثر دخول الدير لم يكن ابن يوم وليلة، بل كان نتيجة تفكير طويل وصلاة مستمرة وعميقة.
ألم يتأثر الشاب مارتن بحياة مدرسة مجدبورج؟ الم يترك أيضا الراهب الأمير انطباعات عميقة في تأثيرها قوية في فاعليتها على نفس الشاب المرهف الإحساس عندما كان يراه يجول متسولا في ثياب رثة وجسم نحيل ذلك كله لكي ينال الحياة الأبدية عن طريق الرهبنة؟ فلم يدخل الدير إذن الا بعد فكر تفكيرا جديا عميقا.
2- النظرية الثانية: يعتقد أصحاب هذه النظرية ان لوثر اتخذ هذا القرار بطريقة فجائية وبدون ترو أو دراسة أو تفكير. ففي اللحظة التي سقطت فيها الشجرة امام قدميه، وكادت ان تقضي على حياته، في هذه اللحظة عينها رأى ان حياته بلا قيمة وفي نفس الوقت رأى انه معرض للموت فصرخ مدفوعا بهذا التأثير الوقتي قائلا: (يا قديسة حنة إذا أنقذتني سأكون راهبا بقية حياتي). فان هذا النذر الذي نطق به مارتن لم يكن نذرا مدروسا بطريقة واعية مدركة بل كان نذرا اضطراريا في ظرف يناسب بأي حال من الأحوال اتخاذ هذا القرار الذي كان يجب ان يتخذ في ظرف هادئ وعلى غير عجلة هذا ما يقوله أصحاب النظرية. ولتأييد فكرتهم هذه يقولون ان لوثر كان مضطرا، رغما عنه تحت ضغط الخوف من الموت لان ينطق بهذا النذر ولتراجع إلى كتابات لوثر نفسه للاستنارة بها في هذه المشكلة ففي كتاب كتبه سنة 1521 وقد أهداه إلى أبيه حاول لوثر ان يشرح في مقدمته السبب الذي من اجله نطق بهذا النذر في غابة ستوترنهايم فقال: (أتذكر .. اني قلت لك ان دعوة مخيفة من السماء قد وجهت إليّ، فلم أصر راهبا رغبة مني أو مسرة في الرهبنة بل دفعت بطريقة لا تقاوم للنطق بهذا النذر)[1] ويقول مولر (Muller) ان هذا النص يوضح لنا الأسباب الحقيقة التي من اجلها دخل لوثر الدير (لقد كان مدفوعا بطريقة لا تقاوم)[2]
وقد رجع الذين يتمسكون بهذه النظرية إلى لوثر والى ما كتبه في سنة 1539 عن حادث الصاعقة حيث قال انه ندم على هذا النذر كما اننا نجد في خطاب (Crotus Rubiduns) المؤرخ بتاريخ 16 أكتوبر سنة 1519 قول لوثر بان البرق هو الذي قرر مستقبله.
من هذه الشواهد السابقة يعتقد البعض ان لوثر اتخذ هذا القرار تحت تأثير الخوف من الموت الذي أثارته الصاعقة في نفسه. وبناء على ذلك كان يعتقد انه مضطر ان يوفي هذا النذر بلا رغبة ولا اقتناع.
فأمانه منه نحو هذا النذر وتمسكا بوعده دخل الدير. والسؤال الذي يجب ان نسأله هنا هو هل كان لوثر فعلا ملتزما بأن ينفذ ما قد وعد به في ظروف اضطرارية؟ ان العارفين بقوانين الكنيسة الكاثوليكية يؤكدون لنا بان النذر يصبح فعليا عندما يصرح به علانية وبطريقة رسمية. بل يمكن للناذر ان يتراجع في نذره أثناء فترة الاختبار[3] ومن المعروف والمسلم به ان مارتن لوثر لم يكن رجلا أميا جاهلا لا يعرف القوانين الكنسية بل كان رجلا متعلما مثقفا. ولقد مر أولا بفترة الاختبار بعد دخوله الدير، وكان يمكن له خلال هذه الفترة ان يتراجع في قراره هذا لو كان فعلا قد أخذه بطريقة عشوائية وتحت تأثير الخوف فقط.
ونحن نعتقد ان لوثر لم يتخذ هذا القرار بطريقة عشوائية وبدون تفكير. هذا صحيح بأنه نطق بنذر الترهب امام الصاعقة التي كانت تهدد حياته. ولكن لو كان لوثر لم يفكر قط قبل ذلك في حياة الترهب، ولو كان فعلا ندم على نذره الذي نذره تحت تأثير الخوف من الموت، لكان في استطاعته قانونيا ان يسحب هذا الوعد الذي وعد به، أن فترة الاختبار التي كانت تسبق الاحتفال الرسمي برهبنته خصصت لهذا الامر.
كان لوثر ابن عصره، ولقد اعتقد أهل ذلك العصر ان أسلم وأضمن طريقة للحصول على الخلاص هي الترهب. وكان الناس في القرون الوسطى ينظرون إلى الرهبان بكثير من الاحترام والتقدير، وخاصة الرهبان الذين اختاروا نظما قاسية للرهبنة. وبما ان لوثر كان يبحث عن الخلاص والهروب من غضب الله فلابد انه فكر مرارا في موضوع الرهبنة قبل حادث الصاعقة، وهذه الأخيرة لم تكن هي السبب الأول والأساسي الذي دفعه لاتخاذ هذا القرار، بل كانت العامل الذي ساعده على ان يقرر قرارا لم يستطع حتى الآن ان يخرجه إلى حيز الوجود فلقد رأى في حادث الصاعقة كما لو كان الله يدعوه، وشعر أيضا انه مرغم على ان يلبي هذه الدعوة ولأجل هذا يقول في خطابه لأبيه: (.. ان دعوة مخيفة من السماء قد وجهت إلي فلم أصر راهبا رغبة مني أو مسرة فيها...)
وكما يبدو لي انه أراد ان يقول انه لم يصر راهبا حبا في الرهبنة في حد ذاتها، بل لأنه شعر بان الرهبنة تقوده إلى ما كان يبحث عنه من فترة طويلة الا وهو الخلاص. ان لحظة الصاعقة لم تكن هي اللحظة المصيرية كما يقول كروتوس روبيانوس (Crotus Rubianus) بل ان حادث الصاعقة لم يكن الا حلقة في سلسلة. والدليل على ذلك هو انه كان في مكانه_ كما سبقت الإشارة إلى ذلك- ان يتراجع في نذره هذا قبل ان ينطق به مرة ثانية عندما صرح به بطريقة رسمية علانية في سبتمبر 1506 ولكننا نرى العكس، فلقد استمر مارتن مدة طويلة يلتمس رضى أبيه وموافقته على نذره. وحتى 4 ابريل سنة 1507 يوم الاحتفال بسيامته كاهنا حاول مارتن ان يشرح لأبيه مزايا الرهبنة حتى ينال موافقته.
وفي فترة الرهبنة كان مارتن راهبا مثاليا، لأنه كان يبحث عن خلاص نفسه واعتقد ان الطريق الأسلم كان الدير. وملانكثون الذي يعرف لوثر أكثر من أي شخص آخر يقول فيما يخص دخوله للدير ان الدافع الديني والخوف من الغضب الإلهي هما اللذان قادا لوثر إلى الدير لكي يكرس حياته بجملتها للحصول على الخلاص.
واننا نعتقد ان هذا هو الهدف الأساسي الذي دفع لوثر لاتخاذ هذا القرار. لقد أراد ان يتحرر من العالم ومن مشاكله وشواغله. وكان مدفوعا برغبة قوية عميقة في الحصول على الخلاص. فأين يجد هذا الخلاص؟ ان المكان المثالي للحصول على هذا الخلاص المنشود والهروب من غضب الله هو الدير. لقد فكر في هذا الامر مدة طويلة، وهنا امام الصاعقة استطاع ان ينفذ ما فكر فيه طويلا.
كانت مشكلة لوثر مشكلة دينية لازمته لمدة طويلة جدا في حياته، ولم يتحرر منها الا بعد ان قاده الروح القدس إلى الاختبار العظيم وهو اكتشاف عقيدة التبرير بالإيمان. على ان بعض كتاب السير (Biographes) الكاثوليك قد احتجوا في العصور البائدة واستمر هذا الاحتجاج إلى عصر ليس ببعيد على حقيقة ان لوثر كان يمر بأزمة روحية دينية حقيقية. فقد حاول دانيفل(Denifle) عبثا ان يشرح أهم الوثائق التي تتحدث عن أزمة لوثر يرجع تاريخها إلى سنة 1530. وبناء على ذلك لا توجد أي أزمة روحية حقيقية في حياة لوثر، وبحسب ما يعتقد دانيفل ان لوثر اخترع قصة بدون أساس، يهدف منها تشويه سمعة الكنيسة وتبرير عجزه وعدم مقدرته على حياة المثل الرهبانية العليا[4].
ولا ينكر جرزار (Gerisar) وجود الأزمة بل يعترف بوجود لحظات صراع وحزن وغم في حياة لوثر. ويرجع كل هذا إلى ان لوثر كان يعاني من مرض نفسي يحتاج إلى علاج. وعلى أي حال فان الأغلبية الساحقة من العلماء الكاثوليك المتخصصين في دراسة لوثر وتعاليمه، يرفضون حاليا كتابات دانيفل وجرزار[5]* وسوف نناقش هذا الامر فيما بعد.

حياته في الدير
لقد أخطا دانيفل خطأ كبيرا عندما قال ان لوثر اخترع هذه الأزمة الروحية لكي يشنع بالكنيسة ولكي يبرر نفسه الفاشلة. في عدم مقدرته على تحمل حياة الرهبانية. وما يمكننا ان نقوله ردا على ذلك هو ان لوثر لم يرد قط ان يشنع بالكنيسة بل كان يكن لها كل حب وتقدير واحترام. وكل ما حاول ان يعمله فيما بعد ما هو الا إصلاح هذه الكنيسة التي يحبها. كما انه لم يكن عاجزا عن القيام بكل الواجبات المطلوبة من الرهبان، كما يدعي ذلك دانيفل، بل كان راهبا مثاليا. لا يقوم فقط بما تطلبه القوانين ونظم الرهبنة، بل كان يفعل أكثر من ذلك. الم يكتب فيما بعد قائلا: (لا ريب في اني كنت راهبا تقيا، فعشت حسب قوانين الرهبنة خير حياة فلو كان للراهب ان ينال السماء بأعماله الرهبانية لكنت أول نائلها ويشهد بذلك كل من عرفني من الرهبان ولو طال علي ذلك لقتلت به نفسي)[6].
ولربما يقول معترض ان الذي كتب هذه السطور هو لوثر نفسه. فهناك شهادة أخرى تؤيد تماما هذا القول: فان فلاسيوس (Flacius) قص قصة حدثت له سنة 1549 فقد تقابل مع راهب في سنة 1543، وكان هذا الراهب مع لوثر في نفس الدير لمدة ثماني سنوات. ويشهد هذا الراهب بان لوثر كان يحافظ على قوانين الدير بدقة شديدة كما انه كان يحيا حياة التقوى ممارسا أعماله باجتهاد[7] والجدير بالذكر ان هذا الراهب لم ينضم أبدا للإصلاح. وهذا ما يعطي لهذه الشهادة قوتها.
وقد كان لوثر راهبا تقيا، بدافع التقوى ورغبة في الحصول على السماء وعلى بر الله بإعماله المحسنة، اختار ديرا قاسيا في نظامه، وهو الدير الاغسطينين في مدينة أرفورت. ولقد كانت قوانين هذا الدير شديدة صارمة جدا ومنها:
الصلاة سبع مرات يوميا، والاستيقاظ في الساعة الواحدة صباحا فعندما كان يقرع الجرس الأول كان على الراهب ان يرسم علامة الصليب ويستعد لارتداد ثيابه، وعند سماع صوت الجرس الثاني كان عليه ان يترك قلايته مسرعا إلى الكنيسة ثم يسجد امام الهيكل ويصلي صلاة تعبدية للمخلص، إلى ان يحضر الجميع وعندئذ كانوا يصلون معا لمدة حوالي 40 دقيقة. كان على الرهبان أيضا الا يتناولا الا وجبة واحدة في الساعة الثانية بعض الظهر. لمدة تصل إلى نصف أيام السنة. وفي هذه الفترة كانوا لا يأكلون لحما ولا زبدة ولا جبنا ولا بيضا. كانت قلايات الشباب بدون تدفئة في الشتاء كما يقول ستروهل (كان السهر والصيام والبرد حقائق تاريخية وليست أساطير وقد مارسها فعلا الرهبان). وبالرغم من الصيام والسهر والأشغال اليدوية الأخرى، التي كان على كل راهب مبتدئ ان يقوم بها. فقد كلف كل راهب بان يقوم بجولات تسولية في المدينة. وكان الغرض من هذا التسول أولا: ان يتعود الراهب على التواضع والطاعة. ثانيا: لكي يمد الدير بالأشياء التي يحتاج إليها. ولقد اعتقد البعض ان هذه العملية كانت إهانة لشاب مثقف جامعي، ولهذا السبب طلبت الجامعة من [8][9]الدير إعفاء لوثر من هذه المهمة[10] وفي حقيقة الامر كان هذا القانون يطبق على جميع الذين التحقوا جامعيين كانوا أو أميين، ألم يطبق هذا القانون على الأمير الانهالت؟ (انظر هذا الكتاب ص35). ولوثر نفسه قال بطريقة تخلو تماما من لوم رئاسة الدير: ان اخوة الدير لا يقبلون الاستثناءات لأي شخص جديد أي كان[11]. اما فيما يخص موضوع تدخل رئيس الجامعة فليس لكي يعفوا مارتن من أي عمل من هذه الأعمال، بل لكي يسمح له بان يواصل دراساته وتدريسه وكان قانون الدير يسمح بذلك.
ومن الواضح ان لوثر لم يتذمر أو يتبرم من مكثرة العمل أو دناءته، ولا من السهر والصيام والصلاة إذ ان هدفه من دخول الدير كان الحصول على رضى الله. وكان يريد ان يخلص نفسه من الهلاك الأبدي ومن غضب الله. فكيف يمكنه إذن- حسب ما اعتقد آنذاك – ان يحصل على الخلاص الا بالسهر والصلاة والصوم وتعذيب الجسد واستعباده؟!![12]
اعتقد لوثر كما كان يعتقد كثيرون في هذه الفترة ان الخلاص أو إرضاء الله امر متوقف على ما يقوم به الإنسان من أعمال صالحة وصوم وصلاة وعمل اماتات الجسد. فعن طريق هذه الأعمال يمنح الله نعمته ولهذا السبب لم يكف جهدا عن القيام بهذه الأعمال، كما انه كان يقوم بأعمال وضيعة من غسل وكنس ورش وتسول في المدينة. لقد كان يقوم بما كلف به وما لم يكلف به من هذه الأعمال الوضيعة الشأن وكان يصلي أيضا أوقات وساعات طويلة، ألم يقضي عدة أيام في صومعته وهو يصلي حتى فقد الوعي تماما واضطر الإخوة ان يكسروا البابا لكي يقوموا بالإجراءات اللازمة لإنعاشه؟!!! ويقول هو نفسه (كانت حياتي عبارة عن صوم وسهر وصلاة وعرق، فقد كدت ان اقتل نفسي بالسهر وبالدراسة وبالصلاة وبالأعمال الكثيرة الأخرى)[13] كان يريد ان يجمع ما أمكنه من الاستحقاقات والأعمال الصالحة. ولذلك قال: (لقد رأى الآخرون في حياتي مظهرا عظيما للقداسة على انها لم تكن واضحة في عيني فقد كنت محطما وحزينا)[14] ورغم الاماتات والتضحيات والأعمال الصالحة التي كان يقوم بها لوثر لم يكن على يقين من خلاصه، وهذا هو السبب وراء شعوره بالحزن. كان يشعر دائما ان الله في ثورة ضده. وهذا ما قال له ستوبيتر معارضا انه ثائرا ضد الله.
لقد مضى الآن أكثر من عام على لوثر في الدير وهكذا اجتاز فترة الاختبار. ولا لوم ولا "غبار" عليه. وجاء اليوم الموعود الذي فيه استطاع مارتن لوثر ان يصرح بحرية تامة وبدون أي ضغط خارجي أو داخلي بنذره للرهبنة. فبدون تردد ولكي يواصل العمل في الحصول على خلاصه بنفسه، أعلن مارتن لوثر في سبتمبر 1506 نذره النهائي للرهبنة ودعى باسم الراهب اغسطينوس[15].

سيامته كاهنا
بعد ان صرح الأخ مارتن اغسطينوس بنذره لحياة الرهبنة في سبتمبر 1506 قرر الدير سيامته كاهنا في الرابع من ابريل سنة 1507 في كاتدرائية أرفورت. وفي يوم 2مايو من نفس السنة أقام الدير حفلا عظيما بمناسبة أول قداس يقوم به الكاهن لوثر. ولقد اجتاز في هذا اليوم اختبارا مريرا قاسيا فقد قال: (عندما قمت في خدمة أول قداس لي شعرت اني على حافة الموت)[16]. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: لماذا وصل لوثر إلى هذه الحالة يوم قيامه بأول قداس له؟ لماذا هذا الخوف والاضطراب والانزعاج، لدرجة ان رئيسه الذي كان واقفا بجانبه اضطر ان يسنده؟
لقد أصبح مارتن الآن كاهنا: أي الشخص الذي يقوم بعمل معجزة تحول الخبز والخمر إلى جسد الرب. هذه المعجزة التي لا يستطيع أي علماني مهما كانت درجته أو مكانته أو عظمته في الدنيا. ان يعملها ان الله بجلاله وعظمته سيكون بين يديه بعد فترة قليلة عندما ينطق بالكلمات الجوهرية. قائلا هذا هو جسدي وهذا هو دمي. سوف يختفي هذا الخبز الذي يمسكه الآن بين يديه كذلك الخمر أيضا ويحل محلها كلية وجزئية المسيح* فهل يمكن لي انا الإنسان الخاطئ ان أمسك بين يدي الله البار القدوس الذي أضطرب اضطرابا عظيما من الوجود في حظرته؟!!
هذا هو السبب الذي جعل مارتن يضطرب ويخاف وينزعج في نفسه بل شعر ان قواه تدهورت وان ساقيه لا تقويان على حمل جسده. كان هذا الاختبار بالنسبة للكاهن الجديد قاسيا ومريرا. على أي حال انتهى القداس وجاء المدعوون ليقدموا تهانئهم المعتادة للكاهن الجديد. وكان عليه ان يلقي كلمة في حفل الطعام. وفي هذه الكلمة وصف الحياة الرهبانية بأنها (الحياة السعيدة الإلهية) هل كان يقصد بذلك النتيجة التي تؤدي إليها الحياة الرهبانية؟.. وفي هذه الحفلة رفع أبوه يوحنا لوثر بالقول: (هل من العدل ان يمدحوا هكذا رجلا لم يقم أي وزن لإرادة أبيه مكسرا وصية من أقدس وصايا الله؟) كان يقصد الوصية الرابعة الخاصة بإكرام الوالدين- فعلى أي حال ان دلت هذه الكلمات على شيء تدل على ان يوحنا لوثر لم يكن حتى الآن راضيا كل الرضى عن ابنه[17]. انتهى الحفل ورجع كل واحد إلى أعماله، كذلك مارتن إلى قلايته وابتدأ من جديد دراساته وتأملاته وصراعه. كان مارتن في صراع مستمر لأنه كان يرى الله دائما كما لو كان قاضيا مخيفا ويسوع المسيح ديانا للأحياء والأموات.
لقد اعتقد البعض ان الخطية هي السبب الأول والدائم الذي كان يثير الخوف والرعب والاضطراب في نفس لوثر ومما لا شك فيه ان الخطية كانت سببا من أسباب اضطراب لوثر، على انها لم تكن السبب الأول والأساسي، لأن السبب الأول والأساسي في اضطراب وخوف لوثر كان مفهومه الخاطئ عن شخص الله. فقد تصور الله قاضيا مرعبا مخيفا كما تصور يسوع المسيح ديانا مهيبا ولم يحاول ان يرى الله كأب محب ولم يحاول ان يرى يسوع المسيح مصلوبا على الصليب بدافع الحب، لكنه كان يرى دائما يسوع المسيح جالسا على العرش ليدين الأحياء والأموات، فهو الذي يأمر بان يلقي الأشرار في العذاب الأبدي. فحسب مفهومه هذا يكون يسوع قد جاء لكي يهلك لا لكي يخلص الهالكين.

شعاع من نور في ليل حالك الظلام
مقابلة الشاب لوثر مع ستوبيز (Staupitz)
لقد هرب لوثر من العالم وألقى بنفسه في أحضان الدير، ظانا انه سيجد داخل جدرانه الشامخة المرتفعة وفي الصلوات التي يرفعها الرهبان ليل نهار سيجد الملجأ والسلام اللذين يبحث عنهما. ولقد مرت الأيام والشهور، بل سنتان، ومازال في شكوكه وصراعه وخوفه من الله القاضي الذي يعاقب الخطاه ويطاردهم أينما وجدوا.
وفي احد الأيام أصيب مارتن بمرض خطير وأشرف على الموت. وعندئذ بدأت اضطراباته من جديد أمام مشكلة الموت والخوف من الله تثار من جديد وجاء إليه راهب شيخ وتحدث معه طويلا. ولقد وثق الراهب الشاب فيه واطمأن إليه. فقص عليه بعضا من مشاكله الروحية، ومخاوفه من عقاب الله الديان العادل. وعندئذ ذكر الراهب الشيخ راهبنا الشاب بما يقول قانون الإيمان (أومن بغفران الخطايا) ثم أردف قائلا أنا أومن بمغفرة الخطايا[18] كان لهذه الكلمات البسيطة التي كان يرددها لوثر كل يوم في قانون الإيمان وقعا جديدا وتأثيرا عميقا جدا في نفسه وهكذا بدأ يفكر ان الله لا يدين فقط بل يغفر الخطايا أيضا.
ولا نعلم بالضبط من الناحية التاريخية فيما إذا كانت مقابلة هذا الراهب الشيخ مع لوثر تمت قبل أو بعد مقابلة له مع النائب العام للأديرة الاغسطينية في ألمانيا. ولكننا نعلم ان ستوبيتز لعب دورا هاما في حياة لوثر.
كان ستوبتز نائبا عاما لكل الأديرة الاغسطينية في ألمانيا. ولقد تميز بنبل أخلاقه ودقة سلوكه وسمو حياته الروحية والتواضع وكان مثاليا في حياته ووداعته ومحبته. وبما انه كان مسئولا عن كل الأديرة الاغسطينية في ألمانيا فقد كان كثير الترحال. ومن المحتمل ان يكون قد تقابل مع الراهب الاغسطيني (مارتن) لأول مرة في أرفورت أو فيتمبرج (Wittemberg) وربما في سنة 1507 أو 1508 لكن الأهم من هذا كله هو المقابلة التي حدثت بين هذين الرجلين: بين رجل تقي عميق الإيمان مستنير، ومطلع ليس فقط على أقوال الآباء، وخاصة كتابات القديس اغسطينوس بل على الكتب المقدسة أيضا. وشاب قلق مضطرب يبحث بجد وأمانة عن طريق الخلاص وهنا يتقابل هذا الشاب المضطرب الخائف من الله مع هذا الرجل الواثق من الله والمحب له.
وبدون شك فان الرئيس العام يوحنا ستوبيتز شجع هذا الشاب الراهب على ان يفضي إليه بأسراره وان يعترف بخطاياه وان يشاركه همومه ومشاكله الروحية. ومما لا شك فيه أيضا ان لوثر انتهز هذه الفرصة فرصة القلب المفتوح لكي يعترف له بكل شيء. يعترف له بشكوكه اضطراباته وخوفه من الله. وتوجد بعض الوثائق التي سجلت لنا بعض من المناقشات والمحادثات والرسائل التي تمت بين لوثر وستوبيتز وبين لوثر وآخرين. فما هي المشاكل التي كانت تقلق لوثر والتي حاول ستوبيتز مساعدته في حلها؟


1- مشكلة الخوف من الله والخطية:
من المشاكل التي ناقشها لوثر مع ستوبيتز(Staupitz) مشكلة الخوف من الله، ثم الخوف من ارتباكه خطية مميتة. ولابد ان ستوبيتز في شرحه للوثر جروح المسيح قد ابرز له موضوع محبة الله. "الله محبة" فلا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى الخارج (1يو19،8،4) فإذا كنا ننظر إلى الله كأب محب لا نجد مكانا للخوف. وفي احد الأيام لاحظ المرشد وجه لوثر عابسا فسأله عن سبب عبوسه وكان الجواب هو خوفه من الخطية وغضب الله[19] ثم قال له ستوبيتز اني مرة أخرى (لقد تعاهدت مع الله أكثر من ألف مرة بان أكون قديسا وحنثت بوعدي ولم استطع، فان لو يرحمني الله في المسيح فاني هالك)[20].
2- مشكلة الاختيار (Predestination) :
ومن المشاكل الأخرى التي سببت للوثر القلق والاضطراب مشكلة الاختيار. فكان يتساءل، عمن يضمن له انه واحد من المختارين؟ وهل الله هو الذي يختار الإنسان أم الإنسان هو الذي يختار الله؟ فان كان الاختيار مبنيا على الأعمال الصالحة والاماتات، فهل أعمالي الصالحة واماتاتي كافية بان تجعلني واحدا من المختارين؟ وان كان الاختيار متوقفا على قصد الله وحده فهل انا واحد من هؤلاء الذين سبق الله فعينهم للحياة الأبدية؟ (رو9) وكيف يمكنني ان اعرف ذلك؟ وهل استطاع مرشد لوثر الروحي ان يطمئن قلبه المضطرب وروحه المنزعجة. فلقد كتب لوثر خطابا في سنة 1542 إلى كونت مانسفلد الذي كان يمر بنفس المشكلة، وقال في خطابه انه شديد الأسف لسبب اضطرابه وقلقه امام مشكلة الاختيار. ثم أردف قائلا: (لقد كنت انا أيضا غارقا في هذه الأفكار. ولو لم ينتشلني الدكتور ستوبيتز أو بالاحرى لو لم يستخدم الله الدكتور ستوبيتز لانتشالي لفقدت حياتي وصرت من مدة طويلة في الجحيم)[21].
من هذا النص يمكننا ان نرى ان لوثر كان مشغولا وقلقا على مستقبله الأبدي. كما سيتضح ان مرشده الروحي استطاع ان يدخل السلام إلى قلبه، ولو جزئيا. يقول لوثر انه تحدثت ذات يوم مع ستوبيتز عن مشكلة الاختيار التي كانت تقلقه، فقال له ان جروح المسيح هي التي تقدم للعالم المعنى الحقيقي للاختيار لا شيء آخر ثم قال له أيضا، ان الذين يريدون ان يناقشوا مشكلة الاختيار عليهم ان يثبتوا أنظارهم على جروح المسيح فان الله بذل ابنه لكي يتألم بدل الخطاة[22] ومن يؤمن بهذا فهو في الطريق المستقيم. كان ستوبيتز عميقا جدا في الروحيات وفي الفكر أيضا. فقد فتح عيني الراهب الشاب على حقيقة ان الله ليس هو القاضي المخيف الذي يطارد الإنسان، بل بالعكس هو الآب المحب ومحبته لا حدود لها فهل يمكن للوثر ان يخاف من هذا الإله؟!!
لقد لعب رئيس أديرة الاغسطيني دورا هاما جدا في حياة لوثر، [23]وهذا الأخير لم ينسى فضله ففي خطاب قد كتبه في سنة 1545 يدعو فيه ستوبيتز "أباه" بين لوثر كيف انه مدين له بالعقيدة الإنجيلية وبميلاده الثاني في المسيح[24] كما انه مدين له أيضا بنور الإنجيل الذي أنار حياته.. وفي خطاب آخر كتبه إلى أبيه الروحي يذكره بحديث بينهم على المائدة بخصوص موضوع التوبة فقال: (ان الكلمات التي قلتها لي بدت لي كما لو كانت آتية من السماء، وعندما قلت ان التوبة الحقيقية تبدأ بمحبة البر ومحبة الله).
لقد كان تأثير ستوبيتز على لوثر عميقا. فقد كانت زيارته لهذا الشاب الراهب ومناقشاته معه عبارة عن شعاع من نور في ليل حالك الظلام فأنار طريقه وهدى خطواته فقد استطاع هذا الرجل بنعمة الله وبصلاته الحارة وبمحبته العميقة وبمعرفته للكتاب المقدس استطاع ان يقود هذا الشاب إلى الحق الإلهي ولو جزئيا! فان كان لوثر يدعى أبا للإصلاح الألماني، فان ستوبيتز كان الأب الروحي للوثر.













هوامش الفصل الرابع



[1] H. Strohl, Luther Jusqu’en 1520 P. 37.
[2] A. V. Muller Cite’ Par Strohl, P. 37.
[3] H. Grisar S J, Luther 3 Vol, Fribourg 1911. P.12.
[4] H. Strohl. Savie… P.39.
[5] R. Stauffer, Le Catholicisme a La d’couverte de Luther, Delachaux & Niestle, P.P 11-24

Denife * كاتب لاهوتي كاثوليكي دومنيكاني كتب أربعة مجلدات سنة 1904 تحتوي على هجوم عنيف ضد المصلح بعنوان "لوثر واللوثرية" وترجمت هذا الكتب إلى الفرنسية في سنة 1910-1913 ولقد اشتهر هذا الكاتب في العالم كله بكتاباته عن القرون الوسطى. اما الأستاذ جرزار (كرزار) فهو كاثوليكي أيضا، أستاذ، كاهن يسوعي كتب ثلاث مجلدات حولي في 2600 صفحة تحت عنوان لوثر. لم يستعمل نفس الأسلوب القاسي الذي استعمله دانيفل في هجومه، غير ان أسلوبه المعسول كان يخفي سما اشد فتكا من الأسلوب الجاف القاسي الذي استخدمه دانيفل.
[6] R. H. Bainton. P. 34, H. Strohl. Savie P. 36, Greiner. P.29 دومينياه 5، ص 46
[7] Grisar.3. Vol. P. 692.
[8] R. Baintoh P. 27-28.
[9] H. Strohl, P. 45-46.
د. عزت زكي، ص41[10]
[11]H. Strohl, P. 46.

[13]. Grisar P.25.
[14]………………………….
[15] D. Hourticq. P. 21-22

[16] Grisar P. 28-30.

وهو اعتقاد الكنيسة الكاثوليكية في عقيدة الافخارستيا وسوف نرجع إلى هذا الموضوع في الحديث عن مفهوم لوثر والكنيسة الكاثوليكية في الافخارستيا.*
[17]. D. Hourticq. P. 22-23.
ميرل دوبينياه ص 49-52[18]
[19] Grisar P. 37
[20] Luther. Comm. Gal (1531), D. Hourticq 23. ميرل دوبيناه ص48
[21] WBR9, 3716, P. 627, 1.215.
[22] …………… TI2, 1940.
[23] W. TI2, 1820 (D262)
[24] Kostlin1, 71.






الفصل الخامس
عودة لوثر للتدريس
للأعلى
كان ستوبيتز (Stauptiz) عميدا لكلية اللاهوت في فيتمبرج [1] عندما قابل ستوبيتز الراهب لوثر رأى فيه الشخص القلق المضطرب لكنه وجد فيه ذكاءا ملحوظا، وتقوى صادقة بلا رياء وجدية في العمل ورغبة في البحث والدراسة. كما شعر بما يجول في خاطره من مشاكل روحية.
ويبدو ان ستوبيتز وضع في قلبه ان يساعد هذا الراهب الشاب لكنه كان يفكر في الطريقة المناسبة لمساعدته سيما وانه يسكن معه في نفس المدينة كما انه كان كثير التنقل وأخيرا وجد هذا الرجل طريقة لمساعدته. فقد فكر ان يخرج هذا الشاب من الوسط الذي كان يعيش فيه وان يحضره إلى جامعة فيتمبرج.
ويعتقد البعض ان إرسال لوثر إلى فيتمبرج ثم بناء على قرار اتخذته جمعيته وكان لستوبيتز دور كبير في هذا القرار الذي صدر بعد اجتماع في ميونخ في 18 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1508.
وفي خريف سنة 1508 ترك الراهب اغسطينوس وستة من اخوة الدير أرفورت وانطلقوا إلى المدينة الجامعية الصغيرة في فيتمبرج وأقاموا في دير القديس اغسطينوس. وقد كلف لوثر بإلقاء المحاضرات في الجامعة عن فلسفة أرسطو.[2] وفي الوقت نفسه كان يتابع دراساته في كلية اللاهوت[3].
وبعد انتهاء العام الدراسي وبعد ان تقدم أيضا لبعض الامتحانات في فيتمبرج للحصول على درجة البكالوريوس في العلوم اللاهوتية، طلب منه ان يرجع إلى أرفورت. رجع فعلا إلى المدينة قبل ان ينهي الامتحانات التي بدأها في فيتمبرج واضطر ان يتقدم من جديد لاجتياز الامتحانات التي كانت تجريها كلية أرفورت إذ انها كانت لا تقبل بسهولة الدرجة التي كانت تمنحها جامعة فيتمبرج[4].
نجح لوثر في كل هذه الامتحانات وعين أستاذا في هذه الكلية التي درس فيها لمدة قصيرة جدا قبل دخوله الدير في سنة 1505. وهكذا بدا لوثر من جديد التدريس في جامعة أرفورت في سنة 1509 وسنة 1510 [5].
كانت الفترة التي قضاها الأستاذ الطالب مارتن لوثر في التدريس والدرس في جامعة فيتمبرج فترة عظيمة جدا، فقد استطاع خلالها ان يغير الجو الذي كان يعيش فيه وان يجد له نخبة جديدة من الإخوة والأصدقاء. كما انه استطاع أيضا ان يدرس في كلية اللاهوت. وبالرغم من هذا كله كانت المشاكل الخاصة بموضوع خلاصه الأبدي والخوف من الله القاضي ترافقه في كل مكان. ان هذه الفترة تعتبر من أهم الفترات في حياة لوثر إذ اشتد فيها القلق الروحي.
ولم تبدأ صداقته القوية العميقة مع رئيس الأديرة غالبا الا بعد سنة 1511. وحتى هذا الرجل لم يستطع ان يحل جزءا من مشاكله.

لوثر في روما
في أثناء هذا الصراع النفسي العنيف، وبينما كان لوثر يجتاز فترة البحث عن طريقة يستطيع ان يهدأ بها غضب الله القاضي القاسي، لاحت له الفرصة الذهبية فجأة بحسب اعتقاده. فقد كانت توجد بعض الخلافات بين الأديرة الاغسطينية في ألمانيا فيما يخص موضوع تجمع هذه الأديرة في جمعية واحدة. ولقد ذهب ستوبيتز نفسه عدة مرات إلى روما لمقابلة الرئيس العام لعرض هذه القضية عليه. لكن المشكلة لم تحل واختار دير أرفورت لوثر لكي يذهب للدفاع عن هذه القضية لدى الرئيس العام لجماعة الاغسطينيين وليس لدى البابا*[6] .
وعندما سمع لوثر بان الاختيار قد وقع عليه للذهاب إلى روما للدفاع عن هذه القضية. فاض قلبه بالفرح وامتلأت نفسه بالسعادة والاطمئنان. وكيف لا يشعر بالسعادة والفرح لذهابه إلى روما!! المدينة التي يقيم فيها البابا نفسه وكيل المسيح على الأرض وخليفة الرسول بطرس. المدينة التي استشهد فيها بطرس وبولس. روما التي شاهدت صراع ونضال المسيحيين الأولين الأبطال، الذين استطاعوا ان يحصلوا على خلاص أرواحهم من العذاب الأبدي بصبرهم وعذابهم وآلامهم وتضحياتهم حتى الموت. روما التي امتلأت بالكنائس وبذخائر** القديسين وعن طريق زيارة بعض هذه الكنائس وبعض ذخائر القديسين يستطيع الإنسان التائب ان يحصل على غفرانات كثيرة ولسنين عديدة. أليس هذا ما كلن يبحث عنه من سنين عديدة؟ ألم يكن هذا ما تتوق إليه نفسه من مدة طويلة؟ بل ألم يدخل الدير لأجل هذا السبب عينه؟
نعم كانت هذه الفرصة من السماء، لأنها فتحت عيني لوثر فيما بعد، وبعد عدة سنوات على حقيقة عظيمة.
كانت تلك هي المرة الأولى التي يزور فيها روما، (أورشليم المقدسة) غادر لوثر أرفورت مع صديقه الذي أرسل معه في هذه المهمة في خريف سنة 1510 كانت الرحلة طويلة ومرهقة: فقد استغرقت ما يقرب من 35 يوما ذهابا ومثلها للعودة كما مكثا شهرا في روما وكانا يسيران بسرعة 40 كيلومتر تقريبا في اليوم[7].
مما لا شك فيه بان لوثر قد اهتم بموضوع الدفاع عن القضية التي حضر من اجلها وهي موضوع النزاع الخاص بالأديرة الاغسطينية، ولم يوفق في هذا الامر. وبقيت القضية معلقة. على ان الذي كان يهم لوثر أكثر من ذلك الذي كان يشغل باله نهارا وليلا ويثقل قلبه، هو موضوع خلاصه ولهذا فقد بدأ حال وصوله إلى روما يطوف شوارعها ويزور كنائسها ويسجد طويلا مصليا ومتعبدا امام هيكلها. فلقد عزم ان يعترف اعترافا شاملا كاملا لكي يحصل على اكبر عدد من النعم التي وعد بها الله عن طريق ذخائر القديسين الموجودة في المدينة. هذا ما كان ينتظره لوثر من المدينة المقدسة. ولكنه بدأ يتعثر لا بل يتأثر شديدا جدا عندما رأى حالة الرهبان الذين نزل عليهم ضيفا وحالة الكنائس والاكليريوس عامة. كان بعضهم يعيش عيشة البذخ والرفاهية، كأمراء وحكام لا خدام معلمين ومبشرين وخادمين.[8]
وبالرغم من هذا فقد واصل بجد واجتهاد زياراته للكنائس والمقابر والأمكنة المقدسة التي يتمتع من يزورها تائبا بالغفران. فقد كان ينتهز هذه الفرصة القصيرة لكي يحصل على اكبر عدد من الغفرانات.
وفي يوم من الأيام وجد نفسه امام كنيسة القديس يوحنا. وعندما دخل تلك الكنيسة الصغيرة شعر بالأسى إذ كانت أمه ما زالت على قيد الحياة. فمت المتعارف عليه انه إذا أقام كاهن قداسا مساء الأحد في هذه الكنيسة فان روح أم الكاهن الذي يقيم القداس تخرج من المطهر ولأجل هذا السبب فانه تأسف شديدا لأنه لم يستطع ان ينتهز هذه الفرصة لخلاص أمه من المطهر[9]. ولقد راودته نفس الفكرة عندما عرف بان صعوده على السلم المقدس يمكن ان يخلص والديه من المطهر. وبما انه كان يريد ان يحصل على اكبر عدد من الغفرانات الممكنة له وللعائلة. وبما ان والديه كانا على قيد الحياة ولا فائدة من عمل هذه التضحية التي لا تفيدهما فقد قام بصعود السلم المقدس لكي يخلص جده الذي كان يحبه كثيرا من المطهر.
لكن ما هذا السلم المقدس؟ (Scala Santa)[10] كان امام كنيسة روما سلم مكون من ثمان وعشرين درجة يقال ان المسيح صعد عليه للمثول امام بيلاطس عند محاكمته. وكان المعروف ان من يصعد هذا السلم على ركبتيه مصليا على كل درجة الصلاة الربانية يحصل على غفران خطايا الشخص الذي يهمه في المطهر. وعندما وصل لوثر إلى آخر درجة ناجى جده قائلا: (هل خرجت الآن من المطهر أيها الجد العزيز؟ وهل أنت سعيد الآن؟) وبعد هذه المناجاة شعر بسؤال يدور في ذهنه وهو: هل خرج جدي فعلا من المطهر؟ وهل هذا صحيح؟ كم يدري؟ ولقد تضاربت الآراء حول هذه القصة الخاصة بصعود لوثر على هذا السلم.
فقد اعتقد البعض ان لوثر سمع وهو يصعد هذا السلم صوتا يقول له: (اما البار فبالإيمان يحيا) فانسحب من بين الزاحفين، (دكتور عزت زكي) ص44 ثم أ. موريسون ترجمة القس باقي صدقة ص31، (Bainton) ص38 على ان بعض العلماء يرى بان لوثر لم يكتشف حقيقة البر بالإيمان التي تكلم عنها الرسول بولس (رو16،16:1) مقتبسا إياها من سفر حبقوق 4:2 عند صعوده على هذا السلم بل ان هذه القصة ما هي الا أسطورة من الأساطير التي أضافها التقليد البروتستانتي (Strohl 86) ويقول هؤلاء العلماء بان الذين يعتقدون ان لوثر قد اكتشف عقيدة التبرير بالإيمان عند صعوده هذا السلم يرجعون إلى قصة قد كتبها بولس لوثر- ابن لوثر وهو طبيب- ويقول انه سمع هذه القصة من فم أبيه وهو في سنة الحادية عشرة من عمره[11] على ان العالم (Kostlin) لا يشك في صحة هذه الرواية الا انه يرى بان البعض بالغ كثيرا في استعمالها. اما (Buchwald) فقد اكتشف في مكتبة زويكاو (Zwickav) مخطوطة تحل لنا هذه المشكلة ففي عظة ألقاها لوثر في يوم 15 سبتمبر (أيلول) سنة 1545 قال فيها ( لقد أردت وأنا في روما ان اخلص جدي من المطهر وصعدت سلم بيلاطس وكنت أتلو على كل درجة الصلاة الربانية. لأنه قيل بان الذي يفعل هكذا يستطيع ان يخلص نفسا. ولكن عند وصوله إلى النهاية تساءلت: من يعرف إذا كان هذا الامر حقيقية)؟
ويحتمل ان ابن لوثر – بولس- الذي سمع هذه القصة وهو في سن الحادية عشر من عمره حاول ربطها بعبارات أخرى لأبيه كان قد شرح بها أهمية رسالة رومية بالنسبة له بعد عودته من مدينة روما.
ونحن نعتقد ان لوثر لم يكتشف عقيدة التبرير بالإيمان الا بعد عدة سنوات من زيارة لروما ويحتمل بان فكرة التبرير بالإيمان لمعت امامه وهو يصعد هذا السلم الامر مع ان هذا غير مؤكد كما ان موضوع التبرير بالإيمان لم يظهر في تعاليمه قبل سنة 1513. وهذا واضح من هذه الناحية. لأن لوثر ذهب إلى روما سنة 1510 وبعد ان رجع بدا التدريس في فيتمبرج سنة 1511 ولم تتغير عقيدته ولم تتحسن حالته في صراعه وشكوكه فيما يخص مفهومه عن الله القاضي القاسي. لقد ذهب إلى روما يملؤه الأمل في الحصول على السلام الداخلي ولكنه رجع منها مثقلا وحزينا وبائسا ولهذا فقد بدأ من جديد الصراع في الحصول على الخلاص وعلى إرضاء الله القاضي...
وعندما رجع من روما أرسل إليه ستوبيتز يطلب منه بان يعد نفسه للتدريس إذ انه يريد بان يحل محله في تدريس الكتاب المقدس. لكن لوثر رفض هذا العرض رفضا باتا بدون تصنع أو تواضع ظاهري ولكن ستوبيتز عرفه بان هذا أمر وبما انه راهب يجب عليه ان يطيع أوامر رئيسه وتحت هذا الضغط قبل لوثر هذا المركز. ولقد وصل إلى فيتمبرج في صيف 1511 واقترح ستوبيتز ان يعين لوثر نائبا لرئيس دير الاغسطينيين فعلا نائبا للرئيس، وفي 4 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1512 تقدم للامتحان حتى يسمح له بالتدريس في الجامعة بدرجة أستاذ كرسي، وفي 19 أكتوبر (تشرين الأول) من نفس السنة حصل على دكتوراه في العلوم اللاهوتية، وهكذا صار لوثر أستاذا وواعظا في جامعة ودير فيتمبرج ولكنه ظل يبحث عن الخلاص وكيفية إرضاء الله…







هوامش الفصل الخامس



[1] أنشئت جامعة فيتمبرج سنة 1502 عندما حث أسقف مجدبورج أخاه فريدرك الحكيم ملك سكونيا على تأسيس جامعة في إمارته. واستقر الرأي على تأسيس الجامعة في المدينة الصغيرة (فيتمبرج) التي لم يكن عدد سكانها في ذلك الوقت يتجاوز 2500 شخصا (Bainton P.39) وقد ضحك الملك عندما عرف بأنه قد وقع اختيار المجلس على هذه المدينة وقال أحد أعضاء المجلس: من يدري فربما تصبح هذه المدينة موضوع أحاديث الناس أكثر من أي جامعة أخرى(Hourticq P.23).

[2] Strohl P. 70 ميرل دوبينياه ص 53.
[3] Greiner P. 36.
[4] Hourticq P. 23-24, Strohl P.38.
[5] ………………………………………….
*لم يذهب لوثر إلى روما لمقابلة البابا لعرض هذه المشكلة عليه، كما يعتقد البعض، بل لمقابلة الرئيس العام لهذه الرهبنة.
** ذخائر القديسين هب بعض البقايا من الأنبياء القديسين أو أمتعتهم: مثل عظمة من عظام القديس يوحنا أو النبي اليشع، أو شعرة من رأس العذراء أو قطعة من ثوب الرب يسوع... الخ.
[6] Hourticq P. 24.
[7] Strohl P.84.
ميرل دوبينياه ص55، د. عزت زكي ص43-44.
[8] Strohl P. 86.
[9] Hourticq P.25.
[10] Baintoh, 38.
* لقد وجدت هذه القصة في مكتبة ر. ستادت Rudolf Stadt ومؤرخه بتاريخ 7 أغسطس (آب) سنة 1582، D539









الفصل السادس
الاكتشاف العظيم
للأعلى
عندما اقترح ستوبيتز اسم مارتن لوثر لكي يكون أستاذا في جامعة فيتمبرج لتدريس الكتب المقدسة بدلا منه، هل كان يعرف بأنه قد وضعه في الطريق السليم الذي سيؤدي به إلى اكتشاف الحقيقة العظمى: حقيقة التبرير بالإيمان؟ وهل كان يعلم عندما حاول ان يرغمه باعتباره رئيسه بان يقبل باسم الطاعة كراهب هذا العمل، انه يدفع امامه عملاقا كبيرا سوف يستخدمه الرب لتغيير أوضاع كثيرة دينية وسياسية واجتماعية ليس فقط في ألمانيا بل في كثير من بلاد العالم؟
كان ستوبيتز نبيا عندما امر الراهب الشاب قائلا: (... ان للرب إلهنا عملا عظيما في الكنيسة يحتاج إلى نشاط شاب مثلك.. ان لله عملا في السماء وعلى الأرض وهو في حاجة إليك حييت أم مت فاعمل ما يطلبه مند ديرك وما آمرك انا به) (ميرل دوبينياه ص59).
عين لوثر أستاذا لتدريس الكتب المقدسة. في جامعة فيتمبرج كما سبقت الإشارة إلى ذلك في سنة 1511. وهنا بدأت العناية الإلهية تهيئ له الطريق من كل ناحية فهو يتمتع برعاية صديقه وأبيه الروحي ستوبيتز، كما انه أصبح أستاذا لتدريس الكتب المقدسة. وفي دراسته لهذه الكتب المقدسة بالذات بدأ يبحث ويتعمق ويفتش. وفي أثناء بحثه ودراساته وصل إلى تلك الحقيقة العظيمة والتي كانت تعد بالنسبة له اكتشافا محررا: وهي عقيدة التبرير بالإيمان.
متى اكتشف لوثر هذه العقيدة؟ لم يكتشفها أثناء صعوده سلم بيلاطس في روما سنة 1511 ولكننا نتفق مع بعض العلماء الذين يعتقدون بان الراهب الاوغسطيني قد توصل إلى هذه الحقيقة العظيمة ربما في سنة 1512 أو سنة 1513 أو سنة 1514[1].
يقول جرينر (Greiner) انه من الصعب تحديد تاريخ هذا الاكتشاف، وسيظل تحديد هذا التاريخ بطريقة دقيقة غير معروف، لكن العلماء حاولوا دراسة الظروف التي مر بها الراهب، لكي يتمكنوا من ان يجدوا تاريخا ولو نسبيا فمن المعروف انه قام بالتدريس في أرفورت من سنة 1509-1510.
وفي سنة 1511 عين أستاذا في جامعة فيتمبرج. وكان يلقي محاضراته هناك عن الكتب المقدسة. ولقد اتفق معظم العلماء على ان المحاضرات التي كان يقوم بالقائها الراهب الاتساذ كانت كالآتي:
من سنة 1513-1515 محاضرات في سفر المزامير.
من سنة 1515-1516 محاضرات في رسالة رومية.
من سنة 1516-1517 رسالة غلاطية.
من سنة 1517-1518 الرسالة إلى العبرانيين.[2]
فمن المحتمل ان يكون لوثر قد توصل إلى هذا الاكتشاف العجيب في الفترة التي كان يلقي فيها محاضراته عن سفر المزامير (1513-1515). ويعتقد الكثيرون من المتخصصين في الدراسات اللوثرية ان المزامير التي كانت تتكلم عن بر الله، أو عن طلب بر الله، وقداسة الله، أو عن رحمة الله ومحبته هي المزامير التي قادته ان يسأل أسئلة كثيرة، مثل أيمكن لله ان يكون بارا؟ وهل يمكن ان يكون عادلا وفي نفس الوقت رحيما؟ فان كان الله يحب البر والعدل ويبغض الشر والإثم فكيف يمكن ان يكون رحيما مع الإنسان الخاطئ الأثيم؟ ألم يكن هذا مصدر خوفه واضطرابه وانزعاجه من الله؟...
وفي دراساته للبر الذي يتكلم عنه سفر المزامير ربما رجع إلى بعض الكلمات في رسالة بولس الرسول إلى رومية والتي كانت بعض عباراتها بالنسبة له مثل باب مغلق وسفر مختوم مثل: (لأن فيه معلن بر الله بإيمان لإيمان كما هو مكتوب اما البار فبالإيمان يحيا) (رومية 17:1، حب 14:2)
ان بعض أساتذة لوثر علموا بان بر الله هو عطية من الله ولكن هذه العطية تمنح للذين يتعاونون مع النعمة، أي انه يوجد تعاون بين الله المانح لهذه النعمة وبين الإنسان الذي يتقبل هذه النعمة ولكي يحصل الإنسان على الخلاص يجب عليه ان يعمل أعمالا صالحة يستطيع بها وعن طريقها ان يحصل على بر الله. وكان لوثر يعمل ليل نهار هذه الأعمال الصالحة لكي يحصل على الخلاص[3] وكان رفقاءه يشهدون بذلك. اما هو فكان يشعر دائما بالرغم من هذه الأعمال الصالحة. بأنه خاطئ وان الله القاضي القاسي يطالبه ببر أعظم وبأعمال أكثر.
اما مطاليب هذه الإله المغالي في طلب البر أصبحت كلمة بر في عيني لوثر كلمة تشمئز منها نفسه ويقشعر لها بدنه لدرجه انه قال (لقد كرهت هذه الكلمة)، ولماذا كرهها؟ يواصل لوثر شرحه بالقول (لقد فهمت عبارة "بر الله" بمعنى ان الله بار، وبما انه بار فهو يعاقب الخطاة والاثمة. ولهذا نرى لوثر وقد ذهب ابعد من ذلك حينما قال (لم استطع ان أحب هذا الإله البار المنتقم، بل كرهته... وكنت أقول لنفسي ألم يكتفي الله بان يحكم علينا بالموت بسبب الخطية ابائنا؟ ألم يعذبنا بناموسه القاسي علينا حتى يضيف إلى آلامنا آلاما أخرى بإنجيله الذي يعلن فيه بره وغضبه وثورته)[4] وتذكرنا هذه الكلمات الأخيرة بما قاله ستوبيتز مرة (أنت الثائر ضد الله وليس الله هو الثائر ضدك). ويواصل لوثر فيقول: (كنت ابحث من دون هوادة لفهم هذا النص القائل: لأنه فيه معلن بر الله بإيمان لإيمان كما هو مكتوب اما البار فبالإيمان يحيا) (رو 17:1) كانت رغبتي عارمة لفهم هذا الاصطلاح الذي استعمله الرسول في هذه الرسالة. ماذا يقصد بهذه العبارة (بر الله) ..؟ كنت أتأمل ليل نهار فاحصا هذه الكلمات "بر الله" معلن في الإنجيل... اما البار فبالإيمان يحيا...؟
وبدأ لوثر يفكر ويصلي ويتأمل، (وأخير أشفق الله علي وعندئذ بدأت افهم ان عبارة "بر الله" تعني ان الإنسان المؤمن يحيا بالبر الذي يمنحه له الله. فان معنى هذه الجملة ان الإنجيل يعلن بر الله. على ان هذا البر الذي يبررنا به الله. هو رحمة منه ننالها عن طريق الإيمان. كما هو مكتوب وأما البار فبالإيمان يحيا وحلا شعرت بأنني أولد من جديد وان أبواب السماء قد فتحت على مصراعيها أمامي ومن هذه اللحظة بدأ الكتاب كله يظهر امام عيني بمظهر آخر وبقدر ما كنت اكره عبارة بر الله. صرت أحبها وصارت لها معزة خاصة عندي... وهكذا أصبح هذا النص بالنسبة لي باب السماء... وقد بدأت في قراءة كتابات القديس اغسطينوس عن الروح والحرف وكانت دهشتي عظيمة عندما وجدته يشرح هذه المشكلة بطريقة مشابهه تماما لطريقتي[5].
هنا بدا المصلح يفهم حقيقية ومصدر عقيدة التبرير بالإيمان. كان يعتقد قبلا بان مصدر البر وأساسه الأعمال الصالحة والتضحيات واماته الجسد والفقر والجوع والصيام وإنكار الذات... الخ وكان يظن انه مطالب بالقيام بهذه الأعمال التي تؤدي للبر لذلك كان يثبت نظره على نفسه: على مارتن لوثر، الذي يستطيع بأعماله الصالحة وتضحياته وبصيامه وإنكار ذاته ان يخلص مارتن لوثر من يد القاضي القاسي الذي يزن أعماله بميزان دقيق. ولكن عندما أدركته نعمة الله كما يقول نفسه (وأخير أشفق الله علي... انفتحت عيناه وأبصر النور بنور الله نفسه) بنورك نرى نور (مز 9:36) عندئذ فقط فهم بر الله بطريقة تختلف تماما عن الطريقة التي علم بها كثير من أساتذته* فبر الله بحسب مفهوم لوثر هو هبة الله للإنسان وبه يصبح الإنسان مبررا في عيني الله. فان التبرير (أو الخلاص من الخطية ) لا يتوقف على أعمال الإنسان الصالحة، كثيرة كانت أم قليلة لكنه بإيمان الإنسان الخاطئ المعترف بخطاياه والنادم عليها من قلبه امام الإله البار وحتى هذا الإيمان هو عطية الله (لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وهذا ليس منكم هو عطية الله) (أف 8:2-10) ولكن على الإنسان ان يفتح قلبه لقبول عطية الله الذي ينير له الطريق ويكشف له حالته على حقيقتها.
وقد استعمل لوثر عبارتين لكي يشرح بهما فكره عن بر الله: عبارة (البر الفعال) (La Justice Active) ثم عبارة: (البر السلبي) (La Justice Passive) فماذا يقصد لوثر بهذين الاصطلاحين؟
ان البر الفعال هو البر الذي يمنحه الله للإنسان: فهو عمل الله ويسمى بر الله العامل أو النشيط أو الايجابي، لأن الله هو الذي يمنح أو يخلق فينا هذا البر. اما البر السلبي فهو عبارة عن موقف الإنسان امام الله إزاء عملية التبرير. فالإنسان لا يأتي إلى الله بأعماله الصالحة النشيطة التي تبرره امام الله، بل تأتي سلبيا (بلا عمل) والله يبرر هذا الإنسان: فالإنسان هنا متقبل في هذه الحالة أي ان الله هو الذي يقوم بعملية التبرير المجاني. والإنسان ما عليه الا أن يمد يده لكي يقبل هذا التبرير من الله الفاعل والعامل والمقدم لهذا البر[6].
كانت تعاليم أوكام تنادي بأن الله قاضي عادل ويحكم على الإنسان بحسب أفعاله وتصرفاته أما لوثر فقد تغير مفهومه الكتابي وبدأ يعتبر الله أبا محبا ينظر إلى الإنسان كابن له فيمنحه البر. ففي الحالة الأولى الإنسان فاعل للبر وفي الحالة الثانية الله فاعل البر: فهو الذي يمنح هذا البر مجانا للإنسان والرجوع إلى قول القديس اغسطينوس "ان السبب الذي من اجله يسمى بر الله، لأنه هو الذي يمنحنا هذا البر ويبررنا به). وهذا على عكس ما علم به أرسطو الذي يعتقد بأن البر يتبع أعمالنا وهو نتيجته. وأما لوثر فهو يعتبر ان بر الله يسبق أعمالنا وان أعمالنا هي ثمار[7].
ومن هنا يتضح ان لوثر لا يرفض الأعمال الصالحة ولا يقلل من شأنها إذا كانت أثمارا لبر الله لكنه يريد ان يبرر أولا عمل الله في التبرير. فالله وحده هو الذي يبرر الإنسان الخاطئ. فبعد ان يحصل الإنسان على بر الله (ومن الله وحده) بعمل أعمالا صالحة، لا لكي يخلص بها أو ينال عن طريقها ثوابا بل لأنه صار خليقة جديدة بالنعمة وتجدد قلبه وتغيرت حياته، فانه يريد بدوره ان يكون عاملا صالحا في المجتمع الذي يحيا فيه. ويرى لوثر فكرة أخرى في بر الله. فان بر الله يظهر أيضا في حكمنا على أنفسنا. فعندما نعترف بخطيانا فإننا نعترف في نفس الوقت ببر الله. أي اننا نعترف بان الله هو المحق في حكمه واننا مخطئون في أحكامنا وتصرفاتنا[8] (1يو8:1-10).
ولكن قبل ان نختم هذا الفصل نود ان نسأل هذا السؤال: كيف وأين اكتشف لوثر هذه العقيدة: عقيدة التبرير بالإيمان؟
اما كيف فقد انقسم الدارسون في الرد على الكيفية إلى قسمين:
1- اعتقد البعض ان هذا الاكتشاف لم يكن ابن يوم وليلة بل كان وليد البحث الطويل والصلاة الحارة والاضطرابات والخوف.....[9].
2- والبعض الاخر رأى ان هذه الفكرة طرأت على ذهنه بطريقة فجائية وسريعة كاختبار بولس وهو في طريقه إلى دمشق. وقد رجع هؤلاء إلى قول لوثر نفسه الذي شعر القارئ عندما يقرأه كما لو كان هذا الحدث قد حدث بطريقة فجائية سريعة. وهذا واضح من المقدمة التي كتبها في سنة 1545 بالايجابة فيما يختص بأين أو مكان حدوث الاختبار فيحتمل ان لوثر قد اجتاز في هذا الاختبار العظيم عندما كان يقوم بإعداد محاضراته في برج الدير في جامعة فيتمبرج[10].




[1] G. Casalis. P.32, Strohl P.97.
[2]G. Casalis. P.25, Strohl P.93-99, Strohl Savie P.70, Bainton P. 45-46.
[3] Greiner P. 36.
[4] Strohl P.94.
[5] Strohl P.94.
* أقول هنا كثير من أساتذته- وليس كل أساتذته- لأنه من الظلم بل من الإجحاف ان توصم الكنيسة الكاثوليكية كلها بعدم فهم النصوص الكتابية. فبالرغم من الحالة الروحية الضعيفة التي وصلت إليها الكنيسة في هذا العصر فقط احتفظ الرب لنفسه بشهوده أمناء في الكنيسة ومن أبناء الكنيسة الكاثوليكية مثل ستوبيتز الذي كان واحد من هؤلاء الشهود... (لأنه لم يترك نفسه بلا شاهد...) (أع 17:14).

[6] W4, 241, 25, W3, 199, 18
[7] Strohl P. 126.
[8] W3, 29, 9-16, W3, 31, 3-7 D595.
[9] Str., P.93.
[10] Bainton P.46, Greiner P.39.






الفصل السابع
صكوك الغفران
للأعلى
يعتقد البعض ان المصلح الألماني قد قام بثورة عنيفة وحرب شعواء ضد الكنيسة الكاثوليكية بعد ان اكتشف حقيقة التبرير بالإيمان، ولم يستطع ان يبقى بعد ذلك داخل هذه الكنيسة لذا فقد ترك الكنيسة وبدأ كنيسة جديدة لوثرية أو بروتستانتية لكن الحقيقة التاريخية تدل على عكس ذلك تماما فبعد ان اكتشف لوثر هذه العقيدة العظيمة وهي حقيقة التبرير بالإيمان أو بعد ان افتقدته نعمة الله بمعنى اصح وبعد ان انفتحت عيناه، ولم يترك لوثر الكنيسة الكاثوليكية أبدا ولم يفكر قط ولا لحظة واحدة ان يهجر الكنيسة المحبوبة التي كان ينظر إليها في ذلك الوقت بكثير من الحب والاحترام والتقدير[1].
فمع ان لوثر قد فهم موضوع التبرير بالإيمان في سنة 1513 أو في سنة 1514 لكنه لم يترك الكنيسة بعد هذا الاختبار العجيب. بل ظل فيها كابن وخادم أمين لها. نعم لقد تغير سلوكه تغيرا كليا بعد هذه الاختبار. كما تحول هذا الراهب الخائف المضطرب الذي يقضي وقتا طويلا امام كرسي الاعتراف إلى شخص جديد بعد ان زالت مخاوفه واضطرابه. كل هذا صحيح، ولكن غير الصحيح هو ان لوثر ثار ضد الكنيسة الكاثوليكية بعد اكتشافه لعقيدة التبرير بالإيمان مباشرة. بل على العكس فان لوثر واصل دراساته وأبحاثه ومحاضراته في الجامعة، وفي خدماته في الكنائس والدير الذي كان مسئولا عنه.كان يمارس نفس الأعمال والخدمات التي كان يقوم بها من قبل لكن بدل ان يقوم بهذه الأعمال مرغما حزينا متألما لأنه كان يريد ان يحصل عن طريقها وبها على بر الله والمصالحة مع القاضي القاسي. فانه يقوم بها وقلبه قد امتلأ بالفرح والسلام والاطمئنان. هكذا ظل لوثر راهبا وكاهنا وأستاذا في الكنيسة الكاثوليكية بعد اختباره العظيم في سنة 1513 أو 1515. حتى سنة 1517 وبالتحديد في يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) عندما علق على كاتدرائية جامعة فيتمبرج 95 احتجاجا ضد ما يدعى بصكوك الغفرانات.

صكوك الغفران:
ما هي صكوك الغفران. ان فكرة صكوك الغفران لم تكن جديدة في ذلك الوقت، بل يرجع تاريخها إلى زمن الحروب الصليبية، فقد منح بعض البابوات هذه الامتيازات إلى الذين كانوا يذهبون إلى الحرب مخاطرين بحياتهم. وبعد ذلك كانت تمنح أيضا للذين كانوا يذهبون إلى الأماكن المقدسة. كما انها منحت أيضا للذين كانوا يساهمون في أعمال "البر" والإحسان كبناء الكنائس والمستشفيات... الخ[2].
ولكي نفهم هذه المشكلة على حقيقتها يجدر بنا ان نذكر القارئ ببعض الحقائق والظروف الدينية والتاريخية والسياسية والاجتماعية. وهنا يجب ان نسأل هذا السؤال على أي أساس كانت تبيع الكنيسة الكاثوليكية في هذا الوقت صكوك الغفرانات؟
لقد علمت الكنيسة في ذلك الوقت بان الحصول على الخلاص يتم عن طريق التعاون بين الله والبشر، أي ان نعمة الله تتعاون مع الإنسان وتساعده على ان ينال خلاصه عن طريق عملية الفداء التي قام بها المسيح وعن طريق اعماله الصالحة. ولهذا السبب نرى لوثر الكاثوليكي المدقق يحاول ليل نهار الحصول على الخلاص بأعماله الحسنة.
وكان الرأي السائد ان بعض القديسين قاموا بأعمال صالحة كافية لخلاصهم فقط. فينما قام البعض الاخر باعمال حسنة كثيرة زادت عن حاجتهم: مثل السيد المسيح الذي لم يكن في حاجة أبدا إلى أعمال حسنة، ولكنه عمل كثيرا جدا. كذلك قامت السيدة العذراء مريم والرسل وعدد كبير من الأنبياء والقديسين في تاريخ الكنيسة على مر العصور باعمال صالحة كثيرة جدا زادت عما كانوا في حاجة إليه لخلاصهم. وهذا ما كانت تسميه الكنيسة بحسنات القديسين الزائدة. وهذه الحسنات الزائدة مودعة في بنك الكنيسة وهي ملك لها وللكنيسة الحق في التصرف فيها كما تشاء ومتى تشاء. فمن حق الكنيسة ان توزع هذه الحسنات المودعة تحت تصرفها على النفوس التي لم تستطع ان تعمل أعمال حسنة كافية لخلاصها أثناء حياتها على الأرض.
لقد نادى بهذه النظرية الكسندر هالس في القرن الثالث عشر وكذلك القديس توما الاكويني القديس بونافانتير[3] وبما ان الكنيسة كانت المسئولة عن الأعمال الحسنة الزائدة. والتي تدعى كنز الكنيسة. لذلك كان يمكنها ان تبيع أيضا بعضا من هذه الأعمال الحسنة لمن هم في حاجة إليها ولم يستطيعوا في حياتهم التكفير عن ذنوبهم وخطاياهم.
وفي بداية الامر أحاطت الكنيسة هذه العقيدة بعدة احتياطيات وشروط. فكان الحاصل على صك الغفران لا يخلص الا من المطهر فقط وليس من الجحيم. ومن يريد ان يحصل على هذا الصك كان عليه ان يعترف وأن يتوب عن خطاياه. كما كان يمنح هذا الصك مجانا للفقراء.
على ان هذه الشروط سرعان ما تغيرت مع مرور الوقت، بل أصبحت صكوك الغفران تجارة رابحة شائعة لجأت إليها الكنيسة- للأسف الشديد- في ظروف كثيرة كلما احتاجت إلى المال، بل تطورت الفكرة حتى ان بعض الدول والأمراء استعملوها لابتزاز المال.[4]
وبما اننا نتكلم عن صكوك الغفران فيجب ان نشرح أيضا فكرة ذخائر القديسين لأنها متصلة اتصالا وثيقا بهذا الموضوع.

ذخائر القديسين:
عبارة عن بقايا من القديسين أو بقايا أمتعتهم. ولقد منح بعض البابوات غفرانات عديدة لمن يزور هذه البقايا. وكان المقصود بهذه الغفرانات تقصير المدة التي يجب على الإنسان ان يقضيها في المطهر. فمثلا كانت توجد غفرانات لإعفاء الإنسان من العذاب في المطهر لمدة مائة سنة أو خمسين سنة أو عشرين سنة.. الخ يتوقف هذا على نوع الغفران والثمن الذي دفع فيه أو التضحية التي بذلت لأجله.
كما منحت بعض الغفرانات لمن قاموا بزيارة الأماكن المقدسة، بعيدة كانت أو قريبة، مثل أورشليم أو روما.
لهذا السبب نرى الملك فريدرك الثالث ملك ساكس يحاول جمع اكبر عدد من ذخائر القديسين. ففي الرحلة التي قام بها إلى أورشليم سنة 1493 أحضر معه كمية كبيرة منها وكانت ذات أهمية عظيمة. ويقال انه احضر معه إحدى أسنان القديس جيروم، وأربعة أجزاء من جسد يوحنا فم الذهب، وأربعة خصل من شعر مريم العذراء، وقطعة من لفائف يسوع. وأشياء أخرى كثيرة.
وفي سنة 1509 وصلت ذخائر القديسين المعروضة في كاتدرائية فيتمبرج إلى خمسين ألف وخمس قطع. وفي سنة 1518 وصل عدد هذه الذخائر في نفس المدينة إلى 17443 قطعة وهذه الكمية تعطي إعفاء من المطهر لمدة 127799 سنة، 116 يوم[5]
وكما قلنا فقد استخدمت الكنيسة في مرات كثيرة هذه الوسيلة كلما احتاجت إلى المال. ولذلك لجأ كل من البابا ليون العاشر وألبرت رئيس أساقفة إحدى الإمارات الألمانية إلى استغلال هذه الوسيلة لجمع المال الذي كانا في حاجة إليه.
جلس البابا ليون العاشر على كرسي القديس بطرس في سنة 1513 ونظرا لأنه كان من عائلة آل يتشي العريقة فقد تمسك ليون بحياة الرفاهية والبذخ وتعظم المعيشة والإسراف كما انه كان شغوفا أيضا بالفن والعمارة ولذلك فقد عزم على إجراء بعض المباني والإصلاحات في كنيسة القديس بطرس. ولتمويل هذا المشروع الضخم فقد أصدر قرارا في 31 مارس (آذار) سنة 1515 ببيع صكوك غفران كاملة. ولما رفضت بعض الولايات الألمانية هذا المشروع. فقد عرضه البابا على البرت (Albrecht) رئيس أساقفة ماينس (Mayence) ووعده بنصف ثمن الصكوك. وكان البرت يمر في هذا الوقت بأزمة مالية شديدة لكثرة الديون التي تراكمت عليه. فقد كان طموحا يحاول الوصول إلى المناصب الدينية والدنيوية في آن واحد. ولقد استطاع فعلا ان يكون رئيس أساقفة لثلاثة أبرشيات ومنتخبا لمقاطعة ماينس (Mayence) وقد وصل إلى بعض هذه المناصب بطرق غير قانونية وبدون حق[6] ووصل إلى البعض الاخر عن طريق الرشوة. ودفع المبالغ الكبيرة من المال ولذلك فقد لجأ إلى بنك (Fugger) الذي أقرضه المال الذي كان في حاجة إليه ولكن بفائدة تبلغ 20%[7].
لذلك قبل البرت عقد الصفقة مع البابا ليون العاشر في الرابع والعشرين من ابريل (نيسان) سنة 1516.
وقد اتفقا على ان توزع الأموال المجموعة من بيع صكوك الغفران بالطريقة الآتية: النصف للبابا في ايطاليا لبناء كنيسة القديس بطرس والنصف الباقي يدفع مباشرة لبنك (Fugger) لتسديد القرض وفوائده.
وكان هذا حلا مثاليا ومريحا مرضيا للطرفين فهل كان هذا مرضيا لله؟!!! كان الحل مرضيا للبابا الذي شرع في إصلاح وبناء كنيسة القديس بطرس كما كان حلا مريحا ومرضيا أيضا لألبرت رئيس الأساقفة لسد ديونه وكان مريحا أيضا للبنك الذي سوف يسترد أمواله وكان مفيدا ومرضيا للذين يقومون ببيع الصكوك إذ كانوا يتقاضون عمولة عن عملهم وكان أخيرا مربحا ومرضيا ومطمئنا للذين يشترون هذه الصكوك لكي تستريح ضمائرهم وتطمئن قلوبهم على المستقبل.
كل هذه الأمور كانت حقيقة وأكيدة اما الامر الغير حقيقي فهو مدى فاعلية هذه الصكوك في نظر الله هذا هو نفس السؤال الذي سأله لوثر عندما تسلق السلم المقدس في روما: عندما قال: (من يعرف إذا كان هذا صحيحا؟!!) ولهذا السبب عينه قام لوثر في يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) بتعليق 95 احتجاجا على صكوك الغفران. ويعتبر هذا التاريخ فعلا بداية تاريخ الإصلاح.
لم تكن هذه المرة الأولى التي اظهر فيها لوثر عدم موافقته على عقيدة الغفران. فالدارس المدقق لتعاليم وعظات لوثر يلاحظ ان أستاذ فيتمبرج وعظ عدة مرات ضد صكوك الغفران[8] فقد وعظ ضد صكوك الغفران وشرح طريقة التوبة الحقيقية والرجوع إلى الله في يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1516؟ قبل ان يعلق هذه الاعتراضات على باب الكاتدرائية بسنة كاملة ولقد نشرت هذه العظة[9] كما انه ألقى عظة من المزامير في ربيع عام 1517 مبينا فيها ان التوبة الحقيقية هي رفض الصكوك لأنه طريق سهل.[10] وقد سبق له ان كتب تصريحا من 97 نقطة شرح فيه أفكاره الدينية وعرضها للمناقشة كما انه انتقد أصحاب المدارس الفكرية[11]
وبعد ان تعاملت نعمة الله مع هذا الرجل، لم يكف أبدا عن توصيل وتسليم ما قد تسلمه من الرب يسوع إلى اللذين كانوا يعيشون بعيدين عن نور انجيل المسيح المحرر. ولهذا فقد دعى الجامعة وأساتذتها لمناقشة موضوع صكوك الغفران. ولكي يسهل امر المناقشة فقد كتب الخمسة والتسعين احتجاجا على صكوك الغفران التي كانت تباع في بعض الإمارات الألمانية. فقد علق هذه الاحتجاجات على باب كاتدرائية فيتمبرج في المكان الذي كانت تعلق فيع عادة الإعلانات الخاصة بالكتدرائية والجامعة.
كان المسئول عن الحملة الدعائية لصكوك الغفران في بعض الولايات الألمانية لألبرت رئيس أساقفة ماينس، وهو الكاهن الدومينكاني يوحنا تتزل. وقد نظم حملات واسعة النطاق للدعاية والوعظ فكان يصل الى المدن التي كان يريد ان يبيع فيها الصكوك في موكب ضخم عظيم يتقدمه مناد يدعو الجماهير بصوت عال للتجمع، وعندما كانت تتجمع الجماهير كان يقف ليخطب فيهم خصوصا وقد كان خطيبا جيدا وكانت عظاته مركزة على صكوك الغفران وفوائدها. فمن الفوائد التي وعظ عنها الدومنيكاني انها تحرر النفوس من عذاب المطهر الأليمة. وكان معروفا ان كل نفوس البشر تمر بالمطهر الا نفوس القديسين لأن الأغلبية الساحقة- ان لم تكن النفوس كلها الا العدد القليل جدا من القديسين لابد وان تذوق عذابات المطهر التي قد تضارع في بعض الأحيان عذابات الجحيم. وما أقسى عذابات الجحيم!!! وما أقسى عذابات المطهر!!!
وبعد إثارة سامعيه بعظات من هذا النوع كان يختم عظته بجملة أصبحت جملة شهيرة في التاريخ "في نفس اللحظة التي ترن فيها دراهمكم في الصندوق تخرج النفس المطهرية حرة منطلقة الى السماء"[12] .
لقد أساء تتزل (Tetzel) إساءة عظيمة الى الكنيسة الكاثوليكية في طريقة وعظه عن صكوك الغفران. على أي حال فان هذه البدعة لم تكن جديدة في الكنيسة بل ان الكنيسة مارستها في ظروف كثيرة. ولكننا نريد ان نلفت نظر القارئ هنا إلى نوعين من صكوك الغفران.
1- صكوك الغفران للأحياء. وكان على كل من يريد الحصول على هذا الصك ان يندم على خطاياه وان يعترف بها امام الكاهن ثم ينفذ العقوبات التي يفرضها عليه الكاهن بعد الاعتراف لكي يكفر عن ذنوبه المرتكبة.
2- النوع الثاني الصكوك للأموات: وهو الحصول على صك لتحرير نفس مطهريه من المطهر وكان يمكن الحصول على هذا الصك كتابة وينص الصك على عدد السنين التي يريد الطالب ان يعفى منها النفس المطهرية في المطهر. وكان لك صك ثمن معين سواء في التضحيات الشخصية أو الآلام أو دفع مبلغ من المال... ولكن ما كان يهم تتزل، هو ان ترن النقود في صندوق الجمع.....

لقد كلف تتزل بان يعظ عن صكوك الغفران في الولايات الألمانية التابعة لرئيس الأساقفة ألبرت وحدها دون غيرها لأن بعض الامارات الأخرى لم تقبل الاتفاق الذي تم بين البرت والبابا ليون العاشر. وبناء على ذلك منعت الصكوك فيها، مثل مدينة فيتمبرج* وبما ان الملك فردرك قد منع بيع هذه الصكوك في ولايته ساكس** فلقد ذهب كثيرون عبر الحدود لشرائها من المناطق التي كانت تباع فيها. وهنا وجد لوثر نفسه امام مشكلة عقائدية خطيرة.
ويبدو انه تقابل مع عدد لا بأس منه من الذين كانوا يعترفون له في كرسي الاعتراف، وعندما كان يطلب منهم التوبة الحقيقية والندم الصادق، كانوا يخرجون من جيوبهم صكوك الغفران ضاحكين مستهزئين قائلين نحن لا نحتاج الآن إلى هذه النصائح، ويلوحون بها في وجهه. ماذا يعمل لوثر؟!!!.
لابد وان لوثر- رجل الصلاة- قضى أوقات طويلة جدا امام عرش الله في الصلاة والتأمل قبل ان يقوم بكتابة هذه الاحتجاجات. لقد عاش هذا الامر قبل ذلك، وعلم عنه عدة مرات، فلماذا لا يلخص عظاته وتأملاته وأفكاره في عدة جمل قصيرة ضد بيع صكوك الغفران؟!!! وفعلا جلس لوثر وبدأ يكتب عدة نقاط احتجاج على هذه التعاليم الخاصة بصكوك الغفران، ووصلت هذه النقاط التي كان يسجلها بقلمه إلى خمس وتسعين نقطة. وكانت هذه النقاط مكتوبة بأسلوب سريع وهادئ. ثم علقها على باب كاتدرائية فيتمبرج في يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1517[13].
وتوجد عدة حقائق جديرة بالذكر فيما يخص هذه البنود.
1- تاريخ تعليق هذه الاحتجاجات: علق لوثر هذه في يوم 31 أكتوبر سنة 1517، وهو عشية عيد جميع القديسين[14] ولقد اعتاد الشعب ان يأتي من كل حدب وصوب من ولايات ساكسونيا للاحتفال بهذا العيد في أول نوفمبر (تشرين الثاني) للحصول على الغفران الذي يحصل عليه الزائرون لهذه الكاتدرائية المليئة بذخائر القديسين الغنية بالغفران والجدير بالملاحظة ان الهجوم ضد صكوك الغفران، لم يكن موجها ضد تتزل وحده، بائع الصكوك، بل ان لوثر بجسارته هذه هاجم أيضا في نفس الوقت كل من يحميه أو يناصره أي الملك فردريك نفسه[15] وخاصة لأن هذا الملك كان قد اعد مجموعة ضخمة من ذخائر القديسين وصلت إلى ما يقرب من 17000 ذخيرة يمكنها ان تمنح ما يقرب من 127.000 سنة إعفاء من عذابات المطهر[16].
2- الامر الثاني هو ان تكون اللغة التي كتب بها لوثر هذه الاحتجاجات. هي الألمانية لغة الشعب، لكنه كتبها باللغة اللاتينية لغة المثقفين والمتعلمين. وكأنه يدعو أولا وقبل كل شيء الاكليروس كله والعلماء والمثقفين لمناقشة هذا الامر العقائدي الخطير بهدوء وبطريقة علمية مدروسة وصحيحة. لقد كان يدعوا أولا العلماء والمعلمين (اللاهوتيين) لدراسة هذا الموضوع وتحميلهم المسئولية الثقيلة.
3- الامر الثالث، المكان: لقد وضع لوثر هذه الاحتجاجات على باب الكاتدرائية في فيتمبرج. ومع انه علقها في المكان الذي كانت تعلق فيه إعلانات الكنيسة والجامعة الا ان هذا المكان بالذات كان يخص الكنيسة أكثر من الجامعة.
فقد أراد لوثر بهذه الحركة ان يعلن للكنيسة عامة بأنه في الكنيسة، بل ومن اجلها يقوم بهذا العمل. ولم يسمح لنفسه بان يهاجم الكنيسة. ولم يخطر على باله حتى تلك اللحظة أو في أي لحظة ان يترك الكنيسة أو يهاجمها أو ان يندد بتعاليمها. بل كان يحبها ويحترمها. ولهذا السبب فقد كتب في هذه الاحتجاجات يقول: (ونحن لا نريد ان نقول أي شيء أو نعتقد بأي شيء- لا يتفق وتعاليم الكنيسة الكاثوليكية[17] وبما ان لوثر لم يفكر قط في الانفصال عن الكنيسة ولم يكن يريد الا إصلاحها من الداخل فقد قام بكتابة هذه النقاط كما انه قام أيضا في نفس اليوم الذي علق فيه هذه الاحتجاجات بكتابة خطاب في غاية الأدب والرقة والاحترام والخضوع الكامل وأرسله إلى رئيس أساقفة ماينس يشرح فيه سوء استعمال صكوك الغفران ويتوسل إليه ان يتدخل سريعا ويأمر بإيقاف هذه العملية[18]*.
كان لوثر يجهل الاتفاق الذي تم بين ليون العاشر وألبرت وبنك فيكر. بل كان يعتقد بان رئيس الأساقفة لا يعلم بهذه الاتفاقية. لذلك فقد رأى انه من الواجب عليه ان يلتمس منه باسم الرب يسوع ان يتدخل سريعا لحسم الأمور، وإبعاد هؤلاء الوعاظ ومنعهم من الوعظ. ولقد أرسل مع خطابه هذا نسخة من الاحتجاجات.
وكان ينتظر لوثر رد على هذا الخطاب، ولكن للأسف طال الانتظار. لأن البرت أرسل خطابه وصورة من الاحتجاجات إلى روما[19].
وقد سبق ان اشرنا إلى ان المصلح قد كتب هذه الاعتراضات باللغة اللاتينية داعيا بذلك العلماء والأساقفة والكهنة لأن يناقشوا معه هذه البنود. ولم يتحرك احد من المسئولين. بل بالعكس قام بعض الطلاب- رغم رغبة لوثر- بترجمة هذه الاحتجاجات الخمس والتسعين إلى اللغة الألمانية[20] وحالا تناولتها المطابع وقامت بطبعها ثم ترجمت إلى لغات أخرى، وفي خلال أسبوعين انتشرت داخل ألمانيا وخارجها. بفضل اللذين جاءوا لكي يحتفلوا بعيد جميع القديسين.
فلقد جاء هؤلاء للحصول على صكوك الغفران فرجعوا إلى بلادهم حاملين معهم احتجاجات المصلح المدعمة من الكتابات المقدسة ضد هذه الصكوك.

ما هي محتويات هذه الصكوك
بما ان بائعي هذه الصكوك ادعوا انها تمنح الحياة الأبدية للتائبين وتخرج النفوس المطهرية من المطهر، فان لوثر قدم في أول احتجاج الطريقة السليمة التي يستطيع بها الإنسان الخاطئ التائب ان يحصل على الحياة الأبدية، وهي التوبة الحقيقية وانسحاق القلب (مر 17:51)، وليست بشراء صك الغفران ثم الانغماس في الحياة الشريرة.
وبما انه ليس من السهل لضيق المكان هنا ذكر وتحليل كل هذه الاحتجاجات الخمس والتسعين. لذلك نكتفي بإشارة إلى بعضها أو ما قصد لوثر ان يعلمه عن طريقها:
الاعتراض الأول: (عندما قال ربنا وسيدنا يسوع المسيح "توبوا" أراد بذلك ان تكون حياة المؤمن كلها توبة مستمرة وقد قال لوثر في مكان آخر: (المؤمن هو البار الخاطئ)[21]
الاعتراض الخامس: (لا يستطيع البابا- حتى لو أراد- ان ينقذ الإنسان من عقوبة قانون الا ما سنه هو نفسه بمحض إرادته.
الاعتراض السادس: (ليس في سلطان البابا ان يزيح أو يلاشي عن الإنسان عقاب خطيئته أو يغفر له، وإنما يعلن للخاطئ ان خطاياه قد غفرت).
الاعتراض الحادي والعشرون: (ضل الذين يقولون بأنه متى رنت النقود في صندوق الجمع تخلص النفس من المطهر منطلقة إلى السماء).
الاعتراض الثاني والثلاثون: (ضل الذين يتوهمون بأنهم في أمان بسبب الغفران، فانهم مع تعاليمهم هالكون).
الاعتراض السادس والثلاثون: (ان المسيحي الحقيقي، الذي يترك خطاياه بقلب منسحق نادم، تغفر خطاياه ولا حاجة له إلى صكوك غفران).
الاعتراض الثلث والأربعون: (على المسيحي ان يفهم حقيقة ان الذي يحسن إلى مسكين أو يقرض محتاجا يقوم بعمل أفضل من شراء صكوك الغفران)
ولابد ان لوثر يشير بهذا الاعتراض الأخير إلى ما قد ادعته الكنيسة في استخدام بيع استحقاقات القديسين لكنز لها وتحت تصرفها. ان الكنز هو انجيل المسيح يسوع المحرر وهو قوة الله للخلاص لكل من يؤمن (رو16:1-17)

ويمكننا ان نلخص محتويات هذه الاحتجاجات في الآتي:
الاحتجاجات من (1-29) : مجموعة من الاحتجاجات ضد صكوك الغفران للنفوس المطهرية، وحاول لوثر ان يبين ان سلطان البابا لا يمتد لأبعد من الأرض وليس له سلطان على الأرواح في المطهر، ثم يرجع إلى متى 19:16 ليبين ان سلطان الحل والربط نافذ المفعول هنا على الأرض فقط وليس في السماء.
الاحتجاجات من (30-86) : مجموعة أخرى يتكلم فيها عن الصكوك الخاصة بالأحياء. ويشرح لوثر ان الشرط الأساسي للحصول على الغفران هو التوبة الحقيقية.
الاحتجاجات من (69-90) : في هذه المجموعة من الاعتراضات يحذر المصلح الذين يرتكبون الخطايا والموبقات بدعوى انهم حصلوا على صكوك غفران. كما انه يتكلم عن المبالغة في سلطان البابا.
الاحتجاجات من (91-95): ويختم المصلح الألماني هذه الاحتجاجات بتحذير الشعب من الأنبياء الكذبة الذين ينادون للشعب بالسلام، ولا سلام حقيقي (خر 10:13-16) ويعلن للشعب ان دخول السماء أو الحصول على الخلاص ليس طريقا سهلا هينا لينا، يشترى ويباع بالمال، بل كما هو مكتوب"انه بضيقات كثيرة ينبغي ان ندخل ملكوت السماوات (أع 22:14) ان دخول ملكوت السماوات لا يتم بالوعود الكاذبة وغير الحقيقية، بل بالتوبة الحقيقية وانسحاق القلب وقبول الرب يسوع المسيح كمخلص. ويمكننا ان نقول ان الإصلاح قد بدأ فعلا في ألمانيا يوم 31 أكتوبر اليوم الذي تحتفل به كل الكنائس القديمة وبعض الكنائس الإنجيلية المصلحة الآن. كنقطة انطلاق للإصلاح وبدايته.





هوامش الفصل السابع



[1] Strohl P.214., Greiner P.49-50.
[2] R. Bainton, P.54.
[3] H. Strohl P. SA. Vie 122-123.
[4] A. Greiner P. 52-53.
[5] H. Strohl P.245; Greiner un Passiome, P.27.
[6] Elsie Singmaster, the story of his life., P. 44-45., Greiner. Un pass. P.29-32
[7] Daneil Oliver, Le Proces Luther, 1517-1521. Faxard. P. 21-23, Strohl, 244-245, casalis 49; R. Bainton, P.56-57.
[8] R. Bainton, P.54.
[9] WL 65. ss.
[10] Strohl Sa vie 116.
[11] E. Singmaster, 46, Strohl Sa vie 118.
د. عزت زكي، ص48.
[12] A. Greiner P.53, R. Bainton, P.54.
[13]Daneil Oliver, P.14.
*ان تتزل لم يصل إلى فيتمبرج ولم يكن مسموحا له ببيع صوك فيها.
** لم يمنع فريدرك بيع هذه الصكوك لأنه رأى فيها منافسا خطيرا لذخائر القديسين التي جمعها وعرضها في كاتدرائية فيتمبرج، واضعافا لدخل هذه الذخائر.

[14] A. Greiner, Um Passionne P.30-32.
[15] G. Casalis. P. 52;
[16] Greiner Bio. P.54.
[17] G. Casalis. P.53.
[18] WBrl, 48.
[19] E. Sing Master P. 46-49.
يوجد نص هذا الخاطب مترجما باللغة العربية في أ. موريسون. ترجمة القس باقي.
[20] E. Singmaster, 49, WBr 62, P. 152,1,10. Luther a Scheurl
[21] H. Strohl, P. 253.






الفصل الثامن
ماذا عملت يا لوثر
للأعلى
بدء القضية:
كان لوثر أول المندهشين من رد الفعل الذي أحدثته هذه الاعتراضات الخمس والتسعين. ألم يذكر ذلك في خطابه للبابا. ان انتشار هذه الاعتراضات بهذه السرعة وهذه الكيفية يعد معجزة. وكل ما كان يقصده من كتابتها هو ان تناقش أولا في الجامعة وعلى المستوى الجامعي فقط. ولكن بعد ان ترجم الطلبة هذه الاحتجاجات انتشرت ليس فقط في ألمانيا بل في كثير من البلاد المجاورة. وبدأ الجامعيون والعاميون، التجار وأصحاب الحرف في دراستها بل أصبحت موضوع أحاديث الناس. أما منافسو لوثر فقد رأوا ان نهايته قد اقتربت، وان مصيره سيكون الحرق على خشبة مثل الذين سبقوه في هذه الجرأة وقد سبق ان قلنا بأن لوثر أرسل في نفس اليوم الذي علق فيه هذه الاعتراضات نسخة منها مع خطاب خاص إلى رئيس الأساقفة. وعندما استلم ألبرت هذا الخطاب انشغل انشغالا عظيما. ولم يكن سبب انشغاله هو الناحية التعليمية أو العقائدية أو الروحية بل ان الذي أزعجه في هذا الخطاب انه رأى فيه تهديدا واضحا لمشروعه المالي إذ انه كان يعلق آمالا كبارا على نجاح هذا المشروع لكي يسدد عنه طريقه ديونه الكثيرة وحالا أرسل نسخة من الخطاب إلى البابا ليون العاشر. واستلم البابا رسالة رئيس أساقفة ألمانيا وقرأها، ثم أعاد قراءتها، انها معارك رهبان سكارى. لقد فسر البعض هذه الجملة بمعنى ان ليون العاشر لم يعر هذا الامر اهتماما كبيرا[1] بينما حقيقة الامر غير ذلك.
وربما لم يعر ليون هذا الامر اهتماما كبيرا في أول لحظة ولكنه حالا أدرك خطورة الموقف كان خطيرا فعلا بل في غاية الخطورة، إذ ان المصالح الرومانية كانت مهددة، وبدأ يفكر في حل.
ومع ان رئيس أساقفة ألمانيا كان قد أرسل هذه الاحتجاجات إلى روما الا انه لم يقف مكتوف اليدين، كما ان الراهب الدومنيكاني تتزل. طلب من جامعة فرانكفورت ان تدرس هذه الاحتجاجات وبعد دراستها أقروا بأنها تحتوي على 116 خطأ عقائدي وبناء عليه رفع الامر إلى روما بأن لوثر هرطوق[2] يجب محاكمته.
عندما وصل تقرير رئيس الأساقفة والجامعة ، طلب البابا من الكاردينال كاجتان (Cajetan) وهو دومينيكاني ومن أعظم علماء الفاتيكان في ذلك الوقت ان يكتب له تقريرا عن هذا الموضوع[3] ومن أول ديسمبر (كانون أول) بدأ كاجتان في دراسة الخمسة والتسعين احتجاجا كذلك السبعة والتسعين التي سبق ان عرضها للمناقشة في سنة 1517 أي قبل ظهور هذه الاعتراضات الخمسة والتسعين وفي آخر ديسمبر (كانون الأول) قدم كاجتان تقريره. وخلاصته:
ان لوثر يهاجم الكنيسة الكاثوليكية في قضيتين:
1- لا خلاص بالأعمال الحسنة أو بالاستحقاقات الشخصية.
2- ان السلطة الكنسية غير معصومة وعلى المؤمن الاعتماد على الروح القدس الذي يرشده والرجوع إلى الكتاب المقدس[4].

وفي 3 فبراير (شباط) 1518 كلف البابا ليون الرئيس العام للأغسطينيين بأن يصدر أمره إلى ستوبيتز المسئول عن الرهبانيات الاغسطينية في ألمانيا بأن يعمل ما في وسعه لكي يسحب لوثر احتجاجاته وان يعلن طاعته وخضوعه وإلا فلابد من محاكمته في روما.
ولقد ظهرت ردود الفعل على هذه الاحتجاجات الخمسة والتسعين في أماكن كثيرة، فقد عقد تتزل اجتماعا في العشرين من يناير (كانون الثاني) 1518 في دير فرانكفورت على نهر الودر لكي يرد عليها. وتعالت أصوات الوعاظ المكلفين ببيع صكوك الغفران مطالبين بحرق لوثر.
عندما كتب لوثر هذه الاحتجاجات كتبها بطريقة موجزة جدا لكي تناقش وتدرس في الجامعة وعلى مستوى جامعي. ولكنه لما وجد انها انتشرت في طول البلاد وعرضها وأصبحت في متناول العالم والجاهل. وخشى ان تفهم الاحتجاجات وتفسر بطريقة خاطئة. لذلك نشر عظة في مارس (آذار) 1518 عن النعمة والصكوك يشرح فيها هذه المشكلة بطريقة واضحة[5] وزاد الجدل والنقاش بين الطرفين لدرجة ان تتزل تطرق وقام بحرق الاحتجاجات الخمسة والتسعين وردا على هذا الفعل قام الطلبة أيضا بحرق بعض صكوك الغفران[6] التي كان تتزل مكلفا ببيعها.



هوامش الفصل الثامن



[1] Greiner P.59.
[2] Daneil Olivier, P.26.
[3] Strohl P. 268, D. Hourticq P. 37.
[4] Strohl Savie P. 124,; Strohl P. 268, Hourticq P.37, 38.
[5] W. 1, 239 SS
[6] Strohl P.268, 269.






الفصل التاسع
مجمع هيدلبرج (Heidelberg)
للأعلى
لقد وجد ستوبيتز- الصديق المخلص للوثر في موقف حرج جدا امام طلب البابا، وعلى أي حال فانه كان مضطرا لأن يعرف لوثر هذا الامر. ورد المصلح في 31 مارس (آذار) سنة 1518 على خطاب أبيه الروحي شارحا اقتناعه بالآراء التي ينادي بها وانه لن يتخلى عنها ما لم يقتنع كتابيا. وبناء عليه كان ستوبيتز مضطرا ان يدعو لوثر للمثول امام مجمع من الرهبان وتحدد تاريخ الاجتماع في يوم 25 أبريل (نيسان) 1518 ومكانه في مدينة هيدلبرج. ولقد أراد لوثر ان ينتهز هذه الفرصة لكي يشرح للإخوة الرهبان أفكاره العقائدية ليس فقط فيما يخص صكوك الغفران والمطهر بل في مواضيع أخرى[1] ولقد دعم حديثة باقتباسات من كتابات القديس بولس الرسول ثم من كتابات القديس اغسطينوس الذي كان يعتبره المفسر الأمين لبولس.
انتهت المنافسة في جو هادئ لطيف، على ان لوثر لم يستطع ان يقنع معارضيه من الدومنيكان أتباع توما الاكويني وخاصة كبار السن منهم الا انه ترك في نفوس الشباب تأثيرا عميقا جدا بل ان كثيرين منهم قرروا من تلك اللحظة تأييد لوثر تأييدا كليا. لقد كان من بين الطلبة الذين سمعوا لوثر وتأثروا به في هذا اليوم مارتن بيسر (Martin Bucer) [2] الذي أصبح من أعظم المصلحين فيما بعد في ستراسبورج.[3]
وبما ان لوثر لم يسحب هذه القرارات وصمم على التمسك بها فقط طلب منه ان يكتب إلى البابا خطابا يشرح فيه موقفه. وبدأ لوثر دعوته إلى فيتمبرج في 15 مايو (أيار) 1518 في الكتابة للبابا شارحا محتويات هذه الاحتجاجات والقصد منها، ثم كتب أيضا خطابا يظهر فيه خضوعه الكامل له. كان لوثر في ذلك الوقت يثق في البابا كل الثقة. ولذلك شرح له في ذلك المكتوب الطريقة التي استعملها بائعوا الصكوك. وكيف ان هذا الامر يعتبر عارا وإهانة للمسيح. وكما طلب من رئيس أساقفة ألمانيا التدخل السريع لمنع هذه المهازل. فقد توسل إلى البابا أيضا بان يتدخل سريعا لمجد الرب وقد ختم لوثر خطابه بعبارات تدل على خضوعه واحترامه للبابا. ولطول الخطاب نقتبس منه الخاتمة فقط (... أيها الأب الأقدس انني القي بنفسي امام قداستكم خاضعا بكل مالي وبكل حالي أحيوني أو اقتلوني، أرفضوا أو أقبلوا قضيتي واحكموا بخطئي أو بصوابي كما تشاءون وانني اقبل صوتكم كما لو كان صوت المسيح متكلما عاملا فيكم فان كنت استحق الموت فلن ارفضه... لأن للرب الأرض وملؤها، فليكن اسم الرب مباركا، وليحفظكم الرب للأبد، أمين)[4].
ومن يقرأ هذا الخطاب كله يلاحظ من أول وهلة خضوع لوثر التام للبابا ثم ثقته المطلقة فيه. وكيف لا يثق فيه وهو يعتقد ان ليون رجل قد كرس حياته للخدمة وانه نائب المسيح على الأرض ولا يعمل الا لمجد المسيح فلذلك يلقي بنفسه تحت قدمي هذا الرجل عارضا مشكلته عليه واثقا فيه وفي رسوليته وغيرته لمجد المسيح وحده. لقد أرسل لوثر تفسيره للاحتجاجات التي تدعى بالحلول أو القرارات[5] ثم خطابه الموجه للبابا ، إلى رئيسه وصديقه ستوبيتز وكتب هذا الأخير تقريره عن ما حدث في مجمع هيدلبرج وأرسل الملف إلى روما فوصل إليها في نصف يونيو (حزيران) 1518. ولما وصل ملف لوثر إلى روما وأحيل إلى بريرياس (Priearias) المسئول عن الشئون القانونية والمالية وقدم المسئول القانوني تقريره الآتي:
كل من يدعو باسم الكنيسة ليس لها حق في ان تتصرف وان تسلك بالطريقة التي سلكت فيها فيما يختص بموضوع صكوك الغفران فهو هرطوق ويجب محاكمته. وقد استعمل بعض العبارات الجارحة في وصف لوثر (Stvohl 273) *
وبناء على هذا التقرير أصدرت روما في أول يوليو (تموز) أمرها إلى لوثر لكي يحضر إلى المحاكمة في خلا ستين يوما من استلامه الرسالة وهذه المدة لا تكفي الا لقطع المسافة بين فيتمبرج وروما وقد وصلت إليه في السابع من أغسطس (آب).
ترى هل يذهب لوثر إلى روما؟






هوامش الفصل التاسع



[1] W1, 350, 374; I 160, 169.
[2] Haurticq.
[3] W Br. 175 p174, 1, 46.
[4] ميرل دوبينياه ص 119- 120، أ. موريسون 47-50.
Strohl 272-273.
[5] W 1 522-628, 9 181.
* Stvohl 273.







الفصل العاشر
لوثر امام الكاردينال كاجيتان (Cajetan)
للأعلى
كان لوثر لا يريد ان يحاكم امام محكمة رومانية، بل امام محكمة ألمانية، ليس خوفا على حياته، بل كان يعلم جيدا ان ذهابه إلى روما يعني قتل القضية ودفنها.
ولذلك فقد كتب إلى حامية الملك فريدرك. كما انه كتب إلى صديق له يدعى سبالاتين(Spalatin) وكان زميلا له في الدراسة وأصبح سكرتير البلاط الملكي *(Strohl 274) .
اعتبر لوثر من ذلك الوقت هرطوقا ويجب ان يحاكم كهرطوقي ولذلك فقد وعد الإمبراطور العجوز فاكسيمليان بمعاقبته ومطاردته كهرطوقي (Daniel Oliview 39-42). ولقد كلف الكاردينال كاجتان للقيام بالإجراءات اللازمة لدى السلطات الألمانية لكي يسلمه للمحاكمة في روما.
كان الكردينال يعتقد بان مهمة إخراج لوثر من ألمانيا ليحاكم في روما ليست بالمهمة الصعبة، إذ ان الإمبراطور اظهر رغبته في مقاومة كل الهرطقات، فما كان عليه الا ان يقنع الأمير المنتخب فريدرك الساكسوني بتسليمه. وكان فريدرك رجلا نزيها شريفا ويحتل مكانة ممتازة في الإمبراطورية وكان أيضا متقدما في السن وسياسيا محنكا. ولذلك كان يدرك تمام الإدراك ان روما والإمبراطور ماكسيميليان، لن يتبع سياسة العنف ليرغماه على تسليم لوثر للمحاكمة. على ان البلاط الروماني حاول بطرق عديدة وبكل الوسائل ان يكسب هذا الأمير إلى جانبه. فقد استعمل الترغيب مرة والشدة أخرى. ولذلك ذهب الكاردينال كاجيتان حاملا معه وعدا من البابا بمنح الأمير وردة الذهب: وهو أسمى نيشان تمنحه البابوية. كما انه اسر له أيضا عن نية البابا في إرسال كميات كبيرة من صكوك الغفران كان قد طلبها من عدة سنين[1] وبأسلوب دبلوماسي طلب منه ان يسلم له لوثر لكي يحاكم في روما على هرطقته. وامام هذا الطلب كان فريدرك رابط الجأش، قوي العزيمة، صلب كالصخر لا تلينه الوعود ولا يهزه الوعيد، فأجاب الكاردينال بان لوثر لا يمكن ان يحاكم في محكمة لا تعرف قانونا الا الكتب المقدسة. ولكن على أي حال لم يكن عنده مانع بان يتقابل قداسته مع لوثر في مدينة أوجسبورج (Augsbourg). وامام هذا الامر الواقع لم يجد الكاردينال مناصا الا القبول ظانا بأنه يستطيع ان يقنعه بأخطائه المزعومة فيسحب اعتراضاته وينكرها. وعندئذ طلب الإذن من روما بمقابلة الراهب العاصي. ووافقته روما على المقابلة. على ان فريدرك اشترط على الكردينال الا يرغم لوثر على الانسحاب ان لم يرد هو نفسه ذلك. على ان تكون المناقشة ودية. وحالا أرسل إلى لوثر خطابا يؤمن نية لوثر في رحلة الذهاب من فيتمبرج إلى اوجسبورج والعودة منها يضمن سلامته.
كان لوثر يجهل بعض تفصيلات هذه الرحلة والشروط التي وضعها فريدرك لضمان سلامته في الطريق ومقابلة كاجتان، ولكنه كان لا يجهل أبدا ان رفضه سحب هذه الاعتراضات أو تمسكه بها سيقوده حتما إلى الحكم عليه بالحرق. ولابد ان صورة بعض الذين حكمت الكنيسة بهرطقتهم. مثلت امام عينيه وكتب إليه الأصدقاء والمحبون ان يمتنع عن الذهاب إلى اوجسبورج ولكنه ثبت وجهه للذهاب إليها. وفي الطريق كتب إلى صديق له يقول: "ليمت لوثر ويحيا المسيح"[2] .
وصل لوثر إلى هذه المدينة الغنية الجميلة التي اشتهرت بفرسانها وأمرائها والسلطات الكنسية فيها. وبدأت المقابلة بين الكاردينال كاجتان ممثل البابا والراهب لوثر في يوم الثلاثاء الموافق 12 أكتوبر (تشرين الأول) 1518.
وقد استقبله العاهل الرسولي استقبالا حسنا. وبعد هذا الاستقبال اللطيف دخل الكاردينال في طلب الموضوع.
وقد اتفق معظم المؤرخين والمتخصصين في الدراسات اللوثرية على ان الطلب الأول الذي طلبه كاجتان من لوثر هو ان يتنازل عن تعاليمه التي نادى بها[3] فقال له إذا كان هذا هو كل المطلوب منه عمله هناك فلماذا إذن القيام بهذه الرحلة الطويلة المتعبة والمرهقة وكان في الامكان طرح هذا الطلب عليه في فيتمبرج؟!!!
كانت التعليمات التي تلقاها كاجتان من روما، تأمره بعدم المناقشة فان الكاردينال طالب لوثر بشيء واحد ولم يطلب أي شيء آخر غير ان ينكر صحة تعاليمه. فان كل ما يريده من الراهب هو ان يعلن خطأه في تعليمه وتفسيره وانه مستعد ان يتراجع عما علم به. وأما لوثر فلم يكن ينتظر أي شيء الا ان يقتنع من الكتب المقدسة ومن كتب الآباء بأنه على خطأ وعندئذ حاول كاجتان ان يلعب على الوتر الحساس في المصلح فطلب منه ان يتراجع عن تعاليمه حتى تعيش الكنيسة في سلام. وقد ردد عدة مرات هذه الكلمات: انسحب، تراجع، أنكر هذه التعاليم كما اذكر ان البابا لا يريد الا ذلك وعندئذ يرجع السلام إلى الكنيسة والى لوثر أيضا. على ان لوثر طلب من الكردينال ان يتكرم ويشرح له أخطاءه حتى يستطيع ان يتراجع عنها فان لم تشرح له أخطاءه وان لم يقتنع بالشرح الذي يجب ان يكون مدعما بما في الكتب المقدسة وأقوال الآباء، فانه لن يستطيع التراجع عنها ولا قيد أنمله. وامام إصرار هذا الراهب العنيد الذي سيلقبه فيما بعد بحيوان فيتمبرج بدأ الكردينال يشرح للراهب بعض الأشياء التي علم بها لوثر والتي لا تتفق وتعاليم الكنيسة.
ومن الأخطاء الرئيسية في رأي ممثل الكرسي البابوي إنكاره كنز الكنيسة، أي ان الكنيسة ليس من حقها ان تتصرف في أعمال القديسين الزائدة (مشكلة التبرير بالإيمان) هذا الامر الذي أنكره لوثر في الاحتجاج رقم 58 الذي تمسك به أيضا في القرارات التي أرسلها للبابا، ثم تمسكه بفكرة ان فاعلية الفرائض المقدسة متوقفة على إيمان الشخص وليس على الفريضة في حد ذاتها واعترض أيضا كاجتان على مفهوم لوثر لعصمة البابا. وهنا طلب لوثر إمهاله يوما للتفكير في الإجابة وقبل طلبه (Strohl 227).
وفي يوم الأربعاء 13 أكتوبر (تشرين الأول) ظهر لوثر امام الكردينال كاجتان وقد صاحبه هذه المرة رئيس الأديرة الاغسطينية، صديقه ستوبيتز، وأربعة من النواب واثنان من المحامين بأمر من الملك فريدرك، وكاتب قانوني. وقد قرأ الكاتب إقرار لوثر بأنه لا يريد ان يقتنع الا من الكتب المقدسة. وعندئذ كرر الكاردينال كلامه: قائلا بأنه لا يريد الا انسحاب لوثر واعترافه انه مخطئ. وهذا كل ما يريده قداسة البابا. وأما لوثر فكرر بدوره انه لا يريد هو أيضا الا شيئا واحدا وهو ان يقتنع بأخطائه قبل ان يعترف بها[4].
وقال لوثر انه على استعداد لأن يقبل حكم جامعة بازل أو فريبورج أو لوفان أو باريس. وعندما سمع كاجتان هذا الاقتراح لم يستطع ان يضبط نفسه ولا ان يحكم غيظه ضد هذا الراهب المتمرد العنيد، وصرخ فيه قائلا: (انه لا يريد ان يتناقش معه، وانه لم يأت هنا لكي يتناقش معه بل لكي يسمع اعترافا ويري ندما وسأله ان كان مستعدا ان يعترف بخطأه؟) وخشى ستوبيتز ان تتطور الأمور في المناقشة فتدخل حالا واقترح على الكاردينال ان يتفضل ويمنح لوثر فرصة أخرى يكتب فيها اعتقداته ثم يتكرم في فحصها[5]. كان كاجتان لا يريد ان يرجع إلى روما دون حل، فقبل اقتراح ستوبيتز.
وفي يوم الخميس الموافق 14 أكتوبر انتهز لوثر الفرصة لكي يشرح عقيدته في موضوع سلطان البابا فهو يعتقد بان المجمع في حكمه يفوق سلطان البابا منفردا بل ان شخصا مؤمنا يعتمد على الكتاب المقدس ويرجع إليه في أحكامه وتفسيره ان يثبت خطاء البابا. ولكي يؤيد كلامه من المكتوب رجع إلى قصة بطرس وبولس وقال ألم يوبخ بولس بطرس على خطأه علانية (غلا 11:2-17) [6] ثم قال انه لا يمكنه ان يقبل ما يرفضه ضميره.
ثم تحدث عن الإيمان الذي يحرر الإنسان بالنعمة؟ انه يخلق الإنسان خليقة جديدة وهذه الخليقة الجديدة التي هي عمل الله تأتي بالثمار الصالحة.
وفي يوم الجمعة الموافق 15 أكتوبر (تشرين الأول) 1518 جاء لوثر وقدم للكاردينال كاجتان إجاباته مكتوبة، اما الكردينال فلم يتفضل الا بإلقاء نظرة عابرة وسريعة جدا دون قراءة دقيقة للإجابات ثم بدا من جديد ما قد بدأ به أول في أول مقابلة له مع راهب فيتمبرج قائلا: (أأنت على استعداد ان تسحب أقوالك واحتجاجاتك وتعترف بخطائك أم لا؟) وكان رد لوثر انه ان لم يثبت له من الكتاب المقدس ومن أقوال الآباء أخطاءه المزعومة فلن يتراجع. فصرخ الكردينال في وجه لوثر قائلا: (اختف من هنا ولا ترني وجهك الا إذا قررت الخضوع والاعتراف بأخطائك)[7].
وفي مساء نفس اليوم طلب الكردينال مقابلة ستوبيتز وطلب منه ان يستعمل سلطانه وتأثيره على لوثر لكي يجعله يتراجع. وكم كان هذا الموقف حرجا ومؤلما وقاسيا على أب يحب ابنه ويعطف عليه. نعم لقد كان لقاء ستوبيتز مع لوثر في ذلك المساء لقاء قاسيا. وطلب الأب الروحي من الابن الاعتدال وعدم المخاطرة وإظهار روح الخضوع. وقبل لوثر إرضاء لأبيه الروحي ان يكتب خطابا في 17 أكتوبر إلى الكردينال واعدا بالا يتكلم فيما بعد عن مشكلة صكوك الغفران بشرط الا يهاجم ثم أعلن أيضا استعداده بسحب كل ما كتب أو علم، بشرط ان يقنعوه من الكتب المقدسة ومن أقوال الآباء بخطأ ما كتب أو علم (ميرل دوبينياه 154-155).
كان ستوبيتز حائرا ومتألما بخصوص لوثر وكان يفكر كيف يمكن ان يخرجه من هذا المأزق؟ لقد فكر ستوبيتز في عدة طرق لكي ينقذ ابنه الروحي من هذه الأزمة: هل يحسن ان يهرب لوثر إلى باريس؟ أم يخفيه في مكان آمن؟ وأخيرا فكر بان يحله من نذوره ويطلقه... وهكذا فعل.
وترك ستوبيتز ابنه مارتن في اوجسبورج في 16 أكتوبر. اما محامي لوثر فقد نصحه بان يقدم طلبا مكتوبا قبل مغادرة المدينة باستئناف القضية لكي ينظر فيها من جديد رجال محايدون[8].
اما الكردينال كاجتان فقد كتب خطابا إلى الملك فريدرك يشره فيه تفاصيل مقابلته مع لوثر ويلتمس منه ان يسلمه إلى روما أو يطرده من مقاطعته ويحثه على القيام بواجبه كمسيحي وان يسلم هذا الهرطوقي إلى السلطة الكنسية لمحاكمته.
وفي يوم 14 ديسمبر (كانون الأول) كتب الملك فريدرك خطابا أظهر فيه دبلوماسيته وحزمه فقد ذكر الكردينال بأنه ليس في حاجة إلى من يعرفه بواجبه كمسيحي لأنه مسيحي.[9] وبخصوص موضوع لوثر قال انه سوف يعمل ما في وسعه لضمان صمته كما عرفه أيضا بأنه سوف يجمع بعض الضرائب للمساهمة في الحرب ضد الأتراك.
اما لوثر فقد وصل إلى فيتمبرج في نهاية شهر أكتوبر وكان قد مضى على تعليق هذه الاحتجاجات سنة كاملة. وبالرغم من هذه المشاكل فان لوثر كان يواصل نشاطه في التدريس ودراسة الكتاب المقدس بل أراد ان يتعمق في دراسته أكثر فأكثر. ولذلك فقد بدأ يدرس باجتهاد اللغة اليونانية مع شاب نابه اسمه ملانكثون وصل إلى فيتمبرج وانظم إلى هيئة التدريس في شهر أغسطس (آب) 1518 وهو الذي أصبح الذراع الأيمن للمصلح فيما بعد وبينما كان لوثر في طريقه إلى فيتمبرج وهو عائد إلى أوجسبورج وجد خطابا في انتظاره في مدينة نورمبرج (Nuremberg) من صديقه وزميله سبالاتين سكرتير الملك فريدرك يعرفه بان الامر قد صدر بالقبض عليه وتسليمه إلى روما كما عرفه أيضا بخطاب كاجتان للأمير الذي أرسله ليحثه على تسليم لوثر. وذكر سبالاتين في خطابه بان الأمير لا يريد ان يترك لوثر في فيتمبرج[10] وفي 8مارس (آذار) عرف لوثر بان ميلتيتز (Miltitz) في طريقه للحصول على إذن بالقبض عليه وتسليمه إلى روما. ولأول مرة شعر لوثر بان روما ضد المسيح[11] وهنا نشر مكتوبه لدعوة مجمع عام للنظر في قضيته.
كان كارل فون ميلتيتز ألماني الجنسية، ذكيا وسياسيا محنكا. ودبلوماسيا ماهرا بالرغم من صغر سنه، وقد كلف من قبل البلاط الروماني بان يذهب إلى ألمانيا لإحضار لوثر للمحاكمة. وقد جاء لمقابلة الملك فريدرك حاملا في إحدى يديه سوطا وفي اليد الأخرى هدية.
وكانت الهدية هي تسليم الملك فريدرك وسام الوردة الذهبية. وعندما بدأ الكلام معه بخصوص تسليم لوثر إلى روما نبه الملك – الذي كان أكثر دبلوماسية وأطول خبرة وحنكة في الأمور السياسية- الدبلوماسي الشاب بأن الخطر سيكون عظيما إذا هرب لوثر إلى بوهيميا حيث يمكن ان يتجدد الصراع العقائدي والسياسي القديم. فاقتنع ميليتز بهذا الرأي. ولقد لاحظ الملك رغبة الشاب في النجاح في مهمته ولذلك أوحى إليه بان لوثر لا يطلب الا الاقتناع بأخطائه. وربما إذا وجد رجلا حكيما يمكن ان يقتنع. فطلب ميليتز مقابلة لوثر وهذا ما كان يسعى إليه الأمير إذا انه كان يريد ان يثبت ان لوثر كان ومازال محقا في طلبه للمناقشة وليس للخضوع دون اقتناع.
وقد تقابل الرجلان يومي 6،5 يناير (كانون الثاني) 1519 في مدينة ألتنبرج (Altenbourg) وخرج ميليتز بانطباعات طيبة من هذه المقابلة. ونتيجة لهذه المقابلة قبل لوثر ألا يتكلم فيما بعد عن صكوك الغفران شريطة الا يهاجم[12] وطلب ميليتز إلى البابا دون ان يستشير كاجتان ان يسند هذه القضية إلى قضاة ألمان للحكم فيها. لكن آك نشر هجوما في 29 ديسمبر (كانون الأول) 1518 ضد أحد زملاء لوثر وهو الدكتور كارلستادت (Carlstadt) وفي حقيقة الامر لم يكن كارلستادت هو المقصود بهذا النقد بل لوثر نفسه وكان هذا الهجوم حلا للوثر من العهد الذي قطعه مع مليتز وأصبح حرا في الدفاع عن آرائه ضد هذا الهجوم، ولم يعرف لوثر بموضوع آك الا بعد اجتماع 6 يناير (كانون الثاني) وظل الصراع بين آك وكارلستادت مستمرا.
ثم جاء موت الإمبراطور ماكسيمليان في يوم 11 يناير (كانون الثاني) بمثابة هدنة مؤقتة لوقف هذا الصراع بين الطرفين فقد احتل موت الإمبراطور العجوز ماكسيمليان وانتخاب إمبراطور جديد المكانة الأولى في عقول الناس وانقسم أمراء وملوك الإمبراطورية فقد ايد بعضهم شارل الأسباني بينما ايد الآخرون فرانسوا الأول. كما انقسم الأمراء فيما بينهم على تعيين الإمبراطور الروماني، فان البلاط الروماني كان في حيرة: يميل تارة إلى واحد وتارة إلى آخر[13] وانتهت هذه المعارك السياسية بانتخاب شارل الأول ملك أسبانيا والذي حكم ألمانيا باسم شارل الخامس. وهو حفيد الإمبراطور ماكسيمليان[14] وعندما تربع الإمبراطور الجديد على عرش هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف كان في التاسعة عشرة من عمره. وقد انتخب في يوم 28 يوليو (تموز) 1519[15].







هوامش الفصل العاشر



* لا نعرف الا القليل كيف بدأت العلاقة بين لوثر والملك فريدرك، فان البعض يعتقد بان ملك ساكسونيا (فريدرك) سمع مرة لوثر يعظ فأعجب به وقال ان هذا الراهب ليس إنسانا جاهلا فارتبط به من ذلك الوقت (Daniel Oliverier, 28) ويقول البعض الاخر بأنه لم يراه الا مرة واحدة (G. Casalis) والبعض الاخر يعتقد بأنه لم يتكلم مع المصلح أكثر من عشرين دقيقة (Greiner 61, Bainton 69) وعلى ما يبدو فان الملك فريدرك كان يحب لوثر ويحترمه كثيرا فهو الذي سهل له وسيلة السفر والعناية بحراسته في رحلته إلى هيدلبرج ومن تلك اللحظة لم يتخل الملك فريدرك عن الدفاع عن المصلح والوقوف إلى جانبه.

[1] Strohl P. 267, Strohl sa vie p.128.
[2] W BR 1 96.
[3] R Bainton P. 69-71, Greiner un Pass.. 34-38; Daniel Oliverier 60-62; Strohl sa vie p.128
[4] Strohl P. 267-278. Houeticq P. 41-43.
[5] W. 9-16.
[6] W2 10-12.
[7] Daniel Oliverier P.63-66.
[8] W Br. 1, 104P. 123.
[9] Strohl P. 281-285.
[10] W Br. 1, 116; 1 118.
[11] W Br 1, 121.
[12] Strohl P. 130-131.
[13] Strohl sa vie P. 133.
[14] Greiner un Pass.. 36-37.
[15] Strohl P.286.









الفصل الحادي عشر
حوار مفتوح في مدينة ليبزج(Leipzig)
للأعلى
ظهر منافس جديد للمصلح وهو الدكتور آك (Eck) الذي شن هجوما عقائديا عنيفا ضد الدكتور كارلستادت، وكان أستاذا في جامعة فيتمبرج وصديقا حميما للوثر. وعندما بدا الدكتور آك في انتقادات لتعاليم كارلستادت كان في الحقيقة يريد ان يسحب مارتن لوثر إلى المناقشة معه، إذ انه كان يعتقد دون ان يصرح بذلك علانية ان الطريقة التي اتبعها كاجتان طريقة غير صحيحة وانه هو الشخص الكفء الذي في استطاعته ان يناقش لوثر وان يوقفه عند حده. وقد تحدد ميعاد ومكان الاجتماع لحوار مفتوح بين العميد آك والدكتور كارلستادت. وابتدأ من 22 يونيو (حزيران) 1519 توافد الجماهير على مدينة ليبيزج وتوجه أساتذة وطلبة جامعة فيتمبرج إلى المدينة وكان عدد كبير منهم مسلحين[1] وبدا الحوار في الأسبوع الأول [2] بين الدكتور آك وبين الدكتور كارلستادت كان آك في قوة الذاكرة حاد الذكاء عليم بأقوال الآباء وتعاليمهم متبحرا في دراسة قرارات المجامع.، كما انه كان خطيبا مفوها. اما كارلستادت فقد تميز بمعرفته للكتب المقدسة معرفة جيدة. وقد تعمق في دراستها وفهمها وبعد خطاب الافتتاح الذي ألقاه (موزيلانزس) (Mosellanus) عميد جامعة ليبيزج بدأ الحوار بعد الظهر. وكان المتكلم الأول هو الدكتور آك واستطاع ان يجذب انتباه عدد كبير بسلاسة أسلوبه وقوة حجته وتمكنه من معرفة أوال الآباء اما كارلستادت فكان يستشهد في خطابه بعدد كبير من الكتب في جمعها ووضعها أمامه. وكان موضوع النقاش في هذه الأيام مركزا على مشكلة حرية الإرادة.
وفي يوم الأحد الموافق 29 يونيو (حزيران) طلب دون بارنيم (Barnim) من لوثر ان يعظ في الكنيسة للشعب الذي جاء معه من فيتمبرج وكانت عظته في انجيل متى 13:16-20 ولقد ترك تأثيرا قويا وعميقا لدرجة ان السلطات منعته من الوعظ مرة ثانية هناك.
ظل الحوار بين آك وكارلستادت وان كان تفوق آك ورجحان كفته ظاهرا. وفي يوم 4 يوليو وهو اليوم الذي كان ينتظره آك بفارغ الصبر من عدة شهور لمناقشة الدكتور مارتن لوثر ودار الحوار لمدة خمسة أيام حول سلطان البابا. وحاول آك ان يستخدم أقوال الآباء في إقناع لوثر وشدد آك على ان الذي لا يعترف بسلطان البابا روما لا يعتبر عضوا في كنيسة يسوع المسيح. وعندئذ سأله لوثر ماذا تقول إذا في الذين قدموا حياتهم وعاشوا الإيمان المسيحي بكل تقوى وقداسة؟ لا بل استشهد من اجل اسمه في الكنائس الشرقية؟ واستطرد أيضا يقول: ما رأيك في موقف بولس الذي وبخ بطرس علانية، هل كان بطرس معصوما من الخطأ؟ وواصل دفاعه بالقول: وما رأيك في المجامع فقد حكم الواحد على الاخر وحرمه، فمن هو الحارم الحقيقي ومن هو المحروم الحقيقي؟... وفي نهاية الامر وجه لوثر أنظار السامعين إلى الأساس الثابت القوي المتين وهو الكتاب المقدس، الكتاب الوحيد المعصوم الذي يجب ان يرجع إليه المؤمن لأنه كلمة الله.
وفي الأسبوع التالي واصل كارلستادت حواره مع آك وانتهى النقاش في يوم 15 يوليو (تموز) 1519. ويعتبر هذا الحوار نقطة من النقاط التي وسعت الفجوة بين الفريقين ومع ان السامعين أحسوا في أحيان كثيرة ان لوثر كان قويا في حجته عميقا في تفكيره جديدا في أسلوبه روحيا في كلامه، الا ان لوثر نفسه اعترف بأنه لم يكن بالقوة التي كان ينتظرها وبالرغم من اعترافه هذا فقد تغير اتجاه عدد لا بأس به من الحاضرين وقبلوا أفكاره الجديدة بفضل هذه المناقشات، على رأسهم السكرتير الخاص للدكتور آك[3] ولكن للأمانة العلمية يجب ان نعترف ان آك قد أحرز بعض النجاح في هذا الحوار لكنه بالغ فيه مبالغة كبيرة جدا عندما حمل بنفسه خبر هذا النجاح إلى روما.
لم يستطع الكونت جورج دفع المبلغ الذي طلبته جامعة باريس لبحث الحوار الذي دار في مدينة ليبزج بين الدكتور آك وكارلستادت ولوثر ولذلك لم تقم جامعة باريس بدراسته وتقديم رأيها فيه وأما جامعة كولوني ولوفان فقد قدمتا تقريرا دون أي مقابل تحكمان فيه بهرطقة لوثر[4].
واعتبر آك حوار ليبيزج نجاحا شخصيا وعظيما. ولذلك فقد انطلق إلى روما وبدأ في تحريك الأمور وإثارة النفوس ضد لوثر. فعندما وصل يوم 15 مارس (آذار) قبله البابا ليون بفرح عظيم. واعتبروه الرجل الذي يجب الرجوع إليه في هذا الموضوع. وتكونت لجنة جديدة للحكم على لوثر ضمت كل من أكوليتي (Accolite)) وكاجتان (Cajetane) وآك (Eck) [5]. ولقد كلف آك بإكمال قائمة أخطاء لوثر. وفي يوم 15 يونيو (حزيران) 1520 صدر القرار الذي يهدد بحرمان لوثر إذا لم يعترف باخطاءه وهرطقته في غضون ستين يوما ولقد منح آك سلطانا مطلقا لتنفيذ هذا القرار وتطبيق الحرمان على كل من يعترض على تنفيذه.




هوامش الفصل الحادي عشر




[1] Daniel Olivier 46-50; Daniel Olivier 105.
[2] لقد انقلبت عربة كارلستادت عند وصوله إلى المدينة على ان هذه الحادثة لم تعطل الحوار
[3] Houeticq P. 49..
[4] Daniel Olivier p. 118-119.
[5] Daniel Olivier, P. 133.









الفصل الثاني عشر
انفصال لوثر عن الكنيسة الكاثوليكية
للأعلى
منذ ان بدأت الأزمات تواجه لوثر وحتى شهر ديسمبر سنة 1519 لم يفكر المصلح ولم يحاول ان يترك الكنيسة الكاثوليكية. فعندما كان يتصارع ضد مخاوفه وقلقه واضطراباته وهو طالب كان يصارع ويناضل للحصول على خلاصه في الكنيسة ولما لم يجد حلا لمشكلته الروحية أثناء دراسته الثانوية التحق بالدير واستمر في الصلاة والبحث ليحصل على الخلاص عن طريق الصلوات والفروض والطقوس التي عملت بها الكنيسة. في أثناء هذه المراحل كان لوثر يؤمن بان الخلاص الذي يبحث عنه هو في الكنيسة، ولا يجب ان يبحث عنه الا في داخلها. وحتى بعد ان دخل النور إلى قلبه فجدده، وبعد ان اكتشف الاكتشاف العظيم: وهو ان الخلاص بالإيمان والاعتماد على شخص الرب يسوع المسيح وحده وليس بالأعمال لكي لا يفتخر احد، لم يفكر لوثر ولا لحظة واحدة ان يهجر الكنيسة المحبوبة. بل نراه راهبا مطيعا لرؤسائه وكاهنا مثاليا وأستاذا قديرا في محاضراته وتدريسه. وفي الكنيسة أدرك نعمة الله، وفيها أيضا أراد هذا المصلح العظيم ان يعلن انجيل المسيح الذي هو قوة الله للخلاص لكل من يؤمن (رو16:1-17).
كان لوثر ابنا مطيعا ومخلصا للكنيسة، ولهذا السبب فقد ظل في داخلها ولم يحاول تركها كما انه كان يثق ثقة تكاد تكون عمياء في البابا. كان يحب هذا الرجل ويكن له كل الاحترام والتقدير والخضوع. كما كان يحب ويقدر رؤساءه رهبانا كانوا أو كهنة أو أساقفة. واستمرت هذه الثقة في رؤسائه. تملأ قلبه وفكره. ومن منطلق ثقته في رؤساءه ومحبته للكنيسة وإخلاصه لها علق لوثر الخمسة والتسعين بندا على باب كاتدرائية فيتمبرج مطالبا الكنيسة والمسئولين فيها باستبعاد كل عقيدة لا تتفق وطهارة تعاليمها الرسولية ولأجل ذلك فقد كتب ملخصا إلى رئيس أساقفة منطقته. وكذلك إلى البابا وآخرين. وقد اعتقد في ذلك الوقت بان ما يقوم به سيلاقي بلا شك تشجيعا وترحيبا عظيمين. ولكن للأسف الشديد، لم يجد منهم ترحيبا ولا تشجيعا. وعلى قدر ما بذل هذا الشاب من جهده في إصلاح هذه الكنيسة من الداخل على قدر ما كان يرى الكنيسة ترفض هذا الإصلاح، بل تحتقره وتضطهده. ولقد استطاع ان يحتفظ بمحبته العميقة للبابا واحترامه له مدة طويلة (ميرل بو 221-223). وقد شجعه على الاحتفاظ بهذه المحبة للبابا ليون العاشر اعتقاده بأن الاخبار لا تصل إليه الا مشوهة أو انه لا يعرف ألا الناحية السلبية من الموضوع. وهذا الامر كان صحيحا جزئيا الا ان ثقته في بعض المسئولين بدأت تهتز، حتى في البابا نفسه عندما علم بخبر وصول ميليتيز لكي يحضره إلى روما للمحاكمة. لقد قام الدومنيكان بحرب شعواء ضده وكذلك الكردينال كاجتان وآك والآن ميليتيز. كل هؤلاء جندوا أنفسهم لكي يجروه جرا إلى روما لا لكي يدافع عن ما يؤمن به بطريقة ديمقراطية حرة، بل لكي يلصقوا به تهمة الهرطقة.
ولقد اتفق بعض المؤرخين على ان ثقة لوثر في البابا بدأت تهتز اهتزازا عنيفا بل تزول تماما عندما علم في يوم 8 ديسمبر بوصول ميليتيز إلى ألمانيا للقبض عليه. ففي هذا اليوم ولأول مرة خطرت له فكرة ان البابا هو ضد المسيح[1].
بدأت هذه الفكرة تكبر وتختمر في رأسه وكانت الحوادث التي مرت به، وصراعه العنيف مع الكنيسة ومع قادتها والمسئولين فيها يقوي اعتقاده بهذه الفكرة. ومما ساعد أيضا على نمو هذه الفكرة في ذهنه، هو موقف الكنيسة والبابا بعد مناقشة ليبيزج. فقد ذهب إلى روما لكي يعلن بنفسه هذا النصر العظيم الذي استطاع به ان يحطم لوثر. ولقد استقبله البابا استقبالا رائعا وكون حالا لجنة جديدة لكي تدرس موضوع حرمان لوثر. وهذا ما كان يسعى إليه آك. فأصبح عضوا في هذه اللجنة التي ضمت معلمين لاهوتيين وقانونيين وبعد دراسات طويلة واجتماعات عديدة. صدر القرار بحرمان لوثر في يوم 15 يونيو (حزيران) 1520 وأرسل في يوم 23 من نفس الشهر ونشر في أغسطس وأصبح نافذ المفعول في أكتوبر.[2] وعلى ما يعتقد البعض ان نص الحرمان- أو على الأقل جزء كبير منه كان من تأليف آك. وقيل أيضا انه قدم هذا النص على البابا لكي يوقع عليه عندما كان البابا يقضي فترة استجمام وراحة في منزل خاص ويقضي أوقاته في الصيد. (Daniel Olivier 134) وفي مقدمة قرار الحرمان صلاة كتبها البابا ومنها: (...قم يا رب وانصر حقك ضد الثعالب المفترسة التي تعمل على تخريب كرمك، ضد الوحوش البرية التي تدمره... قم يا بطرس واذكر كنيستك الرومانية المقدسة... قوموا يا جميع القديسين وتضرعوا إلى الله) (أ. موريسون 69، م. دوبينياه 214-215) وبعد هذه الصلاة يجيء نص الحرمان الذي يحتوي على الرد على 41 احتجاجا من احتجاجات لوثر التي حكمت الكنيسة بهرطقتها.
1- ان يعلن خطأ تعليمه في غضون شهرين من استلام هذا الحرمان.
2- ان يمتنع عن الوعظ والتعليم والكتابة والنشر.
3- ان يحرق كتبه التي كتبها.
هذا الحرم صدر ضد مارتن لوثر ينطبق أيضا على كل الذين يتعاونون معه أو يدافعون عنه كما حث القرار كل الكاثوليك، ليس فقط على رفض تعاليمه بل، على عدم التعامل مع كل من يعتنق مذهبه[3] وقد انتشر هذا الخبر في ألمانيا انتشار البرق في سرعته. وخاصة ان الذين تولوا نشره أمثال آك كانوا مغرضين.
ماذا يعمل لوثر إذا؟
لقد سبق وان شرحنا ان لوثر كان يحاول حتى ذلك الوقت ان يوصل انجيل الخلاص للكنيسة. كان يحاول ان يبشر في الكنيسة وان يصلحها. ولم يحاول قط ان يهاجم لأنه كان يكن لها حبا عميقا. أما الآن فقد تغير فكره، إذ انه وجد ان الكنيسة لا ترفض الإصلاح فقط، بل انها تريد قتله والوقوف ضده حتى لا يقوم بالتبشير، وفي نفس الوقت فقد سمع بأخبار اجتماع آك مع البابا في روما، ثم سمع أيضا بأخبار الحرمان.
ماذا يعمل لوثر؟
امام هذه المشاكل والاضطرابات.





هوامش الفصل الثاني عشر



[1] W. Br, 1, 121. P. 270, 1. 12, Strohl, 283.
للتوسع في دراسة وبحث هذا الموضوع يجب الرجوع إلى هذه الشواهد.
Yoes congar, Martin Luther- SA Foi; Sa Ke’forme, etudes Le theobogie historiques Les editions du CERF P. 56-58.
[2] Hourticq Notes 17.
أ. موريسون ص70، 71- دوبينياه 214-215.
[3] Daniel Olivier P. 130-140.






الفصل الثالث عشر
كتابات لوثر العظمى
للأعلى
كانت هذه الفترة بالنسبة للوثر فترت تعب و إرهاق وانتاج عظيم، فبالرغم من هذه الاضطرابات والتهديدات لم يكف لوثر عن التدريس والزيارات والكتابة والتأليف. فقد قام في ذلك العام بكتابة ثلاثة كتيبات تدعى "كتابات المصلح العظمى". وعظمة هذه الكتيبات ليست في كبر حجمها بل في معناها والرسالة التي احتوت عيها هذه الكتيبات. لقد كتبت ونشرت في ظروف دينية وسياسية واجتماعية معينة. والمنشور الأول من هذه المنشورات عنوانه:

الكتيب الاول: إلى الأمة المسيحية الألمانية النبيلة
لقد خرج هذا الكتيب من المطبعة في شهر أغسطس (آب) 1520 أي بعد انتهاء الحوار اللاهوتي الذي استمر اكثر من أسبوعين في ليبيزج بين لوثر ومنافسيه.
وبعد انتخاب الإمبراطور الجديد شارل الخامس (Greiner72) .
محتويات هذا الكتيب:
يقول لوثر قي مقدمته: (مضى وقت الصمت وجاء وقت الكلام)[1] وكان يريد بهذه الجملة ان يلفت نظر اصدقاءه ومنافسيه إلى ان وقت الصمت والطاعة العمياء والخضوع الذي لا فائدة منه، قد مضى وجاء الوقت الذي يجب ان يتكلم فيه فلا فائدة من الصمت (ارميا 17:20-9) ولقد كتب لوثر هذا المكتوب باللغة الالمانية لغة الشعب وتخاطفه القراء حال ظهوره. لدرجة ا نال 4000 نسخة التي ظهرت منه اختقت خلال الستة ايام الاولى من ظهورها[2].
وقد دعا لوثر في هذا الكتيب الامة الالمانية كلها، وعلى راسها الامبراطور الجديد والملوك والامراء الى القيام بواجباتهم ليس اتجاه المدينة التي انتخبوا لها فحسب بل ايضا للقيام بواجباتهم الروحية التي تتطلب اصلاحا جذريا عجز المسئولون (الاكليريوس) عن القيام له. ويستعمل لوثر في هذا الكتاب لهجة وطنية مناشدا الشعب ان ينفض عن كاهله التدخل الاجنبي غي شئون الامة الامانية، وان يحمل بنفسة المسئولية فس قيادة الامة والكنيسة. وقال ان الرومانس قد وضعوا ثلاثة حواجز لكي يحتفظوا بالسلطان في المانسا وهي:
1. الحاجز الاول الضي تفرضه الكنيسة الرومانية هو ان السلطان الروحي فوق السلطان الزمني فلقد طالبنه كنيسة روما بخضوع الاباطرة والملوك والامراء للسلطة الروحية العليا الا وهي سلطان البابا وسلطة الكنيسة ويرفض لوثر هذا المفهوم ويقول انه لا يوجد امام الله اكليريوس علمانيون فان مجيء المسيح غير اوضاع كاهن العهد القديم لأن المسيح هة كاهن العهد الجديد: وهو الكاهن والذبيحة في نفس الوقت كما انه دعى ايضا جميع المؤمنين الذين يقبلونه بالايمان ان يكونوا كهنة مثله فليس الكاهن المرنسم وحده الكاهن الحقيقي بل ان الكاهن الحقيقي هو الذي يقبل المسيح يسوع مخلصا وفاديا[3] وهذا ما يدعى بكهنوت جميع المؤمنين ولقد افتبس عدة فصول كتالية لكي يثبت فكرته هذه (رؤ 6:1، 10:5، 6:20، 1بط 9:2) فهو يقول ان عبارة كاهن تساوي تماما في المفهوم الكتابي مؤمن أو معمد أو مجدد (رو 1:12، عب 5:13، 1بط 5:1، 9)[4]. فلا يوجد اذن فرق بين الاكليريوس والشعب [5] ولا توجد طبقة اكليروسية حاكمة مسيطرة وطبقة علمانية مسيطرة عليها. كلنا ملوك وكهنة الله أبينا. لنا نفس الامتيازات وعلينا نفس الواجبات. وعلى كل مؤمن ان يقوم بالعمل الموكل اليه فالخادم يعمل كخادم والمدبر يعمل كمدبر والحاكم كحاكم... الخ... هذا هو الحاجز الاول الذي فرضته الكنيسة على الشعول وحاول لوثر هدمه[6].
2. الحاجز الثاني الذي حاول هدمه هو حق الاحتفاظ بتفسير الكتاب للاكليروس فقط: غفد نادت الكنيسة بان رجال الالكيروسفقط هم الذين لهم حق تفسير الكتاب المقدس. اما لوثر فقد نادى بان تفسير الكتاب المقدس لا يجب ان يكون حكرا على الاكليروس فقط، بل للجميع، لأن روح الله هو الذي يعمل في القارئ كاهنا كان أو علمانيا عالما أو عاميا لكي يفهم المكتوب. فان الله الذي جعل حمارا يتكلم لكي يوبخ نبيه الا يمكنه ان يتكلم على فم انسان تقي لكي يوبخ البابا. فان لوثر يدعوا الجميع إلى فتح الكتاب ليس فقط لقراءته بل لتفسيره ايضا.
3. اما الحاجز الثالث الذي حاول هدمه فهو الادعاؤ بان البابا وحده له الحق في دعوة المجمع فيقول ان الذي دعى لإنعقاد اول مجمع في التاريخ هم الرسل كلهم وليس بطرس وحده كما ان البابا لم يكن هو الذي دعى لعقد مجمع نيقية أو صدق على قراراته.
لكن يعد عملية الهدم التي قام بها لوثر في كتاباته فانه لا يترك الانقاض، بل يحاول ان يبني مجتمعا جديدا. فهو يدعوه لاصلاح الادارة العامة قي روما. وينادي ايضا باصلاح التعليم وتنظيم المساعدات الاجتماعية والعمل على تنظيم الكنيسة بطريقة أخرى.

الكتيب الثاني: الاسر البابلي للكنيسة:
كان الكتيب الول موجها إلى الامة الالمانية كلها وكتبه بلغت الشعب اما هذا الكتيب فانه يوجهه إلى جماعة العلماء في الغلوم الدينية اي اللاهوتيين والى المثقفين ولذلك فقد كتبه باللغة اللاتينية. ولثد ظهر في 6 اكتوبر (تشرين الاول) 1520 [7] . يقول فيه لوثر ان سلطان البابا مؤسس على مفهوم خاطئ لعقيدة الفرائض* زلم يقبل لوثر من الفرائض السبع** التي عملت بها الكنيسة الا اثنتين:
وهما فريضة الافخارستيا أو عشاء الرباني، وفرسضة المعمودية. كما انه سمح بقبول فريضة التوبة كفريضة مهمة.
وقد نعرض لوثر في هذا الكتيب لمسالة العشاء الرباني. وكان المصلح الالماني الذي عاش في القرن السادس عشر متمسكا بحضور المسيح فعليا وحقيقيا في الخبز والخمر، بدرجة تفوق عقيدة كثيرين من الكاثوليك في الوقت الحاضر. اذ انه علم بطريقة واضحة وصريحة ان الخبز والخمر يحملان فيهما حقيقة وغعلا وليس بطريقة رمزية أو استعارية جسد ودم يسوع المسيح.
فعندما نطق السد قائلا: هذا هو جسدي، وهذا هو دمي فان جسد الرب ودمه حلا فعلا في الخبز والخمر، وان المؤمن عندما يأكل الخبز وبشرب الخمر انما يأكل ويشرب جسد الرب يسوع ودمه. على ان لوثر رفض كليا وجزئيا عقيدة التحول (La Trr Hssvbstahtiation ) اذ قال عنها انها فكرة غير كتابية الا انه يميل لاستعمال بعض الاصطلاحات الاخرى مثل: Impanation أو Conssubstahitiation بمعنى الحضور المزدوج أو وجود شيئين في وقت واحد فكان لوثر يعتقد بحلول المسيح في الخبز والخمر، وهذا الحلول هو حلول ازدواجي وليس بدلي: بمعنى ان جسد المسيح لا يحل محل الخبز والخمر بعد ان يختفي هذان العنصران عندما ينطق الكاهن بالكلام الجوهري، بل هو حلول ازدواجي بمعنى ان الخبز والخمر يظلان كما هما بدون تعير أو تحول والمسيح يحل فيهما. فهذه العملية تشبه عملية التجسد فان اللاهوت لم يلاشي الناسوت عندما حل فيه لكن حل كل ملء اللاهوت في الناسون واحتفظ كل منهما بطبيعته[8] وبنفس الطريقة فان الخبز يظل خبزا والخمر يظل خمرا ويحل فيهما المسيح الذي نتناوله بالايمان عند ممارسة فريضة العشاء الرباني.
ان ما كان سخشاه لوثر في مشكلة العشاء الرباني هو المفهوم الشعبي له وابعاد الناحية السحرية فيه. ففي كلامه عن المعمودية أو عن العشاء الرباني حاول ان يبرز بطريقة واضحة وصريحة بان فاعلية هاتين الفريضتين لا تنتج من ممارسة هذه الفرائض في حد ذاتها: اي ان قريضة الافخارستيا لا تحمل في حد ذاتها النعمة أو الخلاص لكن فاعلية هذه الفرائض متوقفة على موقف الشخص نفسه الذي يشترك في الافخارستيا. أو غب العماد (اذا كان بالغا). فان الفرائض لا تمنح الخلاص ولا حتى هي ضرورية له بل ان هذه الفرائض تمارس كدليل على ان الانسان الذي يمارسها ينبغي ان يكون قد حصل على الخلاص.
فاننا لا نشترك في العشاء الرباني لأنه يمنحنا الخلاص ويعطي لنا الحياة الابدية بل اننا نشترك في العشاء الرباني اذ ان يسوع المسيح هو نفسه الذي يستطيع بروحه القدوس ان يعمل في الانسان وان يقوده إلى الخلاص، لا الفرائض والفاعلية في مفهوم لوثر لا تتوقف على من يمارسها بل على من يقبلها. ومما لا شك فيه ان فاعليتها تتوقف على روح الله في الانسان، ثم على الشخص الذي يشترك بالايمان في الفريضة ويرفض لوثر الطريقة المتبعة حتى الان في الكنائس الكاثوليكية وهي تقدم الخبز فقط للشعب وحرمانه من الكأس * ويطالب بان الشعب يجب ان يشترك في الكأس ايضا: لأن المسيح حاضر حقيقة وفعلا في الخبز المكسور وهذا الخمر كما هو انه حاضر في كلمته التي ننطق بها. وهذا الامر في غاية الاهمية.

الكتيب الثالث: الحرية المسيحية:
ذكرنا ان ميليتيز (Militiz) أراد مصالحة البابا مع لوثر ولكنه لم يفلح، ولقد تألم جدا لتطور الامور بينهما. على انه لم ييأس قط ولذلك نراه يحاول مرة أخيرة لإجراء المصالحة بين الاثنين فاقترح على لوثر ان يرسل خطابا للبابا وبه نبذة صغيرة يشرح فيها ايمانه وعقيدته، ثم خلاصه وولاءه وانتهز المصلح هذه الفرصة وكتب فعلا هذا الكتيب الذي يدعى الحرية المسيحية، وقد كتبه وارسله إلى البابا مع خطاب شخصي وهكذا نرى لوثر يمد يده مرة ثانية للبابا للمصالحة ولكن للاسف الشديد كان الوقت متأخر اذ ان خبر قرار الحرمان كان قد انتشر في المانيا وخارجها.
ولقد ظهر هذا الكتيب باللغة الألمانية واللاتينية وبشرح فيه لوثر مبدأين متناقضين هما:
1. المسيحي انسان حر وسيد لكل الاشياء.
2. المسيحي خادم مطيع للجميع.
ولثد حاول لوثر ان بشرح ان الانسان الذي حرره المسيح يسوع من كل حطية وأثامه أصبح حرا من الخطية وأصبح حرا ايضا من القلق والاضطرابات ومن الموت ومن الجحيم. والايمان بالمسيح بحرر الانسان بل يجعله ملكا.
وهذا الانسان الذي حررته نعمة الله أصبح انسانا جديدا وخليقة جديدة. وهذه الخليقة الجديدة تثمر اثمارا صالحة. ان لوثر لا يرفض الاعمال الصالحة، بل العكس انه يشدد عليها. وعلى ضرورتها في الحياة العملية اليومية لكنه يرفضها غندما يلتجئ اليها الانسان لكي يخلص بها، غهو يقول: (اننا لا نرفض الاعمال الصالحة ولكننا نرفض فكرة ان الانسان في استطاعته ان يخلص باعماله الصالحة) (Greiner 88) فليست الاعمال الشريرة هي التي تجعل من الانسان انسانا شريرا أو رديئا بل ان الانسان الشرير أو الرديء هو الذي يصنع الاشياء الرديئة وهذا يمكن تطبيقه ايضا في موضوع البر والخلاص فليست الاعمال الصالحة هي التي تخلق من الانسان انسانا صالحا وقديسا، بل ان القديس هو الذي يعمل اعمالا صالحة وهذا يعني ان الانسان الذي لمسته نعمة الله وتجدد وتبرر بالايمان مجانا يصبح انسانا جديدا عاملا وليس خادما.

لوثر يحرق قرار الحرمان
قابل بعض الكاثوليك، امثال آك واتباعه، منشور البابا الذي هدد فيه لوثر واتباعه بالحرمان بفرح عظيم. بل دفعت بهم الحماسة في بعض المدن والقرى إلى جمع كتابات لوثر التي كانت قد انتشرت بسرعة عجيبة في طول البلاد وعرضها والقائها في النار. بل ان بعضهم كان يهدد باكثر من ذلك، وعندئذ بدأ الخوف يدب في بعض الضعفاء. اما لوثر فكان ثابت العزم قوي الارادة راسخا كالصخر امام هذه الامواج المتلاطمة.
وغي يوم 10 ديسمبر (كانون الأول) 1520 دعت هسئة التدريس في فيتمبرج الاساتذة والاصدقاء وكل الذين يهمهم الامر إلى حضور اجتماع هام عام.[9] ثم كلف بعض الطلبة باعداد حجرة كبيرة من النار. وخرجوا جميعا إلى مكان خارج مدينة فيتمبرج كانت تحرق فيه عادة ملابس المرضى الذين اصيبوا بمرض الطاعون. وعندما وصلوا إلى المكان تقدم لوثر امام النيران المشتعلة والقى فيها اولا كتب القانون الكنسي صم المنشور الذي يحتوي على تهديدات البابا له بالحرمان وقال: (بما انك احزنت الروح القدس (يقصد يسوع المسيح) لتلتهمك النيران) (دومينياه 232-237).
وبهذا اعلن لوثر خروجه واستقلاله عن الكنيسة الكاثوليكية التي لم تقبل الإصلاح الداخلي الذي حاول المصلح القيام به. وردا على هذا الفعل اصدر البابا ليون العاشر في يوم 3 يناير (كانون الثاني) 1521 حرمانا ضد لوثرواتباعه وبذلك قصد ان يعلن ان لوثر اعتبر هرطوقا ومرفوضا من الكنيسة.




هوامش الفصل الثالث عشر




[1] E. Singmaster, P. 63-65.
[2] G. Casalis P. 67, Daniel O. P. 145.
[3] WAB, 415, 8, 422.
[4] WA6, 369, 8, 420, 12, 158, 306.
[5] Uilmos Vajta, Luther on Worship. 152.
[6] Greiner 73-76, G. Casalis P. 67.
· لقد ترجم الكثيرون كلمة Sacrements باسرار وربما يعتبر هذا خطأ ويستحسن ان نستعمل لهذه الكلمات اما اصطلاح فرائص أو طقس والافضل في نظرنا فريضة.
** 1- فريضة الاغخارستيا 2- العماد 3- التوبة 4- التثبيت 5- الكهنوت 6- الزواج 7- المسحة الاخيرة.
[7] ميرون دوبينياه 218، D. Olivier 146,

ان استعمال الاصطلاح "استحالة" الذي تعود المغسرون في بلادنا العربية على استعماله يبدو لنا خطأ لغوي: فان كلمة استحالة لغويا تعبلا عن عدم امكانية حدوث الشيء أو استحالته. على سبيل المثال نقول بان هذا الامر مستحيل تنفيذه. ولذلك نفضل استعمال كلمة التحول أو التغير الكلي لكي نعبر بع عن غكرة ان الخبز والخمر تحولا إلى جسد ودم الرب يسوع.
[8] WA 30, 1, 232, 388.
[9] WA6. 511.
* كانت الكنائس الكاثوليكية تعطي الكأس والخبز معا للعلمانيين، ولكن المجمع الذي عقد في كنستانس Constance سنة 1415 قرر بان لا يعطى للعلمانيين الاالخبز فقط (Strohl. 206 sa, Vie).
** كتب لوثر كميات ضخمة جدا من التفاسير لا يمكننا ان نتعرض لها هنا لكثرتها وتشعبها. (ان ما ترجم إلى الفرنسية والانجليزية فقط، من اعماله ينيف على مئة مجلد ورسالة).










.الفصل الرابع عشر
فورمس (بوتقة التجربة)
للأعلى
مات الإمبراطور ماكسيمليان في 15 يناير (كانون الثاني) 1519 وانتخب الدايت (مجلس الأمة) في 28 يوليو 1519 حفيده شارل الأول ملك أسبانيا إمبراطورا للامة الألمانية شارل الخامس وهو لا يتجاوز بعد العشرين من عمره[1]. وقد شعر شارل بثقل المسؤولية على كتفيه، فهو صغير السن قليل الخبرة وأمامه إمبراطورية ضخمة تعاني من مشاكل سياسية ودينية وطبقية وثقافية... الخ ومن المشاكل التي كانت تتعرض لها المانيا في ذلك الوقت مشاكل الإصلاح مثل مشكلة الراهب الاغسطيني مارتن لوثر: وامام هذا الراهب انقسمت الأمة. فالكنيسة الكاثوليكية وعلى رأسها البابا والأساقفة وبعض المنتخبين يعلنون هرطوقته ويطالبون محاكمته في روما، واما المنتخب فريدرك ملك ساكسونيا فيقف بجانبه ويطالب بان يحاكم لوثر محاكمة قانونية في محكمة ألمانية. بل كما ان البعض أمثال هيتين (Hutten) حاول استغلال ظهور لوثر لكي يشعلوا نار الثورة (Greiner 72). ماذا يعمل الإمبراطور الصغير امام كل هذه المشاكل؟!!! وقد كان فريدرك ملك ساكسونيا رجلا حكيما نزيها ويتمتع بالدايت بسمعة طيبة وبسلطان لا يتنافس. وقد وقف هذا الرجل بكل ثقله السياسي والديني والأدبي والمالي في جانب لوثر.
وكان الملك فريدرك يخاف كل الخوف ان يسلم لوثر إلى السلطات الرومانية ليحاكم في روما ولذلك عرض على الإمبراطور مشروع محاكمته في ألمانيا. ولابد ان الأمير الذي حنكته السنوات وصاغته وصقلته التجارب السياسية والكثيرة ساق البراهين الكافية حتى يقبل الإمبراطور ان يحاكم لوثر امام مجلس الأمة. ويحتمل ان يكون الملك فريدرك قد اقنع الإمبراطور الشاب بان محاكمة لوثر الألماني في محكمة المانية امام الدايت في حضور سياسية عظيمة يستطيع ان يبرهن بها على استقلاله عن سلطة روما وسيطرتها وخاصة ان الظروف السياسية كانت تمر بها البلاد كانت تحتاج إلى حكمة سياسية حتى يشعر المواطنون بضرورة التخلص من السلطة الرومانية ومنعها من التدخل في الشؤون الألمانية الداخلية. زد على ذلك ان شارل كان يعتقد بان البابا وفرنسوا الأول يدبران مؤامرة ضده في ايطاليا.
وبهذا استطاع الملك فريدرك ان يحصل على وعد من الإمبراطور في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 1520 بان يحاكم لوثر في ألمانيا[2] وعلى رأسهم جيروم اليندر ثم يوحنا آك (Jean Eck Jerome Aleandreer) بتنظيم حركة مقاومة مناهضة للإصلاح فقد كلف مع آخرين بنشر المنشور الذي يهدد حرمان لوثر[3] كما ان اليندر استطاع هو أيضا ان يحصل من الإمبراطور على الإذن بحرق كتب لوثر وقام فعلا بحرق بعضها[4] في بعض المدن.
كانت هذه الأفعال التي قام بها الطرفان: من الجانب الكاثوليكي ومن جانب الإصلاح من العوامل التي ساعدت على تأزم الموقف. فعندما امر البابا بتهديد لوثر بالحرمان استغل بعض الأساقفة هذا الامر أسوأ استغلال وقاموا بحرق كتب لوثر في بعض المدن كما ان لوثر من جانبه قام بحرق منشور البابا الذي كان يهدده بالحرمان. وهذا الصراع وضع ألمانيا في موقف خطير... موقف انقسام وحرب وخراب ودمار. وكان كل من الطرفين يحاول ان يسيطر على الموقف. فكما حصل ملك ساكسونيا على وعد من الإمبراطور بمحاكمة لوثر امام الدايت فان اليندر ممثل البابا حاول هو ايضا إلغاء هذا الوعد وقام اليندر في 17 ديسمبر (كانون الثاني) 1520 بكتابة تقرير إلى البابا عن الحالة في ألمانيا وينصحه فيه بان يكتب إلى الإمبراطور متعهدا ان يكون على استعداد لتأييد وتدعيم سياسة الإمبراطور في ايطاليا على شرط ان ينهي المعارك الدينية في ألمانيا. وكان البابا يعرف ان الدايت (مجلس الأمة) سوف يعقد جلساته في شهر يناير (كانون الثاني) 1521 ولذلك فقد اصدر قرار حرمان لوثر بتاريخ 3 يناير 1521 حتى يصبح نافذ المفعول عند موافقة الإمبراطور على هذه الاتفاقية. وكما ان الملك فريدرك حصل على موافقة الإمبراطور ان يحاكم لوثر امام الدايت فان القاصد الرسولي البندر قام هو ايضا بنشاط مكثف وسريع. فقد أوحى إلى الإمبراطور الشاب بان ألمانيا تحتاج إلى القوة والحزم في اتخاذ القرارات وان الإمبراطور يجب ان يتصف بهذه الصفات ويجب ان تقوم في بداية حكمك بما يلفت الأنظار. وان العمل الذي يستطيع به جذب انتباه شعبه هو إرسال لوثر إلى روما ومحاكمته هناك[5] ولقد طلب ان يسمح له بالتحدث في مجلس الامة لكي يشرح موقف روما في هذه القضية قبل مجلس الامة ان يتكلم الممثل الرسولي للبابا في يوم قي يوم 13 فبراير (شباط) 1512. وكانت مهمة اليندر صعبة ومعقدة وحساسة إذ كان يجب عليه ان يبذل كل جهده في إقناع مجلس الامة، ليس فقط بتسليم لوثر لكي يحاكم في روما، بل ان يثبت سلطان البابا الذي بدا يهتز ويتزعزع في المانيا. ولقد خطب القاصد الرسولي في المجلس لمدة ثلاث ساعات[6] مبيننا للمجلس انه ليس من حق مجلس امة زمني التدخل في شئون الكنيسة الروحية، فليس من حقه ولا من اختصاصه ان يتدخل في الحكم على هرطوقي، اذ انه غير مؤهل علميا للقيام بهذا العمل. وبعد ان قدم قائمة طويلة ليصف بها الهرطقات العديدة التي نادى بها لوثر. قدم قائمة أخرى ليصف بها الأعمال الثورية التي تبينها اتجاهات هذا الراهب وتبين مدى خطورة لا من الناحية الدينية فقط بل من الناحية السياسية ايضا وقال انه يريد قلب الأوضاع القائمة.اذ انه لا يقبل، سلطان البابا أو سلطان المجامع انه يوحنا هس الجديد.
وطلب من مجلس الامة الا يضيع وقته الثمين في مناقشة هذا الامر الذي سبق قداسة الآب ليون العاشر وأصدر حكمه فيه. بحرق كتب هذا الهرطوقي وحرمان كل من يتبع مذهبه.
بعد هذا الخطاب الطويل البليغ انقسم أعضاء المجلس فقد رأى البعض ان لوثر يجب ان يحاكم امام مجلس الامة والبعض الاخر رأى انه يرسل إلى روما. وبعد ستة أيام من تاريخ هذا الخطاب قرر المجلس ان يحضر لوثر إلى فورمس لكي يحاكم امام مجلس الامة (الدايت). وطلب الامبراطور من الأمير فريدرك ان يرسل دعوة للوثر، اذ انه واحد من رعاياه. على ان الملك التمس من الإمبراطور ان يقدم هو نفسه الدعوة بصفته إمبراطور الإمبراطورية مع إرسال ضمان الأمان في الذهاب والعودة.
وفي 6 مارس آذار أرسل الإمبراطور بنفسه إلى لوثر دعوة لحضور مجلس فورمس معنونة هكذا: (أيها المحبوب المكرم التقى الدكتور مارتن لوثر...) ولقد حدد له في هذه الدعوة 21 يوما للحضور وقبل ان تصل الدعوة إلى لوثر في فيتمبرج في 26 مارس (آذار) سارع صديقه سبالاتين سكرتير ملك سكسونيا فأخبره بالأمر.
لقد سيطر الخوف والقلق والانزعاج على معظم الاخوة في فيتمبرج. ولما علم أصدقاء لوثر في كل مكان بخبر ذهابه للمحاكمة تذكر الجميع قصة يوحنا هس وذهابه للمحاكمة في تنستانس وكيف انه حكم عليه بالموت حرقا، وتم حرقه فعلا بالرغم من ضمان الأمان الذي سلمه له الإمبراطور سيجيسموند(Sigismonad).
كان لوثر وأصدقاءه يدركون الخطر كل الإدراك لذلك حاول أصدقاؤه بكل الوسائل ان يمنعوه عن الذهاب إلى فورمس فقال لهم بصوت يملؤه الإيمان العميق: (سأذهب إلى فورمس ولن أتراجع حتى لو أصبح عدد الشياطين هناك اكثر من عدد قطع القرميد فوق سطح المنازل). وبدأ يعزي أصدقاءه بالقول: (انهم استطاعوا قتل يوحنا هس ولكنهم لم يستطيعوا قتل الحقيقة ولكن الامر الذي يحتمل حدوثه هو استعمال القوة والعنف ضدي لأنهم لم يستدعوني إلى فورمس ليتعلموا. على أي حال فاني قد وضعت نفسي بين يدي الله (Greinp-H 101) وفي يوم الأحد الموافق 31 مارس (آذار) قام بخدمة عيد القيامة في كنيسة فيتمبرج وكان موضوع حديثه (النعمة والحرية المسيحية) ثم ودع أعضاء كنيسته المحبوبة. وفي 2 ابريل (نيسان) قدمت له مدينة فيتمبرج عربة لكي يذهب بها إلى فورمس وقبيل رحيله التفت إلى الشاب النشيط العالم وقال له (ميلانكثون أيها الأخ العزيز إذا أصابني ما يريده الأعداء فواظب أنت على التعليم واثبت على الحق) (دوبينياه 231).
حاول ملانكثون الذهاب معه الا انه رفض بشدة ولكن ثلاثة من الإخوة أصروا على الذهاب معه وهم يوحنا وبيتزستايز (Jean Petzensteiner) وهو راهب اغسطيني وصديقه وزميله أمسدورف (Amsdorf) وشاب من النبلاء وهو الطالب بيتر سوابفن (Pierre Swaven) وكانت عربة مندوب الإمبراطور ويدعى كاسبارد ستورن (Casparo Sturn) تتقدم عربة لوثر.
ولقد نظمت له المدن التي مر بها استقبالات مختلفة حسب قبولها أو رفضها لتعاليمه . فمدينة فيمر Weimar) ) علقت بعض الإعلانات تطالب بحرق كتب لوثر كما خرج شعبها صارخا في وجهه قائلا ليحرق مثل هس. اما مدينة أرفورت خرجت عن بكرة أبيها في موكب عظيم ضخم يتقدمه عميد الجامعة وأربعون من الفرسان لاستقباله ووعظ في كنيستها يوم الأحد الموافق 7 ابريل (نيسان) ولقد انهار الطابق العلوي من الكنيسة لكثرة الشعب ولكن لم تحدث أية أضرار للحاضرين. وقال لوثر لهم: (لا تضطربوا فان الشيطان يحاول ان يظهر نفسه) وهكذا واصل رحلته وقد توقف قليلا في ايزناخ ثم فرانكفورت حيث استقبل استقبالا رائعا. اما في مدينة نورمبورج (Nourmburg) فقد خرج كاهن واقترب من عربة المصلح وقدم له في صمت وبدون أي تعليق صورة سافونارولا (Savonarole) التي كان يعتز بها وقد علقها على حائط حجرته.
بعد هذه الحلة الطويلة التي استغرقت أكثر من أربعة عشر يوما وصل لوثر أخيرا الى مدينة فورمس وكان وقت تناول طعام الغذاء. وعندما بوق حارس برج الكاتدرائية معلنا وصول الهرطوق ترك الناس موائد الغذاء وخرجوا لكي يروا لوثر الهرطوقي الذي سمعوا عنه الكثير. ولقد جاء أعضاء البلاط الساكسوني لاستقباله وأحاط به أكثر من مئة فارس.
وكتب ليندر في هذا الوقت تقريرا الى روما لكي يصف تطور الاحوال ذكر فيه ان الأحوال تغيرت والشعب لا يتكلم الا عن لوثر وقد انتشرت كتبه في كل المكتبات بل ان صورته قد ظهرت على إحدى النبيذ وقد أحاطت به هالة من المجد. ويصرخ 90% من الناس قائلين : عاش لوثر اما الـ 10% يصرخون: الموت لروما[7]. ولا شك ان هذا التقرير فيه شيء من المبالغة، لكنه يحتوي على الكثير من الحقيقة.
وصل لوثر الى ورمس في يوم 16 ابريل (نيسان) واستقبل استقبالا عظيما وكان يقوم بحراسته بصفة مستمرة فارسان من فرسان الملك فريدرك. وعندما نزل لوثر من عربته قال: "الله معي" ولقد جاء لزيارته كثيرون مكثوا معه الى ساعة متأخرة من الليل.
وفي يوم 17 ابريل في الساعة 10 صباحا جاء رسول من قبل الإمبراطور لكي يخبره بان مجلس الامة (الدايت) سيستمع له في نفس اليوم في الساعة الرابعة بعد الظهر. وفي الميعاد جاء مندوب الإمبراطور مع الحرس لاصطحاب لوثر الى مكان الاجتماع. وكانت الشوارع قد اكتظت بالجماهير لدرجة انه لم يكن من السهل المرور فيها. ولذلك فقد اضطروا للسير في شوارع جانبية داخلية وفي بعض الحدائق الخاصة للوصول الى مكان الاجتماع. وعندما وصلوا اليه كان عليهم ان ينتظروا مع الجماهير الى ان ينتهي المجلس من مناقشة بعض المواضيع الأخرى.
ولما دقت الساعة السادسة مساء. فتحت الأبواب ودخل لوثر وفجأة وجد نفسه وجها لوجه أمام واكبر وأعظم وأقوى هيئة حاكمة متسلطة في ذلك الوقت. فقد وجد امامه الامبراطور شارل الخامس وأخاد فرديناند رئيس الأمراء وستة من الملوك المنتخبين وأربعة وعشرين دوقا... وثمانية من الشرفاء وثلاثين من رؤساء الأساقفة ورؤساء الاديرة وسبعة من السفراء: منهم سفير ملك فرنسا- وسفير إنكلترا ونواب عشر مدن حرة وعدد آخر من الأمراء والشيوخ والبارونات العظماء ومندوبي البابا. وقد بلغ عددهم أكثر من مئتين (ميرل دوبينياه 228).
امام كل هؤلاء وقف لوثر الراهب الفقير ابن الفحام طلب الملك فريدرك من مستشاره القانوني وهو جيروم شورف (Jerome Schurf) بان يكون قريبا من لوثر لمساعدته. ولقد نصح هذا المستشار لوثر بان لا يتكلم الا اذا سئل. وكان المكلف بإدارة هذه المناقشة كاتب رئيس أساقفة تريف (Treves) يوحنا آك (Jean De Eck) *.
ووقف جون آك ونظر الى مجموعة من الكتب فاقت العشرين كتابا وقد وضعت أمامه على المائدة وقال (يا مارتن لوثر هل تعترف بأنك أنت الذي ألفت هذه الكتب؟ وهل انت على استعداد ان تتراجع عن الاقوال التي خطتها يدا ام انك مصر على التمسك بها؟). وقبل ان يفتح لوثر فاه لكي يجيب على السؤال الأول طلب المستشار القانوني جيروم شورف بان تقرأ على الأقل عناوين الكتب المشار إليها. فقرئت العناوين واجاب لوثر بانه كاتب هذه الكتب التي قرئت عناوينها وكتب أخرى ايضا لم تذكر. فقال جون آك، (هل انت مستعد ان تتراجع عما كتبته في هذه الكتب؟) فاجاب لوثر بان هذا الامر في غاية الخطورة ويحتاج الى تفكير عميق وعندئذ وجه كلامه الى الامبراطور قائلا التمس من جلالتكم ان تمنحوني وقتا للتأمل والتفكير. وبعد الاستشارة منحه الامبراطور يوما للتأمل. وقال الامبراطور لمن كان على يمينه (لا يمكن ان راهبا مثل هذا يغويني للهرطقة) (Bainton).
خرج لوثر من هذا المحفل وانطلق الى فندقه وكان الليل طويلا والصراع في الصلاة عنيفا. هل نام قليلا او كثيرا في تلك الليلة لا نعلم بالضبط ولكننا نعلم انه في نفس الساعة في اليوم التالي كان يمثل امام نفس الهيئة.
وقف جون آك وسأله قائلا: ( هل أنت مستعد بان تتراجع عما في هذه الكتب التي قرئت عناوينها على مسمعك البارحة؟ فبدأ الراهب الاغسطيني يقدم أولا اعتذاره للإمبراطور وللملوك وللرؤساء لجهله بالألقاب لأنه لم يتربى في بيوت الملوك والعظماء بل في عائلة فقيرة وفي دير للرهبان، ثم قال اما فيما يختص بهذه الكتب التي الفتها فهي تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
1. النوع الأول:
كتب عالجت مواضيع خاصة بالإيمان المسيحي والأخلاقيات ولقد قبلها الكثيرون لا من أصدقائي بل حتى من الذين يختلفون معي في الرأي فكيف يمكنني ان أنكر كتبا اعترف بفائدتها العدو والصديق؟
2. النوع الثاني:
هي الكتب التي هاجمت فيها البابوية والبابويين الذين افسدوا المسيحية وان الكثيرين شهود لذلك بل ضحية لهم. فان تراجعت عن هذه الكتب فاني أشجع الظلم والطغيان. فكيف يمكنني ان أتراجع عن ذلك؟!!
3. النوع الثالث:
كتب احتوت على نقد شديد ضد الأشخاص الذين اشتركوا في أعمال الظلم والعدوان وأنا اعترف باني كنت شديدا في أسلوبي قاسيا في نقدي، فارجوا معذرتي واعتقد اني كنت أدافع عن عقيدة هامة. وعندما أدافع عن العقيدة فإنني لا أدافع عن نفسي بل عن الحق الإلهي.
وهل يمكنني ان أتراجع عن الحق الإلهي؟!!
وأنا أناشدكم أيها الإمبراطور المعظم والملوك الكرام بل أسألكم جميعا ان تبرهنوا لي من الكتب المقدسة على خطئي وأنا سأكون أول من يقوم بطرح هذه الكتب في النار وان كنت قد أخطأت فعرفوني بخطئي؟ ثم أنهى خطابه بكلمات وجهها إلى الملوك والإمبراطور على وجه الخصوص ان يحذر من ان يبدأ ملكه بسفك الدماء أو العنف، وان سفك الدماء يجلب سفك دماء أكثر وأغزر فاحترسوا من ذلك. فالعنف يولد عنفا اشد وسفك الدماء يؤدي إلى سفك دماء أخرى.
وكان لوثر يلقي خطابه باللغة الألمانية وكان التعب قد اخذ منه وظهر عليه الإرهاق والضعف عندئذ رفع واحد من الحاضرين صوته قائلا (كفى يا دكتور مادمت تشعر بالإرهاق)، لكنه بدأ من جديد يعيد خطابه باللغة الاتينية لأن الإمبراطور لم يكن يعرف الألمانية. وبعد ان أنهى المصلح خطابه التاريخي العظيم باللغة اللاتينية قال له جو آك : (أيها الأخ مارتن لقد تكلمت كثيرا، وفي كلامك قد تمسكت بهرطقات قد سبقت الكنيسة وحكمت ببطلانها. وهذه الهرطقات التي تكلمت عنها سببت مآس كثيرة للشعب الألماني وان على أي حال لا نريد النقاش فيها. ولكن كل ما نطلبه منك باسم الإمبراطور: هل أنت مستعد بان تتراجع عن تعاليمك المذكورة في هذه الكتب اننا نريد منك جوابا واضحا وصريحا وعندئذ قال مارتن لوثر( بما انكم تطلبون مني إجابة واضحة وصريحة فهذه هي إجابتي: ان لم تقنعوني، من الكتب المقدسة، لا يمكنني ان أتراجع لأن ضميري لم يعد يخضع بعد لا للبابوات الذين حكم بعضهم على بعض، ولا للمجامع التي ارتكبت أخطاء وحكموا بعضهم على بعض أيضا. فان ضميري لا يخضع الا للكتب المقدسة. ولذلك لا يمكنني ان أتراجع لأنه ما اخطر ان يتصرف الإنسان ضد ضميره. وهذا ما أومن به فليعني الرب[8] آمين.
وقف الإمبراطور مذهولا مندهشا من شجاعة لوثر وتأثير كلمات هذا الراهب ثم قال: "رفعت الجلسة..." عندئذ رفع الحاضرون أصواتهم. فكان البعض يصرخ قائلا انه شيطان يجب ان يقتل والبعض الاخر يقول انه مجرم وثائر ضد الله وضد السلطة الحاكمة، والبعض الاخر يقول انه نبي، ان الله يتكلم على فمه. اما لوثر فقال: (لم يكن من الممكن ان افعل غير ذلك فليكن الله في عوني).
وعندما خرج من القاعة التف حوله الجند واصطحبوه إلى حجرته في الفندق وجاء خادم يحمل له بعض المرطبات وقال له تفضل واشرب هذا المشروب وأنعش نفسك، فان مولاي الأمير ذاقه بنفسه ويقدمه لك، لأنه أعجب أعجابا عظيما بخطابك الرائع. فشرب لوثر وطابت نفسه وشعر انه اجتاز فعلا الامتحان في بوتقة. ولكن أين سيذهب الآن. ما هو مصيره؟.
كانت مدينة فورمس ثائرة تغلي. رسم بعض المتطرفين صورة هزلية لمثل البابا وقد علق من رجليه بعد شنقه، بل وصلت الجرأة بأحدهم حتى وضع إعلانا في حجرة الإمبراطور نفسه مكتوبا عليه: (ويل لبلد يحكمها طفل..).
وفي وسط هذه الاضطرابات والانزعاجات حاول الإمبراطور حسم الأمور بحزم وشدة. ففي يوم 19 ابريل (نيسان) أصدر منشوره الإمبراطوري مكتوبا باللغة الفرنسية وأعلن فيه بأنه حفيد الأباطرة وحفيد لملوك أسبانيا والنمسا وبورجوني* العظماء الذين شهدوا بإيمانهم وكثلكتهم في حياتهم وانه سيسير على منوالهم مقاوما ومطاردا ومحاربا كل المبتدعين.
بالرغم من شدة لهجة هذا المنشور فقد تمسك الإمبراطور بوعده ولم يسحب من لوثر صك الأمان وسمح له بالرجوع إلى فيتمبرج.
رجع بعض الملوك والأمراء إلى بلادهم وخاصة الذين كانوا يؤيدون لوثر. وانتهز اليندر هذه الفرصة وقدم إلى الإمبراطور مرسوما ليوقعه يتكلم فيه بلسان الإمبراطور قائلا: (تمسكا بوعدنا الإمبراطوري، فقد اعطينا لوثر الهرطوقي الأمان للعودة إلى فيتمبرج، ولكن بعد انتهاء مدة هذا الصك نأمر بان يقبض عليه ويسلم إلى السلطات المختصة لكي يحاكم، لأنه شيطان في صورة إنسان. وسنعطي مكافأة لمن يقوم بهذا العمل المقدس العظيم. كما يجب كعاملة إتباعه أيضا بنفس الطريقة. اما أموالهم فهي حلال لكم وغذوا النار بكتب لوثر لأنها ممنوعة من الطبع والنشر والقراءة..).
قدم اليندر هذا المرسوم إلى الإمبراطور في كاتدرائية فورمس بعد القداس، ووقع عليه يوم 25 مايو (أيار) سنة 1521 ثم جعل تاريخه مايو[9] كما لو كان الإمبراطور قد وقع على هذا المرسوم قبل ان يغادر معظم الأمراء المدينة.
اما لوثر فقد غادر مدينة فورمس في 26 ابريل (نيسان) عائدا إلى فيتمبرج، ولكنه لم يصل إليها. ففي الطريق. وبالتحديد بالقرب من التنستاين (Altenstein) في منطقة تورنج (Thuringe) هجمت عليه ومن معه جماعة مكونة من خمسة فرسان، وقبضوا عليه ووضعوه على فرس واختفوا به في الغابات الكثيفة الضخمة. وعندما رجع بتزنستانير وامسدورن ويعقوب اخو لوثر وسائق العربة انتشر خبر اختفاء لوثر بسرعة البرق. وبكاه كثيرون بكاء مرا.
ففي يوم 17 مايو (أيار) كتب الرسام البرت دورر (A. Durer) في مذكراته اليومية قائلا: هل هو حي بعد؟ هل اغتالوه؟ اننا نجهل مصيره تماما. فان كان قد اغتيل فانه قاسى الموت لأجل الحق المسيحي.. أيها الإله العظيم اعطنا من جديد إنسانا شبيها بهذا الإنسان الممتلئ بروحك، لكي يجمع البقية الباقية من الكنيسة ويعلمنا ان نحيا كمسيحيين..)[10]ولقد أذاع البعض بان جثة لوثر وجدت في منجم للفضة. كما انتشرت قصص أخرى كثيرة... وحقيقية الامر يعرفها جيدا الملك فريدرك وكاتم سره سبالاتين، فان الملك قد دبر امر اختطاف لوثر وإخفائه لأنه كان يعلم بالخطر الذي كان يهدد حياته. واعتقد البعض بان الملك قد دبر امر اختطاف لوثر وإخفائه لأنه كان يعلم بالخطر الذي كان يهدد حياته. واعتقد البعض بان الملك قد دبر هذا الامر ووافق عليه الإمبراطور شارل الخامس[11].









هوامش الفصل الرابع عشر


[1]
[2] Daniel Olivier P. 158-165; Greiner P. 98. Strohl 1N144 Sa Vie.
[3] R Bainton P. 120-129.
[4] Daniel Olivier P. 156.
[5] Strohl143
كل الوثائق التاريخية الهامة الخاصة بموضوع فورمس والمحاكمة موجود في المجلد السابع لدار نشر فيمر. Vol. De L’edi. Weimer 70.
[6] Daniel Olivier 160-165, Strohl Sa Vie 145.
[7]Strohl sa vie 150, Greiner 38, Bainton 130.
· ليس هو يوحنا آك الذي قام بالحوار ضد لوثر في مدينة ليبيزج (ميرل دوبينياه 278(Bainton
· بعض المؤرخين يعتقد بان لوثر قال: (وهذا ما أومن به فليعني الرب، وها انا أقف) على ان البعض الاخر يعتقد بان هذه الجملة الأخيرة أضيفت فيما بعد. (أضافها التقليد الإنجيلي).

[8] Greiner 106-108, D. Olivier 174-183, Bainton 137-145, Kostline 91-106, Singmaster 78-82, D. Houeticq 55-62, Strohl Sa Vie 143-166.
د. عزت زكي 53-65 ميرل دوبينياه 247-285، دكتور القس لبيب مشرقي، حديث مع مارتن لوثر، ص102-118.
* بورجوني (Bourgoghe) مقاطعة من مقاطعات فرنسا.
[9] دوبينياه 295-299، Strohl 158
[10] Singmaster 82-83, D. Olivier 193-200.
* هذا ما يعتقده جورج كازليس
[11] G. Casalis 73.





الفصل الخامس عشر
عودة المصلح إلى فيتمبرج
للأعلى
بعد ان قطع الفرسان مسافة طويلة في وسط الغابات المظلمة الكثيفة، وبعد ان أرخى الليل سدوله وصل الفرسان الخمسة مع الراهب الاغسطيني المخطوف إلى قلعة حصينة شامخة وكأنها برج قد بنى لمراقبة كل ما يحدث في قلب الغابة المظلمة الواسعة المترامية الأطراف.
وقبل ان يقرعوا الباب، فتحت أبواب هذه القلعة ودخل الفرسان والراهب. فقادوه إلى شقة صغيرة تحتوي على حجرتين. وهناك قال له واحد من الفرسان، مرحبا بك أيها الفرس جورج في هذه القلعة، فمن الآن اسمك جورج ومن الآن أيضا ممنوع الخروج من هذا المكان الا بعد ان تطول لحيتك وينبت شعر رأسك المحلوق مستديرا ثم أعطى له ملابس فارس وسلسلة ذهبية التي كان يلبسها الفرسان في ذلك العصر. وخلع الراهب ثياب الرهبان ولبس ملابس الفرسان، وتركوه وحيدا منفردا.
وعندما استيقظ لوثر في الصباح، وألقى نظره من نافذة حجرته على الغابة الممتدة حول هذه القلعة المرتفعة، تذكر أيام صباه تذكر اضطراباته وقلقه، وكم من المرات قد عبر هذه الغابة، إذ انها لا تبعد كثيرا عن ايزناخ (Eisenach) حيث كان يسكن بعض أقاربه نعم لقد قطع أميالا كثيرة على قدميه في هذه الغابة.
كتب لوثر حالا إلى كثيرين من أصدقاءه وأحبائه حتى يعرفهم بحقيقة الامر. اما الذين كانوا يقومون بخدمة الفارس جورج فكانوا يهتمون به كل الاهتمام ويبادرون لخدمته والعناية به، فزاد وزنه بل انه تعرض مرات عديدة للمرض لأنه لم يكن معتادا على هذه الراحة وكثرة الطعام.
على ان هذا لم يكن كل ما كان يقوم به الفارس جورج في هذه الفترة. فمع انه ابعد عن الوعظ والتعليم، غير انه لم يكف قط عن الوعظ والتعليم مع انه كان وحده وفي شقته الصغيرة. فلقد شعر لوثر بأنه مدعو لا لهدم الأباطيل والخرافات فقط. بل كان عليه ان يعلم التعليم الكتابي الصحيح البناء. ولذلك فقد ألفَ في هذه الخلوة مجموعة من العظات تغطي أيام أحاد وأعياد ومواسم السنة كلها. لكي يستخدمها الرعاة الذين يرغبون في تقديم الإنجيل بطريقة جديدة وسهلة لإعلان كلمة الله. ولقد استعمل كثيرون من الخدام الإنجيليين هذه العظات كنماذج لعظاتهم في القرن السادس عشر. لا بل ان المصلح بوسر(Bucer) ترجم هذه العظات إلى اللغة اللاتينية لمساعدة الإنجيليين في فرنسا.
بعد ان أنهى هذا العمل بدأ في عمل جديد آخر شعر بان الكنيسة كانت في حاجة إليه أيضا وهو ترجمة الكتاب إلى اللغة التي يتكلمها الشعب- أي اللغة الألمانية. نعم لم يكن لوثر هو أول من قام بترجمة العهد الجديد إلى لغة الشعب، فعندما شرع لوثر في هذه الترجمة كان هناك أربع عشرة ترجمة ألمانية للعهد الجديد، لكن اغلب هذه الترجمات كانت مترجمة عن الفولجاتا اللاتينية. ولذلك فقد جاءت ركيكة في أسلوبها، صعبة في لغتها ومفرداتها وكانت تحتوي على جمل وصيغ لاتينية. اما لوثر فقد قام بترجمة العهد الجديد من اللغة اليونانية مباشرة. ولقد أحسن في انتقاء الكلمات وأبدع في اختيار أسلوب سلس متناسق مترابط. ولقد بدا في هذا العمل في شهر ديسمبر (كانون الأول) 1521ونشر العهد الجديد في اللغة الألمانية في شهر سبتمبر (أيلول) 1522 ولقد استمر في هذا العمل بعد خروجه من القلعة حتى أنهى ترجمة الكتاب المقدس كله في سنة 1534 على انه كان يضيف في كل طبعة جديدة في كل سنة بعض التصحيحات للترجمة السابقة[1] وواظب على هذا العمل طيلة حياته. ولقد ساعده كثيرون في هذا العمل العظيم وخاصة ملانكثون. كما ألف أيضا أثناء إقامته في القلعة بعض العظات عن الرسائل. ثم كتب بعض المقالات ليعالج فيها موضوع النذور والرهبانية كما كتب مقالات عن القداس، ثم كتب بعض المقالات لكي يرد فيها على معلمي باريس ولوفان (D. Olivier, 198).
وبينما كان الفارس جورج منهمكا في الكتابة من ترجمة وتأليف وصلت إليه أخبار كثيرة تنبئ بسوء الحالة في فيتمبرج. لقد ترك لوثر كنيسة وكلية فيتمبرج كنبتة صغيرة لا تقوى على مواجهة العواصف الشديدة والرياح العاتية. ولقد هبت فعلا هذه الرياح القوية على الكنيسة والكلية.
كان الشاب العلامة ملانكثون عميقا في أبحاثه متبحرا في دراساته وفي محاضراته متواضعا في حياته وتصرفاته: كان كأليشع بالنسبة لايليا. ولكن بجانب هذا كان يوجد عدد كبير من أمثال جيحزي 2 مك 20:5 الذين كانوا يسعون إلى مجد الله بشرط تمجيد أنفسهم أيضا فلقد ظهر عدد كبير من القادة والمعلمين الوعاظ والمبشرين مثل كارلستادت (Carlstadt) الذي كان يعتبر نفسه كالرئيس الروحي لفيتمبرج بعد غياب لوثر (Hourticq, 64, D. Olivier, 199).
ومما لا شك فيه بأنه كان تقيا مخلصا ولكن بالرغم من تقواه وإخلاصه كان في بعض الأحيان ميالا إلى المجد الذاتي. لقد عاش عدة سنوات كظل للوثر وعندما اختفى المصلح أصبح الظل حقيقة. الم يكن هذا هو ما حدث في حياته الجامعية وفي الحوار أيضا الذي استمر أكثر من أسبوعين في مدينة ليبيزج؟ كان كارلستادت يريد أيضا تغييرا سريعا وجذريا دون دراسة للظروف. لذلك فقد قام في احد أحاد شهر أكتوبر (تشرين الأول) 1521 بممارسة العشاء الرباني مقدما الخبز والخمر، كما علم لوثر ولم يكن الشعب معتادا على هذا التغير الجذري وفي يوم عيد الميلاد قام بعمل القداس في اللغة الألمانية لا باللغة اللاتينية كالمعتاد. بل انه ذهب ابعد من ذلك في عملية التغير الجذري. فقد فكر في إلغاء الأديرة وانحلت فعلا جمعية الرهبان الاغسطينية في فيتمبرج في يناير (كانون الثاني) 1522 لا بل اراد ارغام الرهبان على الزواج. وفي 24 من نفس الشهر وزعت ممتلكات الأديرة لمساعدة الكنائس واستخدامها في المشاريع العامة. والبعض الآخر وزع على بعض الأمراء. كما انه ألغى بعض التقاليد الكاثوليكية السائدة مثل الصور والتماثيل والملابس الكهنوتية. وفي شهر فبراير (شباط) قام بمظاهرة واشترك معه شعب المدينة بالمناداة بالحكم الديمقراطي.
وعندما علم لوثر بهذا كتب إلى أصدقائه وإلى كثيرين من المسئولين بإيقاف هذه الأعمال. وكتب كتيبا صغيرا بعنوان "النذور" وقد أهداه إلى أبيه، وشرح فيه ان الشخص الذي يعتقد بأنه يستطيع ان يحصل على الخلاص أو ينال استحقاقات خاصة لأنه أصبح راهبا فهو في ضلال مبين[2] ولكن كل شخص يتمتع بالحرية الكاملة أو يختار الرهبنة أو يحيا في العالم. ولا يرغم احد على ان يدخل الدير أو يخرج منه. ليحيا كل إنسان حسب الحرية التي منحت له في المسيح.
ان رجل القرن العشرين قد لا يجد أي تطرف في أفكار كارلستادت اما لوثر فمع انه كان مشغولا هو أيضا بنفس الأفكار التطورية بكل فهم وعمق ولكنه كان يرى من الحكمة اختيار الوقت والمكان المناسبين للمناداة بأفكاره الجديدة.
لم يدرك كارلستادت ان الوقت غير مناسب لهذه التغيرات وهذا ما كان يخشاه لوثر لأنه كان يدرك تمام الإدراك ان الشعب لم يكن معدا الإعداد الكافي لهذه التجربة الجديدة مما يعرضه لتيارات مختلفة. وهذا ما حدث فقد انطلق كثيرون وراء حركة النهضة التي قام بها بعض الفلاحين والعمال والنساجين البسطاء لا بل الجهلاء الذين جاءوا من مدينة زويكأو (Zwickau) الذين اعتبروا انفسهم أنبياء مهملين من الروح القدس مباشرة. فلا حاجة لهم اذن للكتاب المقدس ولا للتعليم ولا للدراسة ولا لنظام كنسي أو إداري، لأنهم قالوا ان الروح القدس هو الذي يرشدهم في كل شيء وفي ظرف بطريقة مباشرة. ولقد شجعهم كارلستادت كثيرا، ورأى فيهم برهانا عمليا على عمل الروح القدس ونادى بالخضوع لهم والسماع لنبواتهم وإرشاداتهم لأنه كان يعتقد بان الروح يهب حيث يشاء[3] . اما ملانكثون فقد كان حديث السن لم يتجاوز الرابعة والعشرين بعد ولم يقو على مقاومة الأستاذ كارلستادت[4] وعلى الذين جاءوا من الشمال من مدينة زويكأو مبشرين بقلب النظم القائمة وعدم عماد الأطفال... الخ.
وصلت هذه الاخبار المؤلمة المحزنة إلى لوثر وشعر بان الإصلاح كان مهددا فعلا بالانزلاق إلى الفوضى وعدم النظام ويحتمل انه ذهب سرا في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1521 دون ان يخبر بذلك الملك فريدرك، إلى مدينة فيتمبرج وتقابل مع ملانكثون ومع بعض القادة واطلع على حالة الكنيسة هناك[5].
وفي شهر فبراير (شباط) 1522 كتب لوثر إلى الملك فريدرك يعرفه بأنه سيرجع إلى فيتمبرج حتى لا ينشغل الملك بأمره. ويرد الملك فريدرك إلى الفارس جورج طالبا منه ان لا يتحرك من القلعة. وبالرغم من ذلك فان الفارس جورج ترك القلعة، ثم كتب خطابا رقيقا في غاية النبل يشكر فيه الملك على عنايته به وعلى كل ما قدمه له. ولكنه يعتبر نفسه من تلك اللحظة في حماية سيد أقوى وأعظم منه بل طلب من الأمير أيضا ان يحتمي هو نفسه في ظل هذا السيد.
ترك الفارس جورج قلعة الفارتبورج في أول مارس (آذار) 1522 وكان قد دخلها في يوم 4 مايو (أيار) 1521.





هوامش الفصل الخامس عشر


[1] Strohl Sa vie 160-165
[2] Strohl , 166-172.
[3] R. Bainton, 152-158, Greiner, 120-130.
[4] Strohl, 166.
[5] D. Hourticq, 65-67.







الفصل السادس عشر
عودة المصلح إلى فيتمبرج
للأعلى
وفي اليوم التالي لوصوله استقبلته مدينة فيتمبرج- شعبا وجامعة- المصلح استقبالا حارا لكي تعبر له عن المحبة العميقة والتقدير العظيم والولاء الكامل ولقد كتب لوثر خطابا ثانيا رسميا إلى الملك فريدرك يعرفه فيه بأنه رجع إلى فيتمبرج بمحض إرادته ونزولا على رغبة شعب المدينة وكان الملك حكيما وسياسيا، فأمر بنشر صورة من هذا الخطاب في ألمانيا كلها.
عندما رجع لوثر من قلعة الفارتبورج وجد أشياء كثيرة قد تغيرت بالشدة والعنف والقوة إذ ان أيدي المخربين المتعصبين امتدت إلى بعض الكنائس الكاثوليكية فكسرت تماثيلها وحطمت صورها وغيرت نظام العبادة ولغتها، فحاول لوثر ان يضمد بلطف هذه الجروح "فأعاد المياه إلى مجاريها" وقام حال وصوله بحملة وعظ لمدة ثمانية أيام متواصلة في مدينة فيتمبرج. ومن دواعي السرور ان تلك العظات مازالت محفوظة حتى الآن[1].
ولقد شرح لهم في تلك العظات انه لا يدعي بان كارلستادت كان مخطئا على طول الخط الا انه وضح لهم ان الظروف لم تكن مناسبة لإجراء هذا التغيير الجذري كما انه شدد أيضا في عظاته على ان انجيل المسيح لا يجب ان يفرض على الناس فرضا بالعنف والسيف والقوة بل علينا ان نلقي البذار وروح الله هو الذي ينميها.
ثم ضرب لهم مثلا بنفسه فهو لم يقاوم السلطات البابوية بالقوة أو بالعنف، بل بالكلمة المكتوبة والا لألقي بألمانيا كلها في أتون من نار وفي بحر من الدماء.
عندما رجع لوثر إلى المدينة الجامعية سكن في دير الاغسطينيين الذي كان خاليا تقريبا. كان عليه ان يبدأ من جديد في عمل البناء وكان عليه أيضا ان يجد حلا للمشاكل الجديدة التي ظهرت. كان بعض الرهبان والراهبات تركوا الأديرة وبدأوا في البحث عن عمل. وكانت المشكلة حساسة بالنسبة لبعض الراهبات اللائي تركن الأديرة.
اما كارلستادت الذي كان لا يريد الا حلولا جذرية وسريعة ولم يقبل هذا الأسلوب وترك كرسيه كاستاذ في الجامعة دون ان يخبر المسئولين ثم جال مبشرا بهدم الهيكل وترك العادات الكاثوليكية القديمة، ثم نادى أيضا بعدم عماد الأطفال وبعض التعاليم الأخرى. ولم يقف لوثر مكتوف اليدين بل جاء هو نفسه إلى مدينة أورلا موند (Orla Munde) التي كان يبشر فيها كارلستادت وحاول ان يقنعه بالرجوع فلم يفلح في إعادته وترك لوثر المدينة فألقى بعض المتعصبين عليه الحجارة[2] لقد نفى كارلستادت من ساكسونيا كمثير للاضطرابات وذهب إلى بازل وعين استاذا، ولقد مات سنة 1541 متمتعا باحترام الكثيرين[3].
تناقش لوثر مع بعض قادة حركة النهضة الروحية أمثال توما وكلاريوس وعرفهما بان إرشاد الروح القدس لا يعني عدم الرجوع إلى الكتاب المقدس وإهماله- لأن هذه الجماعة قالت بان الروح القدس يقود المؤمن في كل لحظة فلا داع لدراسة الكتاب المقدس. ولقد حاول لوثر ان يعرف قائدي هذه الجماعة خطورة هذه التعاليم التي تعمل على قلب المجتمع رأسا على عقب. كما حاول ان يقتحمها بعقيدة عماد الأطفال وبأشياء أخرى هاجموها. اما هما فقد خرجا من هذا الاجتماع حاقدين على لوثر ووصفاه بأنه لا يختلف عن البابا في شيء وان الكنيسة كلها فاسدة، لأنهما كانا يعتقدان بأنهما على حق لأنهما يملكان كل الحق.
كانت تعاليم هؤلاء المبشرين قد انتشرت في مدن كثيرة ولذلك فقد ذهب لوثر إلى هذه المدن ووعظ وعلم ولكن كلمات أولئك المتطرفين كانت حماسية وثورية فدفعت بالكثيرين إلى الانظمام إلى حركتهم والاشتراك في أعمالهم التعصبية والتخريبية. ومما زاد الطين بلة ظهور شخص آخر هو منزر (Munzer) وقد سمى نفسه مطرقة الرب. فعندما كان يحل عليه الروح القدس، كما كان يدعي ذلك- كانت الحرمانات واللعنات تتساقط من فمه تساقط المطر الغزير على أعدائه. ولقد أعلن بان القضاء الإلهي قريب ولن ينجو منه الا هو وعدد قليل جدا من الذين يسمعون له. وعندما طرده الملك فريدرك ذهب إلى مكان آخر مبشرا بنفس الطريقة ونفس الأسلوب. اما لوثر فلكي يبين الفرق بين تعاليمه وتعاليم هذه الجماعات فقد كتب كتابا بعنوان "ضد الأنبياء السمائيين" وجاء هذا الكتاب خليطا من الروح والعنف وضح فيه بان المؤمن الحقيقي يستطيع ان يعرف إرادة الرب وإرشاده بقراءته للكلمة والتأمل فيها ثم بقيامه بما يجب ان يقوم به في الحياة اليومية والكنيسة وخاصة في اشتراكه في جسد الرب وفي دمه. فان الرب لم يأمرنا بإثارة الحروب ومقاومة السلطات القائمة وقلبها بل لنشر السلام وتغيير الأوضاع الراهنة والتبشير بالإنجيل وعندما يتغير قلب الإنسان يتغير المجتمع. فلا نحاول إذن تغيير المجتمع بالقوة والسيف بل بالإنجيل وبالإقناع وبالحب وبالصبر.
كان العمل كثيرا ومتعدد الجوانب بعد رجوعه من القلعة. كان عليه ان يعظ وان يعلم الطلبة- كما كان عليه أيضا ان يرأس حلقات نقاش ويقوم بزيارات واستقبالات والقاء خطابات، ثم كان عليه أيضا ان يكتب كتابا تفسيرية يترجم الكتاب ويؤلف ترانيم ويلحنها. كتب مرة إلى أحد أصدقائه يصف له بعضا من الأعمال التي يقوم بها، وبعد ان عدد له الأعمال قال: (فهل ترى الآن حياة هذا الراهب الكسول الخامل..)
أما من الناحية السياسية فان لوثر كان يعتبر مواطنا خارجا على القانون لأنه كان محكوما عليه بالحرمان. ولقد طالب البابا أدريان السادس الذي جاء بعد ليون العاشر من مجلس الأمة الألماني (الدايت) العمل على سحق الهرطقة، على ان مجلس الأمة الذي اجتمع وانفض في مارس (آذار) 1523 لم يقم بعمل أي شيء الا كتابة قائمة جديدة يعدد فيها الأشياء التي أساءت الكنيسة الكاثوليكية استخدامها. ولقد اجتمع الدايت مرة أخرى في شتاء 1424 في مدينة نورمبرج (Nuremberg) وقرر تطبيق قرار مجلس الأمة الذي اجتمع في فورمس 1521 باستعمال الشدة مع لوثر والمصلحين ولكنه طالب أيضا بالدعوة بعقد مجمع كنسي في مدينة سبير(Spire) لبحث مشكلة لوثر.
على أية حال كان الإمبراطور والملوك والامراء مشغولين بأمور كثيرة جدا فيما يختص بالسياسة الخارجية والداخلية فلم يكرسوا الوقت الكافي لحل المشكلة الدينية.





هوامش الفصل السادس عشر



[1] Strohl, 170.
[2] ميريل دوبينياه، ص385-391.
[3] Hourticq. Notes 22.













الفصل السابع عشر
ثورة الفلاحين
للأعلى
لقد ظهرت وانتشرت كتابات لوثر وخاصة الكتب الثلاثة الصغيرة التي تدعى بكتابات لوثر الكبرى، قبل ان يذهب إلى ورمس، واقبل الشعب الألماني على التهام هذه الكتب بطريقة غريبة لدرجة ان الكتاب الأول الذي طبع منه 40000 نسخة نفذ في اليوم السادس من ظهوره ولم تبقى منه ولا نسخة واحدة. لقد بدا المصلح بعرض لا أفكار جديدة مفيدة فحسب، بل كان يعالج في كتاباته مشاكلهم اليومية والعقائدية أيضا. ففي المكتوب الذي وجهه إلى الأمة الألمانية النبيلة ناشد الشعب الألماني ان يتحمل بنفسه مسئوليته الوطنية والدينية ونادى بان المسيحيين متساوون لا فرق بين كاهن أو علماني لأننا كلنا كهنة لله، ثم في كتابه "الأسر البابلي" عندما تكلم عن الفرائض حاول ان يخرج من الناحية السطحية التي أضافتها الكنيسة إلى هذه الفرائض موضحا بان قوة الفريضة ومفعولها كامنان لا في من يقوم بتأديتها (الكاهن) ولا حتى في الفريضة نفسها، بل في الشخص الذي يمارس هذه الفرائض. وفي مجال حديثه عن الحرية المسيحية علم بان المسيحي حر وغير مستعبد لأحد. ان الإنسان الذي حرره المسيح يتمتع بالحرية الحقيقية. لقد انتشرت هذه الأفكار وسط الشعب الألماني وحاول ان يفسرها بطريقته الخاصة ولذلك فقد رأى فيها دعوة للحرية والاستقلال بل للثورة فلا عبد ولا سيد بل الكل سواء. قرأ الشعب هذه الأفكار الجديدة لكن لم تتح له الفرصة لكي يناقشها مع لوثر عندئذ إذ انه قد اختفى بعد ورمس. وهو ذا يظهر من جديد وينادي بنفس الأفكار وبنفس المبادئ حاول كثيرون من الشعب تفسير هذه الآراء بطريقة عملية وجذرية وسريعة وبدون مرونة. وهنا ظهرت مشكلة ثورة الفرحين على أي حال لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يثور فيها الفلاحون ضد الأمراء والنبلاء. فعندما نرجع إلى التاريخ نجد سلسلة طويلة جدا من الثورات فقد قام الفلاحون بثورة عنيفة في فرنسا في سنة 1357 وفي انجلترا في 1381، وثورة فلاحي بوهيميا في القرن الخامس عشر، وفي سويسرا 1513، وفي فيتمبرج 1514. واندلعت ثورة الفلاحين مرة أخرى أيضا في سنة 1517 في كل مكان في النمسا والمجر ومدن الراين.
ومما لا شك فيه ان الفلاحين قاموا عبر التاريخ بثورات ضد الأغنياء والأمراء لأنهم شعروا بالظلم الصارخ والضغط الساحق الذي مارسه الأغنياء عليهم. وهو نفس الشعور الذي ساد طبقات الفلاحين والعمال الذين قاموا بثورة 1524-1525 في أيام لوثر[1] ولم يكن الشعور بالظلم هو السبب الوحيد لانفجار هذه الثورات التي قام بها فلاحو ألمانيا بل سبق ان اشرنا بان كتابات لوثر كانت قد انتشرت في كل مكان وقرأها عدد كبير من الناس. ولقد اعتبر الفلاحون والعمال والصناع ان كتابات لوثر موجهة لهم بالذات. فلم يحاولوا ان يطبقوها روحيا كما قصد لوثر بل فسروها ماديا واقتصاديا. وحتى بعض المتطرفين الذين حاولوا تفسير تعاليمه بطريقة روحية تطرفوا أيضا أمثال كارلستادت ومنذر (Munzer) وآخرون فلقد اعتقد الفلاحون ان دعوة لوثر للحرية المسيحية تعني التخلص بالعنف والقوة من الظالمين الذين يقسون عليهم أي دعوة للتخلص من الأمراء والسادة والأغنياء الخ..
ولذلك فقد قام الفلاحون بثورتهم بدأت الثورة في ستوهلينجن (Stuhlingen) بالقرب من مدينة شافهوس (Schaffhouse) إذ ان زوجة كونت هذه البلدة قد تعودت أثناء موسم البذار وموسم الحصاد ان ترغم الفلاحين الذين كانوا يعملون في المزارع على جمع بعض الخضر النادرة واسماك القواقع لها كما كانت تأمر بقلع أعين الذين يحاولون قتل طيور الصيد التي كانت تتلف مزارعهم.
وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1524 انظم هؤلاء الفلاحون إلى فلاحي بلدة فالدشوت (Waldshut) الذين ثاروا هم أيضا لأن الحكومة أمرت بقطع رأس سكرتير المدينة امام زوجته وأولاده لأنه قبل الإصلاح. وفي شهر يناير (كانون الثاني) 1525 أعلنت كلتكجاو (Klettgau) تضامنها معهم. وانتشرت الثورة إلى مقاطعة سوابيا والى مقاطعات ومدن أخرى وتوسعت هذه الحركة الثورية، فلم تعد قاصرة على الفلاحين فقط، بل انظم إليهم بعض العمال. ففي بالترنجن (Baltrungen) استطاع الحداد اولريش شميت (Ulrich Schmid) ان يجمع ثلاثين ألف رجل لا يعترفون بأي قانون الا القانون الإلهي. ولقد قدم قادة هذه الحركة قائمة بمطالبهم. وتحتوي على 12 بند: ومنها المساواة والتحرير من خدمة الأمراء والأغنياء، وحق الصيد والقنص، وإلغاء العشور التي كانت تدفع للكنيسة وللأمراء ... ولقد حرصوا على تدعيم مطالبهم هذه بشواهد من الكتاب المقدس، وللأسف الشديد تمسك المطالبون بمطالبهم وتمسك الأمراء والسادة بمراكزهم وسيادتهم وأملاكهم. وهنا يظهر توما منذر (Thomas Munzer) ويتنبأ قائلا: (ان رصال الأمراء سيكون بدون تأثير على الذين سيخرجون إلى الحرب معنا)[2].
كان الملك فريدرك في هذه الأيام يلفظ أنفاسه الأخيرة ومات فعلا في يوم 5 مايو (أيار) 1525 بعد طلب تناول العشاء الرباني. خبزا وخمرا على الطريقة المصلحة ولم يستطع لوثر الحضور قبل موت ذلك الرجل الذي وقف بجواره في أشد اللحظات وفي أضيق الظروف. لكنه ذكر عند موته اسم لوثر على ان المصلح حضر يوم 6 مايو (أيار) وأقيمت صلاة (الجنازة) في يوم 10 مايو في فيتمبرج.
لم يغير موت هذا الأمير شيئا من الحرب الأهلية التي اندلعت نيرانها. فقد هجم الفلاحون على القصور والحصون فخربوا منها ما خربوا ودمروا منها ما دمروا، وارتعب الأمراء والأغنياء والأساقفة لدرجة ان بعض الأمراء اضطروا- من الخوف- إلى الانظمام إلى جماعة الفلاحين. ولقد أصدر بيانا في يوم 26 ابريل (نيسان) قال فيه: (تقدموا تقدموا إلى الأمام ولتظل سيوفكم ساخنة بالدماء بدون شفقة)[3] وعندئذ قام الأمراء بتنظيم صفوفهم واستأجروا بعض المحاربين الإيطاليين والأسبانيين فاستطاعوا سحق الفلاحين بطريقة مريعة يعجز القلم عن تصوير بشاعتها. ولقد شجع لوثر الأمراء على الدفاع عن أنفسهم ولكنه كان يجهل تماما ان وحشية الأمراء والأغنياء وتجردهم من الإنسانية ستصل بهم لدرجة ارتكاب الفظائع التي ارتكبوها ضد الفلاحين. فقد قتلوا الآلف المؤلفة منهم كما قتل منذر أيضا (قائد من قواد ثورة الفلاحين).
وبعد هذه الثورة البشعة المريعة التي أرتقت فيها الدماء غزيرة، وراحت ضحيتها النفوس الكثيرة، فقام لوثر وعدد كبير من الأمراء بإصلاح ما يمكن إصلاحه ونظموا المساعدات والإسعافات للعائلات التي حطمها الحرب. وراح ضحية هذه الحرب حوالي 100.000 نفس[4].
ان كثيرين من الذين قاموا بتحليل هذه الحوادث دهشوا من موقف لوثر إزاء الفلاحين عندما قال للأمراء الذين كانوا يحاربون الفلاحين الجملة التي سجلها له التاريخ (قاتلوا هؤلاء الفلاحين ككلاب مسعورة)[5] ان هذا الرجل لم يدافع قط عن الإهانات الشخصية التي وجهت إليه، والذي حاول في كل الظروف التي مر بها ان يستعمل المحبة والصبر واللطف وكيف يمكن ان يامر الأمراء بان يقاتلوا الفلاحين ككلاب مسعورة!! وستظل الجملة بلا جدال نقطة سوداء في تاريخ هذا الرجل العظيم. وكما يقول الأستاذ جرنر (Greiner) ان قولا كهذا يعد عثرة ليس فقط لإنسان القرن العشرين بل حتى لإنسان القرن السادس عشر (ص151) ولكي نفهم موقف لوثر على حقيقته، يجب ان نرجع إلى الظروف نفسها. ان لوثر قد سبق واطلع على مطالب الفلاحين وكان هو نفسه يتفق معهم في كثير منها، بل انه ناقش هذه المشكلة قبل ذلك مع بعضهم. الم يذهب لمقابلتهم حتى في ساحة القتال يقنعهم حتى يعدلوا عن القتال والحرب[6] وهذا ما منعه من ان يكون بالقرب من الملك فريدرك عند موته!!!
لقد سبق ان قلنا بان المصلح كان متفقا مع الثوار في كثير من مطالبهم التي طالبوا بها.لكنه عرفهم بان الحصول على هذه الحقوق لا يجب ان يتم عن طريق العنف والقتل والسيف، بل عن طريق الحوار الهادئ السلمي كما انه أوضح لهم هذا الامر في خطاب أرسله لهم بتاريخ 29 ابريل (نيسان) 1525 (Strohl, 230) ألم يقم هو نفسه أيضا بحرب شعواء ضد جشع الأغنياء وحطمهم وظلمهم وحذرهم متنبأ بما سوف يحث لهم عندما كتب كتابه "السلطة الزمنية" والذي ظهر في 1524 -1525 ففي حديثة عن الأمراء يقول (ان طغيانكم لم يعد يحتمل.. ولا يمكن ان يسمح به.. إذ وصل اشمئزاز الشعب منكم إلى المدى)[7] كان لوثر قد حذر الأمراء من غضب الفلاحين وعرفهم- في نفس النص – بان غضب الفلاحين يعلن لهم غضب الله على أعمالهم وسوء تصرفاتهم وفي نفس الوقت نفسه حاول لوثر من الجانب الاخر إقناع الفلاحين بطرق عديدة ومختلفة: تقابل مع بعض قادتهم الروحيين والعسكريين، وعظ... وكتب.. ولكن لم تفلح كل هذه المحاولات وهنا يجد لوثر ان ألمانيا كلها غرقت في بحر من الدماء. ولقد رأى في كل الجانبين جانب الأمراء، وجانب الفقراء نفوسا قد سيقت سوقا إلى الحرب وأكرهت على القتال. فلقد رأى الفلاحين وقد خرجوا للقتال وللتدمير ككلاب مسعورة. فان الكلب المسعور يقتل ان لم يقتل. لذلك فهو يقضي على كل من يصل إليه أسنانه. كان هدف هؤلاء الفلاحين القتل وأرقاء الدماء وملاشاة الطبقة الحاكمة والغنية من الأمراء والاكليروس. كانوا يلجأون لكل الوسائل لإزالة هذه الطبقة الغنية من الوجود. ألم يقل لهم منذر (لا حياة كريمة لكم إذا ما بقي واحد من هؤلاء على قيد الحياة)[8] انني لا أحاول هنا ان ابرز موقف المصلح ولكني أحاول ان ابسط الظروف السياسية التي مر بها لوثر وعاشها مضطرا دون ان يسعى إليها أو ان يرغب فيها. ولقد عانى هو نفسه من هذه الكارثة مدة طويلة واعترف بخطئه.
قبل ان تندلع هذه الثورة كان الفلاحون والعمال يعتقدون بان لوثر هو واحد منهم وسيكون الأول في الوقوف بجانبهم مؤيدا مطالبهم بالقول والعمل والسيف كما فعل الوعاظ. ولكنه لم يفعل ذلك فخاب ظنهم فيه. كانت هذه الثورة سببا في تعمق العداوة في قلوب الفلاحين ضد الكنيسة الكاثوليكية وسببا في خيبة آمالهم في الكنيسة المصلحة. وأما لوثر فقد أحس ان قلبه يذوب وهو يشاهد تلك الحوادث المؤلمة التي أرغم على الخوض فيها دون إرادته.





هوامش الفصل السابع عشر


[1] Strohl 222-226, D. Hourticq.
[2] D. Hourticq. 42.
[3] Strohl, 233.
[4] Strohl, 221-251, Greiner, 133-153, Bainon 201-221.
ميريل دوبينياه 458-468 ودكتور عزت زكي 68-74
[5] Strohl, 233.
[6] A. Greiner 142-150.
[7] Henri Strohl, 227.
[8] A. Greiner, 149.






الفصل الثامن عشر
زواج الراهب مارتن لوثر
للأعلى
تعود بعض الأغنياء والنبلاء ان يضعوا بناتهم في سن مبكرة جدا في الأديرة بحجة تعليمهن وتهذيبهن روحيا وثقافيا وأدبيا. ولكن الحقيقة ان هؤلاء النبلاء كانوا يقصدون التخلص منهن مدى الحياة[1].
فعندما كانت الواحدة من هؤلاء البنات تبلغ سن السادسة عشرة من عمرها (أي السن الذي فيه يمكنها ان تلبس الملابس الرهبانية ) كان أبوها يدفع مبلغا من المال إلى الدير كمهر لهذه الفتاة وبهذا تصبح راهبة لمدى الحياة ومن ثم فلا حق لها في اقتسام الميراث مع إخوتها.
وعلى ما يبدو فان كاترن هانزفون بورا كانت واحدة من هؤلاء البنات اللائي كن ضحية لتلك العادة المتبعة. فقد ماتت أمها وتزوج والدها بأخرى وأرسلها مدرسة الدير في سن الخامسة من عمرها. وعندما بدأ الإصلاح كان هناك عدد كبير من البنات في عدة أديرة لمثل هذه الأسباب.
وفي دير نيمبتش (Nimptsch) في ساكسونيا بدأ بعض الراهبات في قراءة كتابات لوثر ثم دراسة الكتاب المقدس. وعندئذ بدأن في التفكير في حالتهن، ولم يقبلن هذا الوضع الذي فرض عليهن فرضا أو على الأقل فرض على بعضهن. ولذلك فقد قررت اثنتي عشرة فتاة الاتصال بعائلاتهن للعودة إلى منازلهن وكان رد عائلاتهن بالرفض وعندئذ كتبن إلى بعض المصلحين في مدينة نورمبرج (Nuremberg) الذين اتصلوا ببعض الشخصيات المعروفة والكريمة والتي لا يشوب سمعتها شائبة في مدينة توركو (Torgau) فنظم ليونار كوب وابن اخيه عملية لخطف هؤلاء الراهبات من الدير، وتم ذلك فعلا في احد ليالي ابريل(نيسان) 1523 وقد احضرن إلى فيتمبرج* وكان على المصلح ان يجد لهن حلا واستطاع ان يقنع بعض العائلات بعودة بناتهن أما باقي البنات فقد حاول لوثر ان يجد لهن عملا. وكان من بينهن كارتن بورا. وفعلا وفق في إلحاقهن جميعا بأعمال مختلفة. أما كاثرن فقد أخذها غني من مدينة فيتمبرج للعمل في منزله.
وفي يوم من الأيام تعلق قلبها بطالب من مدينة نورمبرج وهو جيروم بوكارتز. على ان هذا الحب لم يدم طويلا لأن هذا الشاب عاد إلى مدينته وتزوج من فتاة أخرى نزولا على رغبة والديه ثم تقدم إليها كلاتز فرفضت الزواج منه. انها تريد ان تتزوج شخصا تقتنع به وتحبه والا فانها تفضل ان تبقى بنتا بلا زواج كل حياتها. هذا ما كتبته إلى أمسدورف (Amsdorf) الذي اقترح عليها مع لوثر الزواج من كلاتز ثم أضافت في خطابها قائلة: اما إذا عرضت أنت أو لوثر ان أكون زوجة لواحد منكما فلن أرفض ذلك أبدا. عرف لوثر هذا الرد ولكنه كان لا يفكر في الزواج، وخاصة في هذا الوقت نعم انه كان لا يمانع في زواج الرهبان ولكنه يعلم بهذا التعليم لكي يستفيد هو منه، بل نادى به كمبدأ إنجيلي عام. اما بالنسبة لشخصيته فلم يكن يفكر في الزواج لأن حياته كانت مهددة في كل يوم ولذلك فقد كتب في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 1524 (انني لا أفكر في الزواج إذ انني أتوقع عقوبة الموت في أي يوم كهرطوقي)[2] ترى هل بدأ يفكر في الزواج جديا بعد ان سمع رأي كاثرن؟ ربما... على أي حال بدأت الفكرة تنضج في فكره واخيرا قرر الزواج من كاترن. وفي يوم 13 يونيو (حزيران) 1525 قام بمراسيم الزواج صديقاه القس يونان والقس بوجنهاجن (Tonas, Bugenhagen) وقد شهد على هذا الزواج كل من المحامي آبل (Appel) وصديقه الرسام لوقاس كراناس (Lucas Cranach) وفي يوم 14 يونيو (حزيران) أرسل لوثر خطابا إلى سبلاتين لكي يبلغ الخبر للملك الجديد. وفي يوم 27 من نفس الشهر دعي العروسان اصدقاءهما إلى حفل عشاء بمناسبة زواجهما. كان لوثر قد بلغ الثانية والأربعون وكاترين السادسة والعشرين عند زواجهما.
لقد أثار هذا الزواج ضجة كبرى لا في الأوساط الكاثوليكية فحسب بل حتى بين المصلحين لدرجة ان صديقه المحبوب- وذراعه الأيمن الشاب ملانكثون لم يحضر حفل الزواج، على ان هذه القطيعة لم تستمر طويلا بينهما.
كان لوثر سعيدا مع زوجته كاترن وكان بيتهما- وهو الدير الاغسطيني- مفتوحا لكثيرين من الخدام وغير الخدام. فان الذين كانوا يتناولون الطعام يوميا على مائدتهما حوالي 25 شخصا. ولقد انعم الرب على هذين الزوجين بأولاد عنيا بتربيتهم تربية مسيحية. على ان لوثر كان متأثرا بطريقة التعليم في عصره- لأنه كان ابن عصره في أشياء كثيرة- فقد قال: (انني أفضل ابنا ميتا على ابن حي غير مؤدب).
جاء المولود الأول في العائلة يوم 7 يونيو (حزيران) 1526 ويدعى يوحنا (هاس) على اسم أبيه. ولما كان والداه سعيدين جدا بزواجه كانا سعيدين أيضا بأولاده (ميرل دوبينياه ص 476) وفي يوم 10 ديسمبر (كانون الأول) 1527 ولدت إليزابيث. وفي يوم 27 ديسمبر (كانون الأول) 1529 ولدت البنت الثانية مجدولين. وفي يوم 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1531 اعطاهما الرب ولدا وسمياه مارتن. ثم في 28 يناير (كانون الثاني) 1533 جاء بولس. وفي يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) 1534 ولدت مارجريت. ولقد ماتت اليزبيث في عامها الأول، كما ان مجدلين انتقلت هي أيضا في الثالثة عشرة من عمرها.
كان لوثر يقضي اوقاتا طويلة مع أطفاله* في الحديث معهم والإصغاء إليهم. ولقد كتب لهم بعض القصص المسلية وجمع 489 مثلا وقصة. ومازالت مكتبة أكسفورد تحتفظ بهذه المخطوطات[3].
لكن وفاة اليزبيث ومجدلين ملأت قلب الأب والأم حزنا عميقا. وعندما أصاب المرض ابنته مجدلين كان لوثر يصارع مع الله في الصلاة لكي يترأف الرب عليها ويشفيها، لأنه كان يحبها حبا عميقا. فعندما ماتت تركت في قلبه جرحا عميقا جدا ولكنه تعزى على جاء القيامة[4].




هوامش الفصل الثامن عشر



[1] D. Hourticq, 74.
* كانت واحدة من هؤلاء الراهبات من عائلة رئيس الأديرة الاغسطينية وهي مادلين ستوبيتز.

[2] Greiner, 158.
* يحتمل بأن واحدا من أبناء لوثر كان يحمل اسمين كما هو معتاد في أوروبا (وهو اسم يعقوب)
[3] A. greiner, 161.
[4] Bainton 223-230, Greiner, 157-163, Hourticq, 74-80.
موريسون 108-144، ميرل دوبينياه 474-478، د. لبيب مشرقي 179-183.








الفصل التاسع عشر
صعوبات في وجه الكنيسة الناشئة

للأعلى
لم تستطع الحياة السعيدة و الجديدة التي كان يحياها المصلح مع زوجته كاترين ان تلهيه عن الخدمة المقدسة و ان تنسيه الرسالة التي وضعت على عاتقه. ولم تكن كاثرن حملا ثقيلا يحمله على كتفيه، بل كانت معينة له. فلم يعد يحس بالوحدة عندما يرجع إلى الدير بل كان يجد كاثي التي تتبسم له وتساعده في احتمال المشقات. وما أكثر المشقات التي اعترضت حياة المصلح. وأول مشكلة تشارك فيها كاترين زوجها: كانت مشكلة التحالف السياسي الكاثوليكي.
لقد حاول بعض الملوك الكاثوليك استخدام ثورة الفلاحين ضد حركة الإصلاح للتشهير بلوثر وبحركته الجديدة، ولكي يقضوا على هذه الحركة. لذلك قاموا بحملة دعاية وتوعية هدفها توحيد الأمراء والملوك الكاثوليك في ألمانيا ضد الأمراء الذين انضموا إلى الإصلاح وعملوا على نشره. ولقد طالبوا بنفس الطلبات التي طالبوا بها مجلس الشعب (الدايت) عدة مرات: وهي سحق حركة الإصلاح الهرطوقية. ولقد وافق على طلبهم وساندهم بقوة الإمبراطور شارل الخامس. وخاصة وانه أنهى الحرب مع الملك فرانسوا الأول، فكان في استطاعته ان يخوض هذه الحرب اللوثريين لكي يصفي المشكلة الألمانية. ولذلك فقد أرسل خطابا إلى هؤلاء الأمراء الكاثوليك يعرفهم بأنه سوف يقوم بعملية حربية لكي يلاشي من الوجود مذهب لوثر الملعون والذي كان سببا في المذابح والخراب والدمار.
شعر أمراء الإصلاح بان إماراتهم ورعاياهم مهددون بهذا التحالف. وعندئذ اجتمع منتخب ملك ساكسونيا ووالي مقاطعة هس (Hesse) مع خمسة أمراء إنجيليين آخرين وانضمت إليهم مدينة مجدبورج، وقاموا بعمل معاهدة سنة 1526 وتدعي بمعاهدة توركو (Torgau) ولقد أعلن المتحالفون ان هذا الحلف دفاعي فقط وليس هجوميا وذلك لحمل المسئولية التي أوكلها لهم في الدفاع عن رعاياهم.
ومع ان هذه المعاهدة أظهرت ترابط الأمراء الإنجيليين واتحادهم الا ان لوثر أظهر عدم ارتياحه لها. ففي بحث كتبه لمعالجة هذا الموضوع كان يتساءل إذا كان الذين يحاربون قد حصلوا فعلا على الخلاص[1].
بدا يظهر شبح الحرب من جديد مهددا الدول الالمانية كلها مرة ثانية خاصة وان الإمبراطور كان قد عزم على تطبيق قرارات فورمس بحذافيرها لكي يصفي الهرطقة اللوثرية تصفية كاملة. في هذا الجو الذي كان مشحونا بروح الحرب الأهلية بدا مجلس الأمة جدول أعماله في صيف 1526في مدينة اسبيرس. ولكن عندما وصلت أخبار تحالف بابا روما اكليمندس وفرنسوا الأول، وأخبار تهديد الأتراك لأوروبا ووصولهم إلى المجر، غير الإمبراطور والأمراء الكاثوليك موقفهم من الأمراء المصلحين حتى يتفرغوا لمقاومة العدو الأجنبي الخارجي. ولذلك فقد اتفقوا على ان كل ولاية حرة تتصرف كما يبدو لها على ان تتصرف وتعمل بما يرضي الله حسب عقيدتها التي تريدها.
وهكذا زال شبح الحرب الذي كان يهدد الإنجيليين، على ان هذا القرار: أي ترك الحرية لكل أمير يتصرف حسب ما يبدو له حسنا لم يكن الا هدنة قصيرة. فقد دخل الإمبراطور شارل الخامس وأمراء ألمانيا في حرب مروعة ضد البابا، ولم تنته الا في 6 مارس (آذار) 1527 وقد مات في هذه الحرب 53 ألف شخص بسبب الحرب أو الطاعون وسقطت روما مهدمة الحصون والقصور مضرجة في دماء سكانها. نادى البعض بطريقة هستيرية ان لوثر بابا على روما. وبعد هذه الكارثة العظمى، وانتصار شارل الخامس على البابا اتحد معه وقطع معاهدة مع اكليمندس السابع ضد الهرطقة للعمل على القضاء عليها سريعا.

لقد حفلت سنة 1527 بالكوارث فقد انتشر وباء الطاعون في مدينة فيتمبرج وهجر المدينة عدد كبير من الأساتذة. أما لوثر وكارتن فلم يتركاها بالرغم من ان كارتن كانت حاملا. ومرض لوثر واشرف على الموت. وخشى ان يشاع بعد موته بأنه أنكر تعاليمه التي نادى بها، لذلك قال لمن حوله بأنه لا ينكر تعاليمه وانه متمسك بها، وانه يؤمن بان كل ما علم به مطابق الحق الإلهي[2]
لم تكن الكنيسة الإنجيلية المصلحة مهددة بالتحالف السياسي الخارجي فحسب، بل كانت مهددة أيضا في الداخل وفي عقيدتها نفسها. ومن الأشياء التي عرضت الكنيسة في ذلك الوقت الانقسام الداخلي عقيدة العشاء الرباني. فلقد تمسك كارلستادت والمصلح السويسري زونجلي واتباعهما بان العشاء الرباني مجرد تذكار وأما لوثر تمسك بحرفية النص الكتابي.

زيارة لوثر وملانكثون لبعض الكنائس:
نظم لوثر- بعد موافقة الملك وبمساعدة صديقة سبالاتين (Spalatin) حملة زيارات للكنائس. وقام ملانكثون وآخرون بأول حملة سنة 1527. ولقد اكتشفوا بان الكنيسة كانت تعيش عيشة يرثى لها من الناحية الروحية والمادية. وفي الجولة الثانية التي قام بها لوثر في سنة 1529 لمس حقائق مذهلة ومحزنة كانت تعيشها الكنائس التي قبلت مبادئ الإصلاح ولكنها لا تعرف شيئا عن الحقائق الإنجيلية. فلقد رأى كنائس كثيرة مصلحة بدون خدام كما انه اكتشف أيضا عددا كبيرا جدا من العلمانيين وحتى من الخدام يجهلون أبسط الحقائق الإنجيلية.
ولهذا فقد قام بعد عودته من هذه الجولة قام بكتابة ما يدعى في التقليد الكاثوليكي "بالتعليم المسيحي المفصل والتعليم المسيحي المختصر. وقد اصطلح البروتستانت على تسميته بأصول الإيمان المفصل وأصول الإيمان المختصر". ففي أصول الإيمان المفصل أراد لوثر ان يقدم للعلمانيين وللرعاة بعض الحقائق البدائية البسيطة عن المسيحية لتساعدهم على فهم الحقائق والمبادئ المسيحية وشرحها للشعب. وأما في كتاب أصول الإيمان المختصر فقد تناول نفس المواضيع ولكن بطريقة أكثر بساطة إذ انه خصصه للأطفال. ولقد ركز بحثه في هذين الكتابين على خمس نقاط:
1. الوصايا العشر وهي عبارة عن مرآة للخطية.
2. قوانين الإيمان كإعلان لمغفرة الخطايا.
3. الصلاة الربانية التي تعلن رحمة ومحبة الله.
4. فريضة العماد.
5. فريضة العشاء الرباني.[3]
6. وقد لاقى هذان الكتابان إقبالا شديدا لأن الشعب كان فعلا في حاجة اليهما.



هوامش الفصل التاسع عشر


[1] Greiner, P. 163.
[2] Bainton, P. 228-254, Greiner, P. 164-165.
[3] Kastlin, P. 311- 314, Greiner, P. 174-185.








الفصل العشرون
اجتماع مجلس الأمة (الدايت) في سبيرس ودعي اللوثريون بروتستانت في سبيرس أولا (أع 26:11)
للأعلى
بينما كان لوثر يعمل جاهدا ليل نهار لبناء وتقدم الكنيسة في ألمانيا، كان أعداء هذه الحركة لا يألون جهدا لإيقافها وشل حركتها والقضاء عليها. ففي كل اجتماع- تقريبا- لمجلس الأمة الدايت كان ملوك وأمراء وحكام المقاطعات الكاثوليكية يطالبون بتنفيذ قرارات فورمس أي: مطاردة ومحاكمة لوثر وأتباعه. وعندما أجتمع الدايت في مارس (آذار) 1529 في سبيرس (أو سبير) تقدم الملوك والأمراء بنفس المطاليب التي اعتادوا المطالبة بها. لكنهم طالبوا بمطاليب أخرى هذه المرة:
1. إلغاء قرارات مجلس الأمة التي صدرت سنة 1526 التي كانت تمنح كل أمير الحرية الكاملة في حكم ولايته بالطريقة التي يراها.
2. منع تقدم الإصلاح في المناطق الكاثوليكية وذلك بمنع التبشير في تلك المناطق، ومنع إقامة كنائس لوثرية في أي مكان فيه كنيسة كاثوليكية.
3. منح الحرية للكاثوليك للعبادة سواء في المناطق الكاثوليكية أو في المناطق التي شملها الإصلاح. وهذا يعني ان الأمراء الكاثوليك كانوا يطالبون بإلغاء حرية العبادة وحرية اختيار المذهب. ومحاولة القضاء على الإصلاح كلية.
وإزاء هذا الظلم الصارخ اجتمع أمراء الشمال مع أمراء 14 مدينة من الجنوب وأعلنوا احتجاجهم ضد هذا القرار الذي اتخذته الأغلبية في مجلس الأمة. قائلين: (نحن نحتج) “We Protest” نحتج امام الله الفاحص القلوب والكلى والقاضي العادل، نحتج امام الناس وكل الخلائق لأنه لا يمكن ان نقبل أمرا كهذا مخالفا لله ولكلمته المقدسة. نحن نحتج ضد الظلم، وكلمة يحتج (Protest) "بروتست" اشتق منها الاصطلاح بروتستانت (Protestant) أي الذين يحتجون ضد الظلم والطغيان... فمن هذا التاريخ وفي سبيرس دعى اللوثريون بروتستانت أولا[1]*.



اجتماع ماربورج ومشكلة العشاء الرباني (الأفخارستيا)
بعد ان احتج الأمراء ضد الأغلبية الكاثوليكية في مجلس الأمة الدايت حاول فيليب حاكم مقاطعة هس (Hesse) [2] ان يجمع صفوف المصلحين وان يقوي روابط الوحدة بينهم ولذلك فقد فكر في عمل معاهدة مع بعض الامارات السويسرية التي قبلت الإصلاح. كانت الفكرة رائعة ولكنها لم تخل من الصعوبات. فان الذين يقومون بنشر الإصلاح في بعض الدويلات السويسرية هم زوينكلي (Zwingli) واكولامباد (Oecola Mpade) وبولانجر (Bullinger) وهؤلاء لم يكفوا عن الانتقادات اللاذعة في كتاباتهم ضد لوثر وضد تعاليمه. فلقد اتهموه بأنه احتفظ بالكثير من الخرافات الرومانية. كما انتقدهم لوثر أيضا مشبها إياهم مرة بجماعة العقليين ومرة أخرى (بالدراويش). ولكن بالرغم من هذه الصعوبات استطاع فيليب أمير هس ان يختار ممثلين لهذين التيارين المصلحين لكي يناقشوا بعض المشاكل العقائدية التي تفرق صفوفهم (ميرل دوبينياه 453-456، 505-507)[3]. وفي 29 سبتمبر (أيلول) 1529 وفي مدينة ماربورج (Marbourg) جاء من سويسرا ومن منطقة الالزاس بعض قادة حركة الإصلاح وعلى رأسهم زوينكلي، ومن ألمانيا جماعة أخرى وعلى رأسها لوثر وملانكثون.
لقد ناقش هؤلاء بعض المشاكل العقائدية، ولكن المشكلة الكبرى التي وقفوا أمامها وقتا طويلا والتي لم يستطيعوا حتى في نهاية الاجتماع ان يجدوا لها حلا نهائيا وكاملا. كانت مشكلة العشاء الرباني. فقد عرف لوثر حدة الطبع وصلابة الرأي، فمنذ ان وصل إلى ماربورج كتب امامه تحت غطاء المائدة التي جلسوا حولها كلمات السيد "هذا هو جسدي" فعندما كان يتكلم زونكلي عن معنى رمزي أو استعاري كان لوثر يرفع غطاء المائدة فيتذكر ما تعهد به من التمسك بوجود جسد الرب حقيقة في الخبز والخمر. ولقد أعلن بأنه لا يجب بأي حال من الأحوال التضحية بالحق الكتابي لحل المشكلة السياسية. ولقد تمسك كل طرف من الطرفين بآرائه. فان زونكلي وأتباعه رأوا في العشاء الرباني مجرد ذكرى لموت المسيح، ومسئولية نشر البشارة إلى ان يجيء. وأما لوثر وبعض أتباعه فقد تمسكوا بعقيدة ان المسيح موجود حقيقة لحما ودما في الخبز والخمر. لقد رفض لوثر العقيدة الكاثوليكية التي تعلم بالتحويل أو التغير الكلي والجزئي للخبز والخمر، لكنه لم يقبل ان يكون العشاء الرباني مجرد ذكرى. اشتد النزاع بين الفريقين لدرجة ان لوثر لم يقبل حتى ان يدعوا الفريق الاخر أخوة ما لم يقبلوا عقيدة حلول جسد المسيح كاملا في الخبز والخمر. لا شك اننا نأسف لهذه الروح التي أظهرها لوثر إزاء اخوة في المسيح وبالرغم من ذلك فقد استطاعوا ان يتفقوا على النقاط التالية:
1. العشاء الرباني ليس ذبيحة.
2. ان العناصر لا تتحول إلى جسد ودم المسيح.
3. الاستفادة الحقيقية للعشاء الرباني تكون بالإيمان.
4. العشاء الرباني هو إعلان للخبر السار.
اما النقاط التي اختلفوا عليها فكانت:
1. اعتقاد لوثر في الحضور الحرفي والحقيقي لجسد ودم المسيح في الخبز والخمر.
2. كان زوينكلي يعتقد بان حضور الرب يتحقق في اجتماع الجماعة حول العناصر[4].
وانفض الاجتماع في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 1529 بعد ان أعلن المجتمعون النقاط التي اتفقوا عليها.



هوامش الفصل العشرون



* بعد اجتماع مجلس الأمة (الدايت) الذي عقد في سبيرس دعى اللوثريون بروتستانت وليس في اوجسبورج أو اكوسبورج كما يعتقد البعض.

[1] E. Singmaster, P. 114, 115, Bainton, P. 246-248,
ميرل دوبينياه، ص603-670
[2] Bainton, P. 240-251.
[3] Hourticq, P. 82, 83.
[4] Concilium Revue… 118, D. Steinmets P. 76-82.










الفصل الحادي والعشرون
مجمع أوكسبورج أو أوغسبورج في سنة 1530
(Augsbourg)
كاثوليك وبروتستانت معا
للأعلى
لقد سبق ان ذكرنا ان الأمراء كانوا يطالبون بلا ملل- في كل مرة يجتمع مجلس الأمة (الدايت) بتنفيذ قرارات مجمع فورمس. بل ان الإمبراطور نفسه اظهر هذه الرغبة أكثر من مرة. وفي السنين الأخيرة بدأت شقة الخلاف تتسع. وحاول كل من الطرفين المتنازعين ان يجمع شمله ويحصن مدنه. وأصبح شبح الحرب يرفرف من جديد وكان الملك شارل مشغولا بمشاكل مثل حربه مع فرنسا ومع الأتراك ومع البابا حتى انه كان يقضي معظم وقته خارج ألمانيا وقد أسند مسئولياته إلى أخيه الملك فرديناند. لذلك لم يستطع الملك شارل- منذ انعقد مجمع فورمس- ان يولي النزاع الديني في ألمانيا الاهتمام الكافي. اما وقد انتهت المشاكل والحروب ولو ظاهريا بينه وبين الملك فرنسوا، وبينه وبين البابا، فقد عقد العزم على ان يصفي المشكلة السياسية والدينية التي كانت تنخر عظام الأمة. وذلك بالقيام بمشروع للسلام يجمع شمل هذه البلاد الممزقة ويعيد السلام لألمانيا. لذلك رجع إلى الاقتراح القديم الذي تردد أكثر من مرة وهو عقد مجمع على مستوى الدولة والكنيسة. بحضرة الكاثوليك والبروتستانت. وفعلا تقرر ان يعقد مجمع على مستوى الإمبراطورية الألمانية كلها ويضم الحزبين المتعارضين. وان يقدم فيه قادة الحزبين اعتقاداتهما الدينية لبحثها والوصول إلى حل يرضي الطرفين. ودعى الإمبراطور شارل الخامس الملوك والأمراء والمسئولين إلى مدينة أوكسبورج ابتداء من 8 ابريل (نيسان) 1530.
كان من المفروض ان تقدم كل كنيسة عقيدتها وافكرها الدينية لكي تناقش. فكان من الطبيعي ان ترسل كل كنيسة خير رجالها لتمثيلها وعرض عقيدتها. وطبعا كان لوثر المرشح الأول لحضور هذا المؤتمر لتمثيل البروتستانت ولكن لم يستطع لوثر ان يذهب إلى هذا المؤتمر:
أولا: لأنه كان محكوما عليه بالنفي ولا يمكنه ان يخرج من منطقة ساكسونيا.
ثانيا: لأن لوثر كان حاد الطبع صلب الرأي صعب الإقناع لا يعرف اللين أو المرونة في نقاشه. وقد اعترف هو نفسه بذلك. ولهذا فقد اتفق بان يرأس وفد المصلحين هذا المؤتمر التاريخي الكبير*. الأستاذ الشاب ملانكثون، وكان ملانكثون عالما، هادئ الطبع دمث الأخلاق، عميق التفكير، واسع الأفق والمعرفة، متواضعا.
عندما دخل القاصد الرسولي قاعة الاجتماع سجد الكاثوليك أمامه وظل الأمير البروتستانتي واقفا. ولقد لفت هذا الامر نظر الكثيرين من بداية أو لجلسة للصلح. كما انه كان مفروضا ان يقدم كل طرف ملخصا لاعتقاداته وتعاليمه لمناقشتها، لكن الجانب الكاثوليكي لم يقدم أي تقرير أو أي إقرار إيمان وهنا شعر الإنجيليون كما لو كانوا في موقف المجرم المحاكم وعليهم ان يقدموا ما يؤمنون به لكي يحكم الآخرون بصحته أو ضلاله. ولم يكن هذا الموقف مشجعا للإنجيليين.
على أي حال فقد قدم ملانكثون إقرار إيمان مكتوب. وقام الكاتب الأول للمنتخب قراءة النص. ومع ان لوثر كان وراء هذا النص أو – على الأقل- أوحى بالكثير منه- الا ان ملانكثون استطاع ان يقدمه بطريقة جذابة، أظهرت فيها روح المحبة والرغبة العميقة في الاتحاد. ولقد احتوى اقرار الإيمان الذي يدعى باقرار إيمان اوكسبورج على 28 بندا. واتفق الفريقان على قبول 21 بندا منه. ولقد شرح ملانكثون بأنه لا يتمسك بالبنود السبعة الباقية- التي كانت موضوع الخلاف- لأنه يعتقد بأنه ليس لها أساس كتابي. ولقد حاول المصلح الشاب ان يتجنب ذكر بعض العقائد التي تثير المشاكل وتوسع شق الخلاف. فلم يذكر المطهر أو الباباوات أو رسامة الكهنة وبعض العقائد الأخرى المختلف عليها.
بعد هذا العرض بدأ الوفدان في مناقشة هذه البنود بالتفصيل، وهنا ظهرت الخلافات. كان ملانكثون والوفد الذي حضر معه إلى اوكسبورج يرسلون إلى لوثر بأي تغير يحدث في النص أو أي اقتراح جديد، لكي يستشروه. وكان لوثر يعيش مضطرب الأعصاب وقلق البال أثناء فترة الحوار لأنه كان يود لو استطاع الاشتراك في هذه المناقشات. وقد هدد عدت مرات بحضور الاجتماع. لكنه لم يذهب واكتفى بالأخبار التي تصل إليه عن طريق الرسائل. ولقد عرف لوثر من إحدى الرسائل ان الكاثوليك رفضوا اقرار الإيمان الذي قدمه ملانكثون ثم قدموا هم قانون إيمان أو اقرار إيمان شرحوا فيه ما يؤمنون به وما يرفضونه. ولقد كان الهدف من هذا الإقرار هو هدم اقرار الإيمان الذي قدمه ملانكثون. وعندئذ كتب ملانكثون إلى لوثر في مدينة كوبورج التي كان ينتظر فيها لوثر الاخبار بفارغ الصبر وعرفه بهذا التغيير. وكان رد المصلح إلى صديقه الشاب بان لا يتزحزح قيد أنملة عن موقفه وان لا يتنازل عن شيء بعد ما قدمه من تنازلات كثيرة وهدده بالحضور إذا تنازل عن شيء آخر.
بدأت الأمور تتأزم فلقد تمسك الكاثوليك بموقفهم، كما أعتقد لوثر ان ملانكثون تساهل معهم في أشياء كثيرة.
واما الإمبراطور فرفض اقرار الإيمان الذي اقترحه الإنجيليون. وعندئذ كتب شارل الخامس إلى روما يقول لن ينفع الآن الا العنف الذي سيؤتي أثماره.
وخشى لوثر على أصدقائه في هذا المؤتمر، وطلب منهم الرجوع بسرعة. وكتب إلى صديقه يونان في يوم 20 سبتمبر (أيلول) يقول " انني أتوسل إليكم بان تكفوا عن المناقشة وترجعوا حالا..)[1] وإذ تمسك كل وفد بموقفه منح الإمبراطور اللوثريين مهلة حتى 15 ابريل (نيسان) 1531 ليغيروا موقفهم ويرجعوا...
كان لوثر سعيدا بهذا القرار الذي سمح على الأقل بمهلة للانسحاب والعودة. في هذه الفترة التي قضاها لوثر في كوبورج (Cobourg) وصلته أخبار وفاة والده ولقد بكاه بكاء مرا وتألم لفراقه.
وفي يوم 11 أكتوبر (تشرين الأول) 1530 وصل الوفد الإنجيلي إلى فيتمبرج سالما[2] وبيدهم اقرار الإيمان الذي كتبه ملانكثون والذي يعتبر الآن من أعظم إقرارات الإيمان التي تتمسك بها الكنيسة اللوثرية حتى الآن. ولحسن الحظ لم يتمسك الإمبراطور بهذا التهديد الذي نطق به عندما أعطى مهلة للإصلاح حتى يوم 15 ابريل 1531 لكي يغير موقفه.
وبالرغم من هذه التهديدات، كانت الكنيسة تنمو كل يوم. وقد أقام الرب فيها أناسا استطاعوا بالرغم من ضعفاتهم وأخطائهم كبشر ان يسيروا بها إلى الامام بنعمته، واستمر لوثر الرجل الذي لا يعرف التعب أو الملل بعد هذا المجمع- الذي لم يحضر فيه الا بالفكر- يعمل بدون هوادة فنراه في سنة 1537 في طريقه إلى الاجتماع الذي دعى إليه أمير هس وأمير ساكسونيا في شتاء 1537 في مدينة سمالكالد (Smalkakde) ولقد دعى الأميران لحضور هذا المجمع كل المدن والأمراء البروتستانت لعمل معاهدة دفاع مشترك بينهم. على ان لوثر لم يستطع ان يحضر كل جلسات هذا الاجتماع لسبب مرضه واضطر إلى الرجوع إلى فيتمبرج وواصل المؤتمر عمله بدون المصلح وكانوا حلفا إنجيليا للدفاع المشترك، لكن لوثر كان يعارض كل معاهدة أو تحالف عسكري للدفاع عن الإنجيل. لأنه كان يؤمن بان نشر الإنجيل لا يكون باستعمال السيف الذي يترك الكراهية والحقد في القلوب، بل ينتشر بعمل روح الله الهادي المقنع الذي يعطي سلاما حقيقيا في القلوب والنفوس.

هوامش الفصل الحادي والعشرون



* وصل الملوك والأمراء والوفود من كل ألمانيا وسار أيضا وفد المصلحين في طريقه إلى اوكسبورج وعند وصول الوفد إلى كوبورج (Cobourg) ترك لوثر هناك عند الحدود لأنه كان محكوما عليه بالنفي ولم يستطع مغادرة منطقة ساكسونيا كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فمكث هناك وكان ينتظر في كل يوم بفارغ الصبر وصول الاخبار من اوكسبورج ليتابع تطور اخبار المناقشة.

[1] A. Greiner, P. 181.
[2] Singmaster, P. 115-119, Greiner P. 177-182. D. Hourticq, P. 82-85,
ميرل دوبينياه، ص690-775









الفص الثاني والعشرون
وان مات يتكلم بعد
للأعلى
كان المصلح الألماني أمينا لله، فلم تستطع وعود الواعدين ان تغريه أو تضله، ولا وعيد المهددين أن يثنيه عن عزمه. فقد وضع امام عينيه هدفا وشعارا واحدا لله وحده المجد والكرامة كما كان شعله من النشاط، كرس حياته لخدمة السيد والكنيسة والناس. كانت حياته حياة البذل والتضحية. عاش سخيا كريما أعطى فاجزل العطاء بلا حساب. احتمل المدرسة وناضل في الجامعة وقاسى من شكوكه في أمر خلاصه. ثم صارع مع الكنيسة الكاثوليكية والإمبراطور والأمراء الكاثوليك. هذا بخلاف جهاده في تكوين وتطوير الكنيسة على جميع المستويات. وكتاباته العديدة والمجهود الذي بذله في ترجمة الكتاب المقدس بعهدية. ثم نضاله السياسي الذي زج فيه زجا دون ان يريد ذلك. وحزنه العميق على ابنتيه وخاصة مجدلين... حمل هذا الرجل كل هذه الأحمال الثقيلة وعانى بعض الأمراض الجسدية. كل هذا قد اضعف من صحة المصلح وقوته. وبالرغم من كل هذا كان دائما على استعداد لأن يقوم بخدمة الجميع مهما كان الامر مكلفا.
عندما أشتد النزاع بين كونتي Comtes مانسفلد البرت وادرجات. لم يحاول لوثر ان يجد عذرا لعدم الذهاب ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها المصلح لفض النزاع إذ انه ذهب قبل ذلك مع ملانكثون مرتين إلى مانسفلد لحل المشكلة العائلية.
ترك لوثر فيتمبرج في 23 يناير (كانون الثاني) 1546. لم تكن كاثي سعيدة بهذه الرحلة وخاصة عندما رأت زوجها يغادر البيت في فصل الشتاء القارس البارد وهي تعرف ان صحته الضعيفة لا تحتمل عناء السفر المضني المتعب في الشتاء. ولقد اقترح لوثر على كاثي (كاترين) ان يصطحب معه أولاده معه لكي ينتهزوا هذه الفرصة لزيارة عمهم يعقوب في مانسفلد. ووافقت زوجته فانطلقوا في طريقهم إلى مسقط رأسه. وبعد رحلة طويلة متعبة شاقة في فصل الشتاء القارس البرودة وصل الموكب في 31 يناير(كانون الثاني) أيسلبن وهناك قام لوثر يوم الأحد بخدمة الوعظ في نفس الكنيسة التي عمد فيها من حوالي 62 سنة كما انه وعظ في نفس الكنيسة في يوم 14،7 فبراير (شباط) ثم قام بسيامة خادمين جديدين. وفي يوم 14 كتب خطابا رقيقا لكاترين وكان هذا آخر خطاب يكتبه لها.
وفي يوم 16 فبراير (شباط) وصل إلى حل لمشكلات العائلات المنقسمة بسبب الميراث ووقع الجميع على عقد الاتفاق والصلح وفي نفس اليوم شعر لوثر بحالة ضعف عام في جسده وعندئذ ذهب إلى حجرته لكي يستريح. اخذ ورقة وكتب عليها هذه الكلمات.... (نحن متسولون وهذه الحقيقة)[1] وكانت هذه هي آخر كلمات كتبها المصلح العظيم بيده.
لقد استيقظ في الليل (يوم 17) على آثار آلام شديدة جدا. كان لوثر مازال يعاني من جرح قديم في ساقه كما انه كان يشكو من مرض الكلى وبعض الأمراض الأخرى. وفي الظهر تناول طعام الغذاء ومساء اليوم بدا يصلي كعادته بصوت عال أمام النافذة المفتوحة... وبعد الصلاة فاجأته أزمة سعال حادة. وعندئذ حضر الطبيب مع أصدقائه وأعطى له بعض العقاقير وبدأ يشعر بشيء من الراحة ثم نام قليلا. وعندما استيقظ في الساعة الواحدة صباحا، تكلم مع أصدقائه، ثم طلب ان يتوكأ على احدهم لكي يمشي قليلا، ثم رجع إلى سريره. وكان بالقرب منه ولداه مارتن وبولس اللذان حضرا معه من فيتمبرج وعدد كبير من الأصدقاء مثل القس يونان وكوليوس واوريفاء، والكونت وزوجته.
كان المصلح يردد من وقت لآخر بعض الصلوات وبعض النصوص الكتابية مثل "هكذا أحب الله العالم...) وغيرها. كان يتلوا هذه النصوص بالألمانية واللاتينية وكذلك كرر عدة مرات كلمات السيد "يا أبتاه في يديك استودع روحي" (لو 46:23) وكان بالقرب منه صديقه الحميم والزميل المحبوب القس يونان وهو الذي سجل للأجيال اللحظات الأخيرة من حياة المصلح. ويلاحظ الدارس لحياة لوثر ان هناك عدة نصوص لصلواته الأخيرة، وان المتخصصين في اللوثريات يعتقدون بان لوثر قد صلى فعلا عدة مرات قبل ان يلفظ أنفاسه الأخيرة. فمن المحتمل ان لوثر نطق بها كلها.
وبعد ان صلى المصلح العظيم المجاهد واحدة من هذه الصلوات العديدة التي ذكرها الكثيرون بدأ وجهه كمصباح يخفت نوره رويدا رويدا. وعندئذ اقترب منه القس جاست يونان وسأله قائلا: (أيها الأب الموقر هل تريد ان تموت وأنت معتمد على يسوع المسيح ومتمسك بالتعاليم التي علمت بها؟ فبعد ان هدأت أنفاسه قال بصوت واضح ومرتفع سمعه الذين كانوا حوله، نعم وبعد نصف ساعة من هذا الرد الواضح المسموع بدأت تخفت أنفاسه وتخمد حركته وقرب الأطباء الشمعة إلى انفه عدة مرات فأدركوا بأنه قد فارق الحياة.
انطلق الرجل إلى المجد في حوالي الساعة الثالثة صباحا من يوم الخميس الموافق 18 فبراير (شباط) 1546 في المدينة التي ولد وتعمد فيها. وهكذا مات لوثر، ولكنه وان مات يتكلم بعد.
وانتشر خبر وفاة لوثر سريعا إذ قام الأصدقاء بالكتابة إلى كاترن وإلى آخرين. ورفض الملك طلب كونت مانسفلد الذي أراد ان يدفن جسد المصلح في المدينة التي ولد فيها. وتمسك الملك بدفنه في فيتمبرج المكان الذي جعل منه لوثر منارة للإنجيل.
وسار موكب جنازة المصلح الألماني إلى فيتمبرج ولقد تعالت على طول الطريق دقات أجراس يودعونه الوداع الأخير. ووصل الموكب إلى المدينة الساعة التاسعة صباحا من يوم 22 نوفمبر (شباط) وفي فيتمبرج اقتربت جثته من باب الكاتدرائية التي علق عليها بنوده الـ95 والتي هزت قوات ذلك العصر وغيرت الأوضاع في ألمانيا وفي بلاد أخرى كثيرة.
ولقد خرجت المدينة عن بكرة أبيها شعبا واستاتذة والمنتخب وحاشيته لكي يستقبلوا ويودعوا في نفس الوقت المصلح العظيم. وألقى بوميرانوس (Pomeranus) عظة باللغة الألمانية عن الآيات التي وردت في الرسالة الأولى إلى أهل تسلونيكي (4:4-16) ثم ألقى ملانكثون عظة قصيرة باللغة اللاتينية وملخصها: (اختفت مركبة إسرائيل، اختفى قائد إسرائيل، الذي كان يقود الكنيسة التي مرت في الأيام الأخيرة بفترة حزينة. ان اكتشاف لعقيدة غفران الخطايا بالإيمان بابن الله لم يكن ثمرة الذكاء والتفكير البشري، بل ان الله نفسه الذي أقام لنا هذا الرجل لكي يعلن لنا هذه الحقيقة. فلنحفظ هذه الذكرى ولنحتفظ بهذه العقيدة... يا ابن الله يا عمانوئيل الذي صلب من اجلنا وقام تكرم واحفظ وارع واحم كنيستك).
وبعد انتهاء الخدمة رجع كل إلى منزله وقد ملأ الحزن قلوب الأصدقاء والأحباء على فراق صديق حميم وأخ محب وأب مرشد. اما حزن كاترين واولادها فقد فاق حزن الجميع. لكنهم كانوا ينتظرون جميعا رجاء القيامة حيث لا سلطان للموت فيما بعد. بقيت كاترين مع بعض من أولادها في الدير الأسود* الذي كانت تسكنه العائلة قبل موت المصلح. وبما ان لوثر لم يترك لهم شيئا من متاع الدنيا، كان على الأم الفاضلة ان تعمل بيديها لسد حاجات العائلة المادية. ولقد تركت كاترين فيتمبرج في سنة 1552 بسبب وباء الطاعون وماتت ودفنت في توركو (Torgau) ماتت بعد ست سنوات من وفاة زوجها لوثر.
اما الأولاد الستة: فان مجدولين واليزابث ماتا في سن مبكر قبل موت لوثر ومارتن لم يترك اطفاله بعد موته. واما يوحنا فقد ولدت له ابنه ومات دون ان تترك ذرية . لكن ذرية بولس ومارجريت هي التي بقيت[2].
لقد مات لوثر وبكاه أحباؤه بكاء مراً لأنه ترك فراغ عظيما في كنيسته وفي بيته لكنه ترك كنزا عظيما من الكتب فهو وان مات يتكلم بعد. ترك أيضا كنيسة تحاول ان تكون أمينة لإلهها في التمسك بالحق الإلهي والمناداة به. لقد امتدت الكنيسة اللوثرية في كل ألمانيا وفي العالم كله تقريبا. والإحصائيات الأخيرة التي اجريت في سنة 1982 تظهر بان الكنيسة اللوثرية في العالم تضم الان سبعين ونصف مليون لوثري. ولقد اتخذت معظم هذه الكنائس وكونت ما يدعى بالاتحاد اللوثري العالمي ومركزه جنيف وهو عضو أيضا في مجلس الكنائس العالمي.
هل كان يعلم البابا ليون العاشر عندما وقع صك حرمان لوثر في 3 يناير 1521 بأنه يوقع في نفس الوقت على صك خروج ما يقرب من ثلث المسيحيين من الكنيسة الكاثوليكية الذين عرفوا فيما بعد بالكنيسة البروتستانتية؟




هوامش الفصل الثاني والعشرون


[1] A. Greiner, P. 197.
* سمي بالدير الأسود لأن الرهبان الاغسطينيين الذين كانوا يسكنون فيه كانوا يلبسون ملابس سوداء.
[2] Singmaster P. 123.











الفصل الثالث والعشرون
نماذج من تعاليم لوثر
للأعلى
وان كان المجال لا يسمح بعرض كل التعاليم والنظريات التي نادى بها المصلح لأنها كثيرة ومتشعبة فأننا سنكتفي هنا بان نقدم نماذج فقط من تعاليمه وحتى في معالجتنا لهذه النماذج سنضطر إلى معالجتها بطريقة موجزة جدا، ولنبدأ بمفهوم لوثر عن شخص المسيح (Christology).

مفهوم الكرستولوجي:
يحتل شخص الرب يسوع المسيح مكانة هامة جدا في تفكير وتعاليم المصلح الألماني. فيسوع هو الذي خلصنا من خطايانا وصالحنا مع الآب الغاضب ولقد تمت المصالحة لا لأن الإنسان عمل أعمال بر وعلى رضى الله، بل لأن شخص المسيح قد مات بدل الإنسان الخاطئ. ولا مجال للشك في ان ميلاد المسيح وموته حادثتان حقيقيتان ولكن لوثر ينبر في كل كتاباته وعظاته وتعاليمه على ما هو أهم من معرفة ان المسيح يسوع ولد وعاش وعمل بعض المعجزات ومات ودفن وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء...
هو ان يعتبر الإنسان ان كل هذا قد حدث فعلا ولكنه حدث من أجله شخصيا[1] وعليه ان يقبل هذه الحقيقة بالإيمان والسامع والقارئ الانجيل.
وفي كلامه عن الإيمان يقدم لنا نوعين من الإيمان:
النوع الأول:
الإيمان التاريخي: أو إيمان المعرفة العقلية أي ان الإنسان الذي يسمع الانجيل ويعرف تاريخ السيد وحياته، يعرف ان يسوع ولد من مريم العذراء ويعرف أين عاش وكيف عاش وانه مات وقام الخ.. فإذا اكتفى بهذه الحقائق فقط أي المعرفة التاريخية، فهذه المعرفة التاريخية العامة لا تقوده إلى الخلاص. فان كثيرين من الأشرار يعرفون ذلك وحتى الشياطين يعرفون هذه الحقيقة "الشياطين يؤمنون ويقشعرون" (يع 19:2)[2].
النوع الثاني:
فهو لا يتوقف فقط على المعرفة التاريخية لكنه يرى يسوع التاريخ حقيقة في حياتنا، بمعنى الاعتراف به وقبوله سيدا ومخلصا شخصيا وهنا يجب عدم الفصل بين المسيح العامل وبين أعماله. فان الأعمال التي قام بها المسيح في الماضي في زمن معين وفي مكان معين، لكنه مازال حاضرا بشخصه ومازالت أعماله مستمرة حتى الآن فالمسيح الذي ولد من عذراء وعاش على الأرض وصلب وقام: عمل كل هذا من اجل الإنسان وحبا فيه. فان مجيئه على الأرض لا يعني انه قام برحلة سياحية أو ترفيهية، بل جاء لكي يخلص الإنسان، جاء لكي يبذل نفسه فدية عن كثيرين (مز45:10) هذا سبب مجيئه[3].
ففي نظر لوثر تكمن أهمية ما قام به المسيح في انه قام بها من أجلنا- هذا ما شدد عليه أيضا- كارل بارت.
وفي كلامع عن السيد وعن ضرورة قبوله كالمخلص الشخصي، حاول ان يعالج مشكله تعرض لها أهل عصره كما يتعرض لها كثيرون في العصر الحاضر، وهي محاولة اقتفاء اثر خطوات يسوع المسيح أو اتخاذه كمثال. ولقد عارض المصلح الألماني هذه الفكرة فقد حاول الناس في أيامه ان يتبعوا أثار خطوات السيد بطريقة حرفية فامتنعوا عن الزواج أو تركوا عائلاتهم بل تطورت الفكرة حتى ان البعض كان يجلد نفسه يوم الجمعة الحزينة من كل عام مع ان السيد لم يجلد نفسه....
هكذا علم البعض في عصره بهذه التعاليم، كما ان كارلستادت علم بأنه يجب على الإنسان ان يطهر نفسه من الأمور العالمية قبل حلول الروح القدس عليه...
رفض لوثر هذه الأفكار وعلم بان يسوع المسيح هو عطية الله. وعندما نقبل هذه العطية بالإيمان من يد الله نصير خليقة جديدة، وعندئذ فقط نستطيع ان نتخذ يسوع مثالا لنا لكي نتبع آثار خطواته. ونلاحظ هنا خوف لوثر المستمر من فكرة التبرير بالأعمال. فهو يخشى ان يعتقد الإنسان الذي يريد ان يتمثل بيسوع في حياته ان قيامه بهذا العمل يعتبر عملا استحقاقيا ينال عن طريقه الخلاص. والمؤمن لا يتبع يسوع لكي يخلص، بل يتبعه لأنه خلص بالإيمان الذي هو عطية الله المجانية.
وبما اننا في مجال الحديث عن الخلاص يجب ان نسأل هذا السؤال. فهو يقدم لنا صورة لله الغاضب على شر الإنسان [4]. والخطية في مفهوم لوثر ليست مجرد كسر الناموس أو الوصايا العشرة فحسب، بل ان الخطية هي نسيان الله. فالإنسان ينسى الله ويقيم نفسه إلها وهذا هو الشر بعينه الذي جعل الله يعلن غضبه (رو 18:1)[5].
فالله يعلن غضبه على شر الإنسان، والإنسان لا يريد ان يعرف هذا أو حتى يسمعه. كانت صورة الله في مخيلة لوثر قبل ان تتعامل معه نعمة الله صورة الإله الديان الذي لا يرى الإنسان الا في خطاياه و آثامه وبعده عنه. ولكن بعد ان افتقدته النعمة اكتشف ان هذا الإله العادل المنتقم هو اله محب ورحيم أيضا. ولذلك كتب يقول: (وعندما رأى الآب الرؤوف أننا متعبون ومرهقون من ثقل الناموس، ومحروسون تحت لعنته ولا يوجد من يخلصنا من قبضته أرسل ابنه للعالم فحمل كل خطايانا... وقال له وف أنت عدلي...)[6].
فيسوع اخذ مكان الخاطئ أي ان البار القدوس والذي بلا خطية جعل خطية والخاطئ الشرير أصبح بارا وهذه عملية المبادلة[7] كما يقول الرسول بولس (2كو21:5).
ولقد شدد لوثر على ان المبادلة ليست عملية خيالية أو تمثيلية بل هي حقيقة، فان يسوع وقد صار نائبا عن الإنسان الخاطئ تحمل غضب الله وتجرع الكأس حتى الثمالة: فان المسيح اجتاز فعلا في كل الآلام وتحمل كل العقاب الذي كان معلنا على كل أثيم خاطئ، اخذ المسيح مكان الخاطئ... وقد رأى الله المسيح وقد حمل كل خطايانا فحجب وجهه عنه[8].
ويرى لوثر ان الألم التي مر بها المسيح لم تكن آلاما، بل كانت آلاماً نفسية أيضا. وعندما يتعرض لشرح المزمور 22 وبخاصة العدد الأول* ( الهي الهي لماذا تركتني) فهو لا يتفق مع المعلمين الذين يقولون بان المسيح لم يشعر بان الآب قد تركه حتى يطلب منه بان يرجع إليه بل شعر انه حرم من العون الإلهي فقط، يرفض لوثر هذا المفهوم، لأنه يعتقد بان الله قد تركه وحيدا محتملا كل دينونة خطايانا. لهذا السبب صرخ قائلا: (الهي الهي لماذا تركتني)[9] (اش1:53-12، 2كو 21:5، غلا 3:3).
فان كان لوثر يقدم لنا المسيح حاملا خطايا العالم كله، محتملا غضب الله المعلن على فجور الناس وإثمهم، فانه لا يرى يسوع وقد تملكه اليأس والخوف والاضطراب، وبدأ في التجديف على الآب الآمر الذي كان يمكن ان يحدث مع أي واحد منا، وعلى العكس يرى يسوع- رغم ثقل الحمل- واثقا في محبة أبيه له وللعالم[10].
لقد تحمل يسوع آلام الخطية والموت ودينونة الله للخطية. على ان الخطية والموت لم يستطيعا ان يسحقا ذاك الذي أراد ان يكون بديلا عن الإنسان: أي يسوع بل العكس هو الصحيح فان الابن قد استطاع ان يكسر شوكة الموت ويغلب الهاوية (1كو 54:15) لا بل امسك بزمام الحياة الأبدية[11] لكي يعطيها لمن يقبله مخلصا وفاديا. ان عملية الفداء لا تعني ان المسيح قد منح الإنسان الخاطئ التائب والمعترف بالإيمان الخلاص فقط، بل قد أعطاه نفسه أيضا. وبناء عليه فالمسيح صار محررا لنا وملكا علينا[12] وبذلك أتت بنا عملية الخلاص إلى علاقة جديدة بين المسيح والإنسان وحياة جديدة في المسيح.
وكما ان لوثر تكلم عن أعمال المسيح، فقد تكلم عن شخص المسيح أيضا. فمن هو يسوع المسيح في مفهوم لوثر؟
تمسك لوثر في كتاباته وتعاليمه بالكتب المقدسة، كما انه تمسك أيضا بآراء الآباء وبأقوالهم. فلقد اتفق مع الكنيسة الأولى في عقيدة التجسد. يسوع المسيح هو اله حق وانسان حق: رأى فيه إنسانا كاملا.
كان يسوع الناصري إنسانا مثل كل إنسان، ولا يجب بأي حال من الأحوال فصله عن الإنسان الا فيما يختص بالخطية والنعمة[13]. إذ انه كان بلا خطية وهو الوحيد الذي استطاع ان يقول: (من منكم يبكتني على خطية) (يو 46:8) كما انه كان مملؤا نعمة وحقا(يو 14:1) ففي طفولته كان طفلا كبقية الأطفال، وبما انه توجد أطفال أذكياء ومتوسطي الذكاء وأغبياء، فان يسوع كان طفلا ذكيا[14] كان ينمو في القامة والحكمة (لو42:2)[15] وكان يتصرف في حياته اليومية كما يتصرف أي طفل آخر. كان يطيع أمه وينفذ أوامرها بمحبة وخضوع[16] كان إنسانا حقيقيا جاع فأكل عطش فشرب فرح وحزن وتألم بما يتألم به الناس، لقد كان فعلا إنسانا حقيقيا. على انه كان يعمل كل هذه الأشياء التي تتطلبها حاجات الإنسان بحرية[17]. ثم يعلم لوثر بان يسوع كان روحا وجسدا، من لحم ودم مثل إبراهيم[18] وعندما يتكلم لوثر عن الروح فانه يريد بذلك ان الهرطقة التي ظهرت في القرن الرابع والتي علم بها الأسقف أبو لوناريوس فحواها: ان يسوع المسيح لم تكن له روح بشرية عاقلة مثل كل الجنس البشري بل ان اللوغس كان قد حل فيه محل الروح* كان المسيح إذا إنسانا وإنسانا كاملا على ان يسوع المسيح لم يكن مجرد إنسان فقط بل كان الله أيضا.[19] لأنه (عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد) (1تيمو 16:3) ان الإنسان يسوع لم يكن أولا إنسانا وصار فيما بعد إلها بل ان الله العظيم السامي تنازل وصار إنسانا لكي يخدم الإنسان بل صار عبدا [20]. ثم رجع لوثر إلى الصورة المزدوجة التي استعملها القديس بولس الرسول في وصف تنازل الابن ورفعته فقد تنازل حتى صارا عبدا، وبعد هذا التنازل رفعه الله أو بالمعنى الأصح عاد إلى المكان الذي كان فيه سابقا ومنه جاء وهو مكان السمو والمجد (في 5:2-11)
فالشخص الذي تألم هو الله نفسه، الذي جاء إلى أرضنا ولبس بشريتنا وأصبح واحدا منا[21] فانه هو الكلمة الذي كان مع الآب منذ البداية.
(هذا كان في البدء عند الله، كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان...) (يو 2:1-3). ان الذي لا يعترف بهذه الحقيقة هالك.. لأنه لا حياة بغير المسيح[22] فهو الذي غلب الهاوية والموت والخطية فهو إذا الله بالطبيعة.
وبما ان لوثر تكلم عن لاهوت وناسوت المسيح فقد تكلم عن اتحادهما أيضا. وهو يعتقد ان تحاد الطبيعين كان اتحادا قويا ووثيقا، لدرجة ان الواحد كان يشترك في خواص الاخر. فان الكتاب ينسب ما هو خاص بالواحد إلى الآخر، بسبب هذه الوحدة القوية. فان ما كان يحدث للناسوت كان يشعر به اللاهوت وبالعكس. وان كل طبيعة من الطبيعتين تشترك مع الآخر في خواصها وهذا ما يسمى في تاريخ الفكر المسيحي بنظرية (La Communication des Idiomes) ولقد قبل لوثر هذه النظرية: نظرية الاشتراك في الخواص.
وبما ان اللاهوت والناسوت هما طبيعتان متحدتان معا في الأقنوم الثاني، وبما ان الطبيعة البشرية، الإنسان تألم ومات. فيكون القول أيضا بان الجزء الاخر من الاقنوم الذي هو اللاهوت تألم فاننا نقول جرح ابن الملك مع ان الذي جرح في ابن الملك هو ساقه فقط[23] وهذا يمكن تطبقه على اللاهوت والناسوت. فمع ان الذي تألم ومات هو الناسوت وحده فاننا نقول صوابا بان ابن الله قد صلب ومات[24] كما نقول ان الكلمة ولد في المذود.. ان الذي خلق كل الأشياء رضع ثديين ونام.
من هذه الأمثلة المذكورة يلاحظ القارئ ان تعليم لوثر تتفق كثيرا وتعاليم الإسكندرية، إذ ان مدرسة الإسكندرية تكلمت عن موت الله في الجسد وكذلك عن سيطرة اللاهوت بطريقة تكاد تكون مطلقة على الناسوت واما مدرسة انطاكيا فقد رفضت هذا المفهوم ولم تقبل ان تنسب الموت أو الآلام الله بل الإنسان يسوع* وهنا بدا الصراع العنيف بين انطاكيا وبين الإسكندرية على المشكلة الكرستولوجية.
العشاء الرباني أو الفخارستيا:
علمت الكنيسة الكاثوليكية منذ زمن بعيد بعقيدة التحول أو التغيير الكلي. فهي (تؤمن بان الخبز والخمر يتحولان إلى جسد المسيح الحقيقي ودمه الحقيقي بعد ان ينطق الكاهن بالصلوات الخاصة بالتغيير. فان مادة الخبز والخمر تتحول بعد الصلاة التي تدعى الصلاة الجوهرية بطريقة معجزية وسرية إلى جسد المسيح (دمه ولحمه) وهذه العملية تسمى بالتحول أو التغيير (Iranssubstanti ation) ويمكن ترجمة هذا الاصطلاح إلى العربية بالقول تحول أو تغيير وليس (استحالة) الخبز والخمر إلى جسد ودم يسوع المسيح وبدراسة هذا الاصطلاح لغويا يمكننا القول بان مادة الخبز والخمر تحولتا جزئيا إلى جسد يسوع. فمع ان الخبز والخمر يظلان حسب الظاهر خبزا وخمرا ولا يفقدان أي شيء من خواصهما الطبيعية لا في الطعم ولا في اللون لأنهما تحولا بطريقة معجزية إلى دم ولحم يسوع المسيح... فجسد المسيح حل محل هذا الخبز وهذا الخمر....).[25].
هذه هي نظرية التحول أو التغيير الكلي والجزئي للخبز والخمر. ولكن ظهر في بداية القرن الحادي عشر نظرية أخرى تنادي بالحضور المزدوج. (La Conssubstantiation ou L' impanation) ومن الذين نادوا بهذه النظرية برانجر (Berenger) وكان ظهور هذه النظرية عاملا دفع مجمع روما الذي عقد في 1079 في وضع بعض التحديات والتفاصيل العقائدية الخاصة بالتغيير أو التحويل في الافخارستيا. ولقد علمت مدرسة اسكوت بنظرية الحضور المزدوج وهذا التعليم لم ترفضه الكنيسة إجمالا. وربما لهذا السبب نرى (بطرس الائي) (Pierr d'ailly)ينادي بهذه النظرية في سنة 1215.
ونظرية الحضور المزدوج تعلم بان المسيح يحل في الخمر والخبز، بطريقة فعلية وحقيقة حرفية، على ان هذا الحلول لا يعتبر حلولا بدليا بل يعتبر حلولا ازدواجيا، لأن حلول المسيح في هاتين المادتين الخبز والخمر لا يلاشي بأي حال من الأحوال الخبز والخمر. فالخبز مازال خبزا والخمر مازال خمرا بعد التقديس كما كانا قبله. على ان الكنيسة الكاثوليكية أعلنت سنة 1215 تمسكها بعقيدة التحول الكلي. وكذلك شددت عليه في مجمع ترانث في القرن السادس عشر.
وفي 1381 أي قبل ان يولد لوثر بحوالي مائة سنة تقريبا قام المصلح يوحنا ويكليف (John Wicliffe) في جامعة أكسفورد بتقديم 12 بندا للمناقشة وهي خاصة بموضوع الافخارستيا. ويحتوي أول بند من هذه القائمة على الجملة التالية: (ان القربان الذي نراه على المذبح ليس هو المسيح ولا أي جزء منه بل هو عبارة عن علامة منه، لها تأثيرها) [26] ولقد حكم على هذا المصلح وعلى تعاليمه بالهرطقة.
ولنرجع الآن إلى لوثر ومفهومه لهذه العقيدة: يبدوا ان المصلح قبل فكرة الحلول المزدوج تدريجيا[27] وبعد ذلك علم بها ودافع عنها. ويمكننا ان نلاحظ هذا بسهولة في موقفه من المصلح السويسري زونكلي وكارلستادت والواعظ الهولندي هونيوس (Honius) فان هذا الأخير قد جاء إلى مقاطعة الالزاس وسويسرا لكي يعلم بنظريته الخاصة بالتفسير الرمزي لكلمات المسيح في العشاء الرباني. وفي ذلك الوقت لم يكن كارلستادت على وفاق مع لوثر في بعض تعاليمه الخاصة بالعشاء الرباني كما ان زونكلي لم يقبل أيضا تعاليم لوثر في نفس الموضوع وعندما سمع الشعب وعظ كارلستادت وهونيوس بدا التساؤل. ثم كتب أهل استراسبورج خطابا إلى المصلح لكي يوضح لهم هذه المشكلة، في رده عليهم في سنة 1524 شرح لهم عقيدة الخاصة بالحلول المزدوج، على ان موضوع العشاء الرباني لم يشغل باله بطريقة جديدة وعملية إلا في سنة 1529ن عندما حاول حاكم مقاطعة هس فيليب، توحيد المصلحين لكي يكونوا جبهة واحدة للدفاع المشترك. وقد أراد ايضا توحيدهم عقيديا ولهذا السبب فقد دعى لعقد مجمع لحل بعض المشاكل السياسية والعقائدية تعمل على تفتيت صفوف الإنجيليين أنفسهم.
في هذا المؤتمر اظهر لوثر روح التمسك لا بل روح التعصب الشديد ضد الذين كانوا لا يتفقون معه في نفس الفكر، أي بالحضور الحرفي لشخص المسيح في الخبز والخمر. لقد علم كل من كارلستادت وزونكلي وهونيوس بأن فريضة العشاء الرباني هي عبارة عن ذكر لموت وقيامة الرب. وحضور المسيح في الجماعة المجتمعية حول الخبز والخمر.
فما هو مفهوم لوثر بالضبط في الافخارستيا؟ تعرض لوثر لشرح هذه العقيدة في أماكن كثيرة من كتاباته وعظاته. ولقد سبق ان اشرنا إلى كتابه الذي يدعى "أسر الكنيسة البابلي" والذي تكلم فيه عن فريضة العشاء الرباني.
كان لوثر متمسكا شديدا بنظرية الحضور المزدوج ويعتقد الكثيرون من العامة بان لوثر كان هو أول من نادى بنظرية الحضور المزدوج. ولكن سبقت الإشارة إلى هذه النظرية لم تكن من اختراع المصلح ولكنها معروفة في الكنيسة الكاثوليكية لا بل علم بها بعض القادة الكاثوليك. وانطلاقا من هذه النظرية أراد المصلح الألماني ان يتخلص من عقيدة التحول أو التغير (Iransuubstantiations) ونادى بعقيدة الحلول المزدوج (Conssuhstantiation) ولكي يثبت عقيدته في الحضور الحقيقي رجع إلى النصوص الكتابية الآتية: (متى 26:26-29، مر 22:14-25، لو 15:22-20، 1كو 23:11).
وبما انه حاول تفسير هذه النصوص بطريقة حرفية فقد رأى انها سهلة وبسيطة لدرجة ان طفلا صغيرا يمكنه ان يفهمها بسهولة وبلا عناء. (Greiner 171-172) فقد علم بان المسيح حاضر فعلا وحرفا في الخبز وفي الخمر. ولقد حاول المصلح ان يعرف حضور الله فهو يؤمن ان الله حاضر في كل مكان (Omnipresence) فهو الذي يملأ السماء والأرض الا ان هذا الحضور سطحي وبلا فاعلية لأن الذين لا يعرفون الله لا يدركون حضوره. الله حاضر في المسيح وفي الكنيسة وفي الخدمة وعند إعلان الإنجيل يكون المسيح حاضرا لأنه يوجد حيث يوجد الله الآب أو أنه يشترك معه في كل الصفات الإلهية. ولكنه حاضر بصفة خاصة في الخبز والخمر[28] وقد رفض لوثر تفسير هذا الحضور بطريقة رمزية أو مجازية أو استعارية رفضا باتا، وقال انه يجب ان نقبل هذه الحقيقة بالإيمان وأن نقبلها حرفية، كما نطق بها يسوع المسيح الذي قال "خذوا كلوا هذا هو جسدي هذا هو دمي" (مر22:14-26) ويشدد لوثر على فكرة نتناول الخبز والخمر: لا الخبز فقط كما هو متبع في الكنائس الكاثوليكية، وبما أنه لا يوجد في الكتاب المقدس ما ينص على ان الخبز ليس جسد المسيح يجب علينا إذن ان نقبل كلام السيد بكل بساطة كما نطق هو، فلا يجب ان نغير الكلام بل نقبل حقيقة ان الخبز هو جسد المسيح وقال لوثر: (... انني واثق تماما بان الله لا يكذب، وبما ان كلمته تعرفنا ان جسد ودم يسوع موجودان في هذه الفريضة فيجب تصديق هذا الأمر) ومن هذا النص ومن نصوص أخرى كثيرة يبدو لنا جليا اعتقاد لوثر بوجود المسيح الفعلي والحرفي في الخبز وفي الخمر.
وهنا قد نتساءل ما الفرق اذن بين مفهوم الكنيسة الكاثوليكية ومفهوم لوثر؟ سبق ان شرحنا ان الكنيسة الكاثوليكية تعتبر الخبز والخمر غير موجودين بعد عملية التقديس إنما الموجود فعليا هو جسد ودم يسوع. وأما لوثر فقد علم بان الخبز والخمر موجودان، والجسد والدم يحلان فيهما وبحسب مفهومه عندما نتناول العشاء الرباني نتناول جسد الرب ودمه في هذا الخبز الذي مازال خبزا وهذا الخمر الذي مازال خمرا. فلم يطرأ عليهما أي تغيير. وهذا هو الحضور المزدوج.
ولكي يشرح هذه العقيدة: عقيدة الحضور المزدوج، رجع لوثر إلى مشكلة التجسد لكي يتخذ منها مثالا. فعندما تجسد ابن الله في يسوع وعندما حل اللوغس (اللاهوت) في الناسوت فان ابن الله لم يتجرد من لاهوته لكي يصير إنسانا. وهذا لا يعني بان الناسوت تغير إلى اللاهوت. فلقد احتفظت كل طبيعة من الطببعتين بخواصهما دون أدنى تغيير أو تبديل. لدرجة انه كان من الممكن القول بان هذا هو الله أو هذا الإله هو إنسان[29] . هذا هو الافخارستيا بحسب مفهوم لوثر.
وهناك فرق بين مفهوم الكنيسة الكاثوليكية في ذلك العصر ومفهوم لوثر. فالكنيسة اعتقدت بان الافخارستيا هو سر (فريضة) من الأسرار التي يمكن للإنسان عن طريق ممارستها الحصول على الخلاص.
أما لوثر فاعتقد بان هذه الفريضة، وممارستها بدون إيمان لا تؤدي إلى الخلاص بأي حال من الأحوال. هنا يحاول لوثر ان يجرد هذه الفريضة من الهالة العظيمة التي كللت بها كنيسة العصور الوسطى فريضة الافخارستيا والتي مازالت بقاياها حتى الآن. ان فاعلية هذه الفريضة لا تكمن في ممارستها بل تتوقف على إيمان الشخص نفسه الذي يشترك في هذا العشاء الرباني. فمثلا في الكنيسة الأولى كان الرسل يعمدون البالغين. وهذا يعني ان المعمدين لم ينالوا الخلاص عن طريق المعمودية، بل ان الرسل كانوا يعمدون هؤلاء الذين آمنوا أولا بشخص الرب يسوع المسيح، وكانوا يعمدونهم على أساس اعترافهم بقبول الرب يسوع كمخلص. فالعماد، بحسب المفهوم الرسولي، لم يكن بمنح الخلاص بواسطة إيمانهم واعترافهم بيسوع المسيح. وهذا ما يمكن تطبيقه أيضا على العشاء الرباني. فكما كانت فاعلية العماد في العصر الرسولي تتوقف على إيمان المتعمد كذلك أيضا فان فاعلية العشاء الرباني تتوقف على ايمان المشترك فيه وليس على الفريضة نفسها أو على من يقوم بتقديمها. وهنا يلتمس لوثر نقطة في غاية الأهمية وهي ان حضور المسيح في الخبز وفي الخمر لا يتوقف على ممارسة هذه الفريضة ولا على قراءة بعض النصوص الكتابية فقط بل على ايمان الإنسان الذي يطلب هذا الحضور بثقة وإيمان- أولا- في قلبه. فالإيمان لا الفريضة هو العامل الأساسي[30] فبالإيمان، الذي هو عطية الله، يصبح الخبز والخمر قناة يمر بها المسيح إلى قلوب الناس، ويقتبس لوثر قول القديس اغسطينوس: (لماذا تعد بطنك وأسنانك؟ آمن فقط فأنت قد اشتركت في الفريضة)[31] .
وهذا يقودنا إلى نقطة أخرى في مفهوم لوثر والكنيسة الكاثوليكية. فان هذه الأخيرة قد أعطت أهمية عظيمة للعناصر، لأنها طبعا تعتقد بأنها تتحول إلى جسد ودم المسيح، لدرجة عبادتها، حتى بعد القداس. اما لوثر فهو يعتقد بأن أهمية الفريضة قائمة ساعة ممارستها لإعلان الكلمة. لأن المسيح حاضر في كلمته التي نطق بها (لأنه اذا اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم) (مت 20:18).
وهناك ملاحظة أخرى، وهي ان فريضة العشاء الرباني ليست ذبيحة. لأن المسيح قدم نفسه مرة واحدة كذبيحة كفارية عن العالم (عب11:9-14) واما الذبيحة التي يجب ان يقدمها المؤمن فهي ذبيحة الحمد والشكر. هذه هي ذبيحة العهد الجديد. التي كاهنها كل مؤمن (كاهنا أم علمانيا).
ولم يعترف لوثر بشرح حضور المسيح في الخبز والخمر بطريقة علمية أو منطقية، ويقر انه يجب ان نقبلها بالإيمان والإيمان وحده هو الذي يساعد المؤمن على إدراك حضور المسيح في الخبز والخمر. ففي العشاء الرباني نجد الشركة المقدسة والرابطة القوية التي تربط أعضاء الجسد الواحد بالرأس الذي هو الرب يسوع المسيح، رئيس الكهنة العظيم.
ان ما عرضناه هنا لا يعتبر الا عينات موجزة جدا من تعاليم المصلح الألماني، لعلها تكون حافزا للكثيرين لدراسة حياة وتعاليم لوثر. وكم نتمنى ان يتناول عدد من الكتاب والمعلمين (اللاهوتيين) في بلادنا العربية من كل الطوائف، كاثوليكية وأرثوذكسية وإنجيلية هذا الموضوع والكتابة فيه بطريقة علمية واعية مدروسة، هادئة وخالية من النقد، الذي هدفه النقد والتجريح فقط، بل تقديم النقد الذي للبناء في المحبة.
وهذا ما قام به كثير من العلماء والمعلمين (اللاهوتيين) الكاثوليك في أواخر السبعينيات من هذا القرن اذ قدموا عن حياة لوثر وتعاليمه أبحاثا دلت على عمق في التفكير وجدية ونزاهة في الاقتباسات واستعمال المراجع ومحايدة صادقة وأمينة. وكانت انتقاداتهم تخلوا من اللطف والرقة والأدب وقد خلت من الملق الرخيص الزائف. وكان ومازال لهذه الجماعات من العلماء الكاثوليك والمتخصصين في الدراسات اللوثرية التأثير العميق على الأوساط الكاثوليكية والبروتستانتية مما أدى إلى التطور الملحوظ في العلاقات المسكونية فقط على مستوى المؤتمرات والحوار العالمي والدولي والمنطق، بل أيضا على مستوى علاقات الكنائس المحلية التي تعيش في مدينة أو قرية واحدة لدرجة ان الكاهن الكاثوليكي والقسيس الإنجيلي يقومان حاليا بعمل إجراءات لممارسة خدمة الزواج معا للمتزوجين الكاثوليك والإنجيليين وكذلك ايضا فيما يخص العماد لطفل من والدين مختلفي الطائفة وكذلك في ممارسة العشاء الرباني (الافخارستيا). ونأمل ان هذا الروح، روح مجد المسيح يسوع وسيادته فوق الطائفية تسيطر على قلوبنا وعلى أفكارنا وحياتنا وعندئذ لا نرى الا يسوع وحده، لأنه هو وحده الذي يستطيع ان يعطينا النور الذي به نستطيع ان نراه أيضا في المؤمنين الحقيقيين في كل كنيسة وطائفة.



هوامش الفصل الثالث والعشرون


[1]WA 12, 285,9.
[2] WA 12, 285-6, 9.
[3] WA 10, 1,1, 20, 1.
[4]WA 10, 111, 127, 5.
[5] WA 40, 172, 27.
[6] WA 40, 437, 25.
[7] WA 40, 438, 1.
[8] WA5, 603, 14.
* سبق ان عرفنا بأن لوثر قد وصل بنعمة الله اكتشافه العظيم لعملية التبرير بالإيمان عند دراساته للمزامير ورومية. بدأ في شرح المزامير أولا في سنة 1513-1514.
[9] WA5, 621, 40.
[10] WA5, 604, 23.
[11] AW10, 1, 2, 221, 26.
[12] WA10, 1, 2, 231.

[13] WA10, 1, 1, 67, 17.
[14] WA44, 5, 16.
[15] WA, 10, 10, 1, 599, 1, 1, 446.
[16] WA37, 257. 14-19.
[17] WA17, 11, 249, 6.
[18] WA7, 593.3.
انظر كتابنا المجلد الأول الدكتور حنا جرجس الخضري. (يسوع المسيح عبر الأجيال) ص667-676 ثم المجلد الثاني الذي سيظهر قريبا.
[19] WA7, 599,3.
[20] WA11, 148, 14.
[21] WA10, 1, 1, 143, 14.
[22] WA10, 198, 17; WA. 40, 111, 704.
[23] WA26, 320, 21-29.
[24] WA40, 111, 721, 27; 704.
* انظر كتابنا المجلد الثاني الذي سوف يظهر قريبا: (يسوع عبر الأجيال).
** سبق ان اشرنا بخطأ استعمال كلمة استحالة. ويفضل ان نستعمل كلمة تحويل أو تغيير (انظر صفحة 169 من هذا الكتاب).

[25] د. حنا جرجس الخضري "تاريخ الفكر المسيحي" المجلد الأول، ص326
[26] Strohl, Sa vie.. 206.
[27] D. J. Deane P. 85, 887. Congar P. 86.
[28] WA.30, 223, 388.
[29] WA. G. S11; 7. Congar. 89; Vajra, 93.
[30]
[31]





الفصل الرابع والعشرون
موقف الكنيسة الكاثوليكية والعلماء الكاثوليك من لوثر الآن؟
للأعلى
لقد أصدر البابا ليون العاشر في يوم 15 يونيو(حزيران) عام 1520 صكا يهدد فيه لوثر بالحرمان. وفي يوم 3 يناير (كانون الثاني) عام 1521 أصدر فعلا صك الحرمان ضد لوثر وأصبح الراهب لوثر، من هذا التاريخ محروما. فما موقف الكنيسة الكاثوليكية حاليا من المصلح لوثر؟ ولكي نجيب على هذا السؤال يجدر بنا ان نرجع إلى التاريخ الذي سجل لنا ردود الفعل للحركة اللوثرية داخل الكنيسة. ويسجل لنا التاريخ موقفين على الأقل للكنيسة الكاثوليكية إزاء لوثر والإصلاح.
1. موقف النقد اللاذع والرفض الكامل: فالابتعاد.
2. موقف الدارس المحايد والباحث الأمين: فالتقارب.

لقد ظهرت بعض الكتب التي كانت هاجمت لوثر وتعاليمه في حياته وبعد موته. وأهمها كتاب كتبه كاهن كاثوليكي ألماني يدعى يوحنا كوكلاوس (Jean Cochleaus) وظهر هذا الكتاب سنة 1549 أي بعد ثلاث سنوات من موت لوثر. وكان هذا الكاهن من أتباع مذهب "الإنسانية" (Humanism) ولقد تعاطف بداية الامر مع لوثر الا انه سريعا ما انقلب ضده وانضم إلى واحد من ألد أعدائه وهو يوحنا آك. وقد لاحظ كوكلاوس أن عددا كبيرا من الكاثوليك كان يؤمن بان لوثر كان رجلا تقيا وصالحا. ولهذا السبب كتب كتابه هذا[1] لكي يعطي صورة أخرى عن المصلح ففي وصفه له استخدم الأسلوب الذي كان يستخدمه أهل عصره أي أسلوب الهجاء اللاذع القاسي غير اللائق أدبيا. فقد قال فيه: (... ابن شيطان يسكن فيه إبليس، وقد امتلأ بالكذب والكبرياء، كان حقده وغيرته على تتزل هما السبب في احتجاجاته وثورته... كان سكيرا وشهوانيا، كان مجردا أيضا من الضمير وبناء عليه فقد استخدم كل الوسائل واستحسنها... فهو رجل كذاب... مرائي... جبان... مشاغب... وليس فيه نقطة واحدة من الدم الألماني)[2]
هذه هي الصورة التي رسمها الكاهن كوكلاوس للراهب الاغسطيني لكي يصحح بها، كما اعتقد الأفكار غير الصحيحة التي انتشرت في عصره عن لوثر على انه رجل تقي وصالح. ولقد استطاع كوكلاوس لا لأن يصحح الصورة في أذهان معاصريه، بل ان يعطي صورة سوداء مشوهه غير حقيقية قد لصقت في أذهانهم وأذهان الأجيال التالية ضد المصلح الألماني. كما سنرى ذلك فيما بعد، والأثر الذي تركه هذا الكتاب على مر العصور والأجيال على الكنيسة الكاثوليكية.
وبما ان الوقت والمكان لا يسمحان لنا بتتبع تطور موقف الكنيسة الكاثوليكية من لوثر منذ عصر الإصلاح إلى الآن. فإننا نكتفي بتحليل موقف الكنيسة الكاثوليكية من لوثر في القرن العشرين.
سبق الإشارة بان كتاب كوكلاوس ترك في الكنيسة الكاثوليكية تأثيرا عميقا وعداوة مستديمة ضد المصلح الألماني، واستمرت هذه العداوة أجيالا طويلة. وهنا يظهر من جديد تلميذ متحمس لكوكلاوس وعدوٍ لدود للوثر وهو هنريش دانيفل (Heinrich Denifle) وهو عالم دومينيكاني كتب مجلدا ضخما (حوالي 860 صفحة) ظهر في مدينة مانيس (Maxence) في ألمانيا سنة 1904 ثم ترجم إلى اللغة الفرنسية سنة 1910-1913) تحت عنوان (Luther et Le Lutheranisme) لوثر واللوثرية وفي معرض كلامه عن المصلح اتبع نفس الأسلوب الذي نهجه كوكلاوس ويمكننا ان نلخص في نقطتين الأولى هي ان لوثر شخص مغامر مخاطر والثانية أنه لم يكتشف أي شيء جديد لا في التعليم ولا في الاختبار. ثم وصفه بأنه "بهلوان" جاهل متكبر.. مضطرب.. نفسيا.. مرائي.. فاسد الأخلاق.. ولم يستطع ان يقوم بواجباته كراهب فترك الدير وألقى بنفسه في هذه المغامرة البائسة. وبهذا جدد دانيفل ثورة كوكلاوس ضد لوثر. ولقد خاطب لوثر قائلا: (لا يوجد فيك أي شيء الهي..) ثم حث الشعب الكاثوليكي بالقول: (تخلصوا من لوثر وارجعوا إلى الكنيسة).ولقد ترك هذا الكتاب تأثيرا سيئا جدا في الأوساط البروتستانتية.
وجاء بعد دانيفل الدومينيكاني مناضل آخر مضاد للوثر هو هارتمان جريزار (H. Grisar) وهو يسوعي وكان أستاذا في جامعة ينسبروك بألمانيا من سنة 1871 حتى 1895 وألف ثلاث مجلدات تزيد على 2600 صفحة بعنوان "لوثر" ولم يتسعمل الأسلوب الجاف القاسي في هجومه على لوثر، بل حاول ان يستخدم أسلوبا معسولا لكن هذا الأسلوب الرقيق كان يخفي سما قاتلا في داخله فهو يؤيد دانيفل في نظريته بان لوثر لجأ إلى عقيدة التبرير بالإيمان لأنه لم يستطع ان ينظم حياته بالطريقة التي تتيح له الحصول على هذا البر، لأنه يعيش حياة فاسدة... ولذلك فقد اختلق عقيدة التبرير بالإيمان بعد ان فشل في تنفيذ نذوره الرهبانية تلاميذ دانيفل وجريزار[3]
وجاء بعد دانيفل وجريزار: كريسباني (Cristiani) الذي جمع أبحاثه عن لوثر في كتابه دعاه "لوثر واللوثرية" كما فعل دانيفل وبعد ثلاث سنوات من ظهور هذا الكتاب اعد رسالة- للحصول على درجة الدكتورة- بعنوان "من اللوثرية إلى البروتستانتية" وفي كلاهما يقدم راهب فيتمبرج كشخص ضل السبيل وانقطع عن الصلاة فصار شقيا تعسا في حياته، كما انه كان السبب في بؤس وشقاء الشعب الألماني[4] اذ انه دفع هذا الشعب في معارك أهلية مريعة مثل حرب الفلاحين. ووصفه بنفس الصفات التي وصفه بها سابقوه وهي التكبر وحب المال والخراب النفسي والكذب والمراءة وقام أيضا تلميذ آخر من تلاميذ دانيفل وهو باكيير (Paquier) ضد لوثر وتعاليمه وهو يعتبر من اكبر المتخصصين في دراسة عصر الإصلاح في الكنيسة الكاثوليكية. وهو الذي قام بترجمة المجلد الأول من كتب دانيفل من اللغة الألمانية إلى الفرنسية (1910-1913) وسلك نفس المسلك الذي اتبعه سابقوه في نقد لوثر وتعاليمه ولم ينتشر تأثير دانيفل في ألمانيا وفرنسا فحسب بل امتد أيضا إلى البلاد التي تتكلم الإنجليزية. ولهذا فقد ظهر تأثيره في بعض الكتب والمقالات الإنجليزية[5] ويصف ف. أ. هار (F.O. Hare) في كتابه بعنوان "حقائق لوثر" [6] يصف لوثر بأنه كان يعاني من مرض نفسي منذ صباه، وقد التحق بالدير دون دعوة حقيقية وانه كان فاسد الأخلاق والإيمان، ويصف هار الفترة التي قضاها في قلعة الفارتبورج بأنها لم تكن فترة مثمرة بل فترة فراغ وبؤس ومحاربات جنسية وقال ان لوثر كان على اتصال مباشر بالشيطان، كما انه اعتبر لوثر وكاترين بورا كآدم وحواء فهو زان، وبطل كاذب، نبي كاذب ومصلح كاب، يهدم ولا يبني كان مشوها وليس مصلحا (He was a de Former, not a Reformer) فهو يهوذا وهو عدو المسيح وخادم الشيطان..[7] وهؤلاء الذين ذكرنا أسماءهم وآخرون أيضا ينعتون الإصلاح والمصلح بأوصاف مشينة مؤلمة، ذلك لأنهم لم يروا في لوثر المصلح بل المفسد، بل ان البعض ذهب ابعد من ذلك، فاعتقد بان واجبه ليس محاربة لوثر واتباعه فقط بل محاربة حتى الكاثوليك الذين يسعون إلى الوحدة. وهذا ما نادى به الأسقف "لفقر" الذي قام بمعارضة شديدة اللهجة للبابا بولس السادس[8] .
من هذا العرض السريع يتضح لنا ان بعض الكتاب الكاثوليك وقفوا وقفة المعارضين والرافضين لكن لحسن الحظ يمكننا القول بان هذه الجماعة لم تكن تمثل الكنيسة الكاثوليكية كلها. وقد تطور الموقف في الخمسين سنة الماضية بشكل غريب وعجيب، وهنا ناتي إلى الموقف الثاني وهو: موقف الدارس المحايد والباحث الأمين.
عندما ننظر إلى قائمة الذين حاولوا هدم الإصلاح وتعاليمه نتألم ونحزن لموقفهم ولكننا نشكر الله كثيرا فلم تكن هذه الجماعة المعارضة الرافضة كل الكنيسة الكاثوليكية. ففي هذه الكنيسة ومنها قامت جماعة أخرى لا تقبل تعاليم هؤلاء الذين ذكرناهم سابقا. ويرجع الفضل في ذلك إلى عمل روح الله أولا: ثم ثانيا إلى أستاذ العقائد الألماني كيفل (F.X. Kiefl) وكان استاذ في جامعة فورتزبورج (Wurtzbourg) فلقد بادر بدعوة الكاثوليك إلى تفهم أفضل لشخصية وتعاليم المصلح الألماني (لوثر) فعندما كانت الكنائس اللوثرية تحتفل بمرور أربعمائة عام على تاريخ تعليق لوثر لاحتجاجاته الخمسة والتسعين كتب استاذ العقائد كيفل مقالة عن مارتن لوثر[9] أعلن فيها بصراحة ووضوح انه لا يتفق قط مع دانيفل ولا مع جريزار في مفهومهما لشخصية وتعاليم لوثر بل يعتقد ان راهب فيتمبرج كان أسيرا فعلا للكتب المقدسة وللقوة الإلهية. كما انه كان يؤمن بان اكتشافه لعقيدة التبرير بالإيمان كان اكتشافا عظيما بحق على عكس ما قاله دانيفل وأتباعه ويقول انه من الخطأ وصف هذا الراهب بصفات لم تكن فيه، فقد كان لوثر مسيحيا حقيقيا فهم المسيحية بطريقة عظيمة كما انه كان رجلا متعلما يتمتع بعبقرية فذة وقد اختاره الله لكي يعلم الكنيسة.
وبعد مرور اثني عشر عاما على هذا المقال جاء الفردفون مارتن (Alfred Von Martin) وطلب من حوالي عشرين أستاذا لاهوتيا معاصرا من الكاثوليك والبروتستانت، طلب منهم ان يكتبوا عن لوثر. ولا يمكن بحث كل ما كتبه هؤلاء العلماء، ولكن نكتفي بان نلقي نظرة سريعة على ما كتبه اثنان من الكاثوليك في هذا المجال:
1. سباستيان مركل (Sebastian Merkle)
كان هو أيضا استاذ في جامعة فورتزبورج من سنة 1898- حتى سنة 1933 وقد عرف كمؤرخ وعالم وكان يعتقد أن المؤرخ النزيه هو الشخص الذي يستطيع ان ينظر إلى الامور بطريقة موضوعية وعلى هذا فقط طالب المؤرخين بان يعالجوا موضوع الإصلاح بهذه الطريقة وبهذه الموضوعية. فلا يجب التقليل من مكانة لوثر وتحقيره على أسس غير سليمة. ويضيف قائلا انه من غير الممكن أن نثبت انه كان واحد من الإباحيين او الثوريين. فان الحركة التي قام بها لم يكن لها أي هدف آخر غير الهدف الديني[10].
2. أما الدراسة الثانية فقدمها الكاتب انطون فيشر الذي رأى ان لوثر رجل مكافح ورأى فيه أيضا انه رجل صلاة وماذا يستطيع لوثر ان يعلمنا كرجل صلاة؟ انه يعلمنا جميعا ان الله يظهر في كلمته المكتوبة ، وقد كان يلتهم هذه الكلمة التهاما. ومنها تعلم ويعلمنا أيضا الصلاة. وبناء على هذا فان المصلح يدعونا لدراسة الكتاب بعهديه والتغذي به هذه هي الحقيقة الأولى التي يعلمنا إياها المصلح. اما الحقيقة الثانية فهي الصلاة الربانية التي تعبر عن الواحد، التي يجب ان نصليها بنفس الروح التي صلى بها القديس اغسطينوس والقديس فرنسيس الاسيزي ومارتن لوثر[11].
وهناك كاتب آخر من هذه المجموعة التي ذكرنا البعض منها هو هيبرت جيدن (Hubert Jedin) وكان أستاذا في جامعة بون من 1933-1949 قام هذا الأستاذ بتقديم عرض تاريخي تحليلي لمعظم المؤلفات الكاثوليكية التي ظهرت من أيام جانس (Janssen) في سنة 1876 إلى الثلث الأول من القرن العشرين. ثم انتقد كتابات دانيفل وجريزار نقدا لاذعا ونفى وجود أي مؤرخ ألماني يشاركهما الرأي فيما ادعياه من فساد وانحطاط أخلاق لوثر. كما انه أشار بأسف شديد إلى التأثير السيئ الذي تركه هذان الكتابان خاصة كتاب دانيفل "لوثر واللوثرية" على العلاقات المسكونية. وأخيرا أشار إلى ان الكاثوليكي الذي يريد ان يفهم لوثر على حقيقته عليه ان يترك الصورة التي قدمتها كنيسته عنه ويحاول درس شخصيته وتعاليمه بطريقة موضوعية[12] محايدة وعلمية.
ان ما ذكرناه سابقا من ظهور كيفل (Kiefl) إلى جيدن (Jedin) لا يعد الا محاولات تفسيرية فبعد كل هذه المجهودات والدراسات ظهر كاتب آخر يعتبر حجة في التاريخ خاصة في فترة الإصلاح وهو الأستاذ جوزيف لورتز (J. Lortz) وقد ألف مجلدين (حوالي 75خ صفحة) ظهرا سنة 1940 تحت عنوان "الإصلاح في ألمانيا" [13]. ومع ان البلاد كانت تمر في هذا الوقت بفترة عصيبة مؤلمة وهي فترة الحرب، الا ان لورتز استطاع ان يفرض نفسه على الناس فكان تأثيره في بعض الأوساط أقوى من تأثير الحرب فقد قرئ ونوقش في الأوساط الكاثوليكية والإنجيلية. لقد حث الشعب على الحوار المسكوني. وفي سنة 1948 حاول ان يخلص ما قد كتبه سابقا فلخصه في كتاب اسمه "الإصلاح مشكلة اليوم" (The Reformation: A Problem for To-day) ثم نشر له 4 محاضرات، وقد بدا لورتز بالحديث عن الكنيسة المعاصرة، وكم هي في حاجة أيضا إلى إصلاح وقال انه إذا كان لوثر قد هجر كنيسة عصره فذلك لأنه لم يجد فيها مكانا يحتاج إليه من أمور اعتبرها جوهرية ومهمة وخاصة الإيمان الحقيقي. كان لوثر رجلا تقيا وظهرت هذه التقوى في حياته وتعاليمه. ومما لا شك فيه ان الكنيسة حكمت على لوثر بالهرطقة... رغم انه كان رجلا تقيا، مسيحيا حقيقيا، لقد عاش حياة الإيمان العميق في شخص يسوع المسيح، معترفا ان يسوع المسيح هو ابن الله المولود من العذراء مريم وصلب ومات وقام لأجل خلاصنا، وانه كان أيضا في كل حياته رجل الصلاة والواعظ المتحمس لكلمة الله ولقد حمل لورتز الكنيسة الكاثوليكية جزءا كبيرا من مسئولية الانشقاق الذي حدث في القرن السادس عشر[14].
لقد كان لمؤلفات لورتز تأثيرا عميقا جدا على الأوساط الكاثوليكية والبروتستانتية. لقد عبر بكتاباته هذه عن مفهوم الكثيرين عن لوثر. ويجدر بنا أيضا ان نقول ان لورتز قد انتقد لوثر بالرغم من المدح العظيم الذي مدحه به، فهو يأخذ على المصلح انه لم يكن- في بعض الأحيان- سامعا ومصغيا لكلمة الله، كما انه لم يفهم- في بعض الأحيان أيضا- المكتوب بطريقة صحيحة ولعلنا نشترك جزئيا مع لورتز في هذا النقد لأن لوثر فعلا قد فهم بعض الفصول الكتابية بطريقة متأثرة بمفهومه الشخص لبعض المشاكل العقائدية.
وبعد أربع سنوات من ظهور كتابات لورتز الأولى، نشر الأستاذ أدولف هرت (Adolf Herte) بحثا في ثلاث مجلدات (حوالي 1000 صفحة)[15]كان مركزا على الصورة الرديئة التي خلقها وكونها تفسير كوكلاوس للوثر في الكنيسة الكاثوليكية. وانني شخصيا اعتبر ان هذا البحث من أهم الأبحاث وأعظمها لأنه قدم بطريقة علمية دقيقة وجادة في أكثر من 500 كتاب باللغة الألمانية والفرنسية والإيطالية والأسبانية والهولندية والبولندية والإنجليزية وقد خرج من بحثه هذه النتيجة الرائعة وهي ان كل هؤلاء الكتاب الكاثوليك، الا قلة ضئيلة جدا، من الذين كتبوا عن لوثر وعن تعاليمه من القرن السادس عشر حتى بداية القرن العشرين قد رجعوا في كتاباتهم إلى الكتاب الذي نشره كوكلاوس في سنة 1949 ولقد سبق ان اشرنا في بداية الكلام إلى ان الكاهن كوكلاوس قد استخدم أولا أسلوب العصر في وصف المصلح، بأنه شيطان وابن شيطان... وثانيا لم يكن كوكلاوس محايدا بل كان العضد الأيمن لآك وهذا الأخير العدو اللدود والمطارد للوثر.
ان أهمية هذا البحث العظيم الذي قام به العالم "هرت" كامنه في حقيقة ان المؤلف الكاثوليكي قد استطاع ان ينقب وان يفتش عن جذور هذه العداوة وعن اصل الصورة السيئة السوداء التي طبعت في أذهان الكثيرين من الإخوة الأحباء الكاثوليك عن المصلح، فوجد ان السبب كان اعتماد هؤلاء الكتاب في كل العصور على كتاب كوكلاوس (Coclaus) وهكذا شوهت صورة لوثر وتعاليمه في الأوساط الكاثوليكية بسبب كوكلاوس، يا لها من مأساة!!!.
وقد انتقد العالم هرت كتابات دانيفل وكتابات جريزار وكذلك كتابات كريستاني وبوكير الذين تأثروا أيضا بكتاب كوكلاوس وطلب من الكنيسة المصلحة اللوثرية والكنائس الإنجيلية الأخرى ان تقوم من جانبها بعمل بحث دقيق لاكتشاف بعض الأخطاء التي ارتكبتها في التطرف في بعض الأحيان في حكمها على ظلم الكنيسة الرومانية. ويجب ان يدرس الجانبان الكاثوليك والبروتستانت لوثر وتعاليمه بطريقة علمية تستند على الاحداث التاريخية الموثوق في صحتها ومحايدتها.
لقد كان ومازال هذا البحث عميقا في مادته، قويا في تأثيره. إذ انه ساعد الكثيرين من الكاثوليك على فهم المشكلة بطريقة أفضل كما انه ساعد بعض الإنجيليين أيضا على النقد الذاتي المخلص الأمين وعدك التطرف في نقد الكنيسة الكاثوليكية بطريقة غير صحيحة وغير ايجابية.
وبما اننا في مجال عرض تطور الفكر في المفهوم الكاثوليكي لشخصية وتعاليم المصلح الألماني فلا يمكننا ان ننسى الأب لويس بوييه (Louis Boyer) لأنه يعتبر من أفضل المتخصصين الذين فهموا بطريقة صحيحة شخصية لوثر وتعاليمه فانه لم يرى في الكنيسة البروتستانتية بدعة. كما وصفها حتى بعض المعتدلين بل بالعكس فقد اعتقد انها حركة روحية تحمل إنجيلا صحيحا[16] ثم تسأل عن ماذا اكتشف لوثر؟ وأجاب بالقول: لقد اكتشف المصلح الحقائق الآتية:
1- الخلاص بالإيمان:
أي بنعمة الله العظيمة ولا يمكننا ان نعتبر هذا التعليم هرطقة بل انه يتفق وتعاليم الآباء والمجامع فعلى الكاثوليكي إذا تأييد للأباء والمجامع ان ينضم إلى عقيدة التبرير بالإيمان والمناداة بها. (ص15-55).
2- الكتب المقدسة:
تمسك لوثر بالكتب المقدسة. وفي تمسكه بها والتشديد على استعمالها وإعطائها السلطان اللائق بها في الكنيسة.
لم يعمل الا ما حاول بعض الآباء القيام به أمثال اغسطينوس... ولا يمكن بان تحكم الكنيسة الكاثوليكية على شخص قد تمسك بتعاليم الكتاب المقدس ونادى بها بأنه هرطوقي..!!!.
وفي نفس السنة (1955) التي ظهر فيها هذا الكتاب ظهر كتاب آخر للأب أأ. طافارد (Tavard) [17] استنكر فيه الأسلوب الهجومي الذي قام به البعض في وصفهم للمصلح. واعتقد انه من الظلم ان نرجع إلى أقوال وكتابات وشتائم أعداء لوثر لكي نحكم على أساسها بهرطقته. فان كثيرين من العظماء والقديسين أمثال جيروم والقديس برنارو، عوملوا بنفس المعاملة التي قابلها لوثر من البعض في القرن السادس عشر ورأى الأب طارفارد في لوثر راهبا تقيا. كان كل همه الوصول إلى الخلاص (100-104 من كتابه) ويقول الكاتب فبالرغم من بعض الألفاظ الجافة التي استعملها لوثر، فان كتاباته تعتبر كتبا مسيحية وأعظم ما قام به: هو ترجمة الكتاب المقدس.
وأثناء اجتماع مجمع الفاتيكان الثاني ظهر المجلدان لأب فرانسوا بيوث (Francois Boit) بعنوان "من الجدل إلى الحوار"[18] وقدم هذا المؤلف نقدا ذاتيا اتسم بالشجاعة والأمانة، قال فيه ان كثيرين من الكاثوليك فهموا لوثر والإصلاح بطريقة خاطئة، الامر الذي يرجع إلى الصورة الخاطئة التي قدمها كوكلاوس عنه ومازالت عالقة بالأذهان وفي حقيقة الامر يعتبر اختبار لوثر الروحي اختبارا دينيا حقيقيا وانه من الخطأ أيضا الحكم عليه بالانفصال، إذ انه لم يفكر في الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية أو ان يؤسس كنيسة جديدة. لقد كان يسعى جاهدا لا للخروج من الكنيسة بل لإصلاحها.
ولعل عددا كبيرا جدا من القادة كتبوا في هذا المجال ولضيق الوقت لا يمكننا ان نتعرض لكل كتاباتهم، على أننا نريد ان نختم هذه القائمة بذكر كاتب هو يوحنا م. تود (Jeah M. Todd) الذي ألف كتاب بعنوان "مارتن لوثر" صدر في لندن (1964) كان تود يرى في لوثر طالبا جادا وعاملا مجتهدا وراهبا تقيا وذكيا مرهف الحس والشعور تميز بالشجاعة مقدرا ومكرما من رؤسائه. وكان يتمتع بمواهب القائد الناجح ويتفق تود مع بوييه على ان عقيدة التبرير بالإيمان لا تناقض العقيدة الكاثوليكية الرسولية.
ومع ان لوثر قد ثار ضد التعاليم المدرسية الا انه ظل متمسكا بكثير من تعاليم القرون الوسطى. لذلك فانه لم يرد ان يضرب عن الحائط بالتعاليم القديمة وكان يرى ان التعاليم الجديدة التي اكتشفها في كلمة الله ستشع في الكنيسة فتنير لآخرين كما استنار هو أيضا بها، فان كان قد استنار فانه يريد أن يوصل هذا النور الإلهي إلى الإنسان المتألم والخاطئ لكي يتبرر بالإيمان في شخص الرب يسوع المسيح.
على ان تود له بعض المآخذ ضد المصلح فانه لم يتفق معه في أفكار ذبيحة القداس وسلطان البابا والمجامع على ان هذا الكاتب لم يترك هذه النقطة الأخيرة دون ان يذكر ان موقف الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر يختلف تماما عن موقفها آنئذ ثم رجع مرة ثانية إلى مدح لوثر قائلا: انه لم يكن "رجل ثورات" إذ انه لم يحاول القيام بحرب أو مقاومة للسلطات القائمة في عصره كما انه لم يرد ان ينفصل عن الكنيسة بل أراد ان يقدم تعاليمه للكنيسة وفي الكنيسة ولقد شبه تود لوثر بنبي، فقال: (مع انه لم يدع انه نبي الا ان السلطة التي كان يمارسها، مارسها أنبياء العهد القديم، وبهذه الروح أراد راهب فيتمبرج ان يكون مصلحا في كنيسته)[19].
ثم تعرض الرجل الكاثوليكي المتدين لوصف حالة الكنيسة في ذلك العصر فقال انها كانت منهمكة في مشاكل سياسية عديدة وأرادت ان تحتفظ بالسلطان الزمني والروحي معا. لذلك لم تعر في بداية الامر الاهتمام اللائق بموضوع هذا الراهب الذي لم يكن مرتدا كما وصفه الكثيرون... ويواصل الكاتب تعليمه فيقول ان لوثر لم يشك قط في السلطة البابوية الا بعد ان اتهم بالهرطقة وكان لزما عليه من الناحية النفسية ان يقف ضد البابا على انه لم يفكر في تأسيس كنيسة جديدة. ويعتبر هذا الكاتب من أهم ما كتب في عصره في هذا الموضوع. فقد كان مثل كتاب "بوييه وهرت" فعمل على تقارب الطوائف وتقديم مفهوم حقيقي على أساس علمي مدروس لشخصية وتعاليم لوثر.
وهنا يظهر السؤال الآتي:
ما نتيجة هذه المجهودات الضخمة والكتابات العديدة في عدة بلاد وقارات ولغات. ولعل الإجابة على هذا السؤال هذا السؤال تحتاج إلى كتاب آخر، على اننا سوف نذكر حادثة واحدة كثمرة من الثمار الكثيرة جدا التي يحاول هؤلاء الذين يطالبون بالسلام والوحدة الحصول عليها: وهي طلب رفع الحرمان عن لوثر: ما هذا الامر؟ وماذا تم فيه؟.
ففي ربيع سنة 1963 قام (لاهوتي) والقانوني[20] الأستاذ فيلهلم ميكايليس (Wilhelm Michaelis) بتقديم طلب إلى رئيس سكرتارية الوحدة المسيحية الكردينال بيا (Bea) يلتمس من نيافته العمل على تصفية الرواسب التاريخية المتكدسة في أعماق قلوب ونفوس الشعب الأرثوذكسي واللوثري منذ أجيال طويلة، وللحصول على هذه النتيجة وللوصول إلى السلام والوحدة في الكنائس اقترح الآتي:
1- إلغاء الحرمان الذي صدر في يوليو 1054 ضد البطريركين المسكونيين فوتيوس (Photius) من القرن التاسع وميخائيل سرولير (Michel Serullaire).
2- كذلك طالب برفع التهديد بالحرم التي أرسلها البابا ليون العاشر في 15 يونيو (حزيران) سنة 1520 ضد مارتن لوثرن وكذلك رفع الحرم الذي أصدره نفس البابا ضد مارتن لوثر في 3 يناير (كانون الثاني) عام 1521.
وفي يوم 29 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1964 وفي مدينة أثينا سلم المؤلف نسخة من هذه الاقتراحات إلى: الأستاذ هاميلكاس س. اليفيزاتوس (Hamilkas S. Alivisatos) ونسخة أخرى إلى البطريرك المسكوني اثينانمورس. كما سلم نسخا لأكثر من سبعين أبا من الذين اشتركوا في مجمع الفاتيكان الثاني، منهم ثلاثة وثلاثون كاردينالا، وأربعة عشر خبيرا وبعض الأساتذة. وأرسل عدد كبير من الخطابات والتشجيعات من بعض الكرادلة والأساقفة والآباء معبرين عن رغبتهم في نجاح هذا المشروع واعدين بالصلاة من أجله.
وفي 7 ديسمبر (كانون الأول) عام 1965 تقابل البابا بولس السادس والبطريرك المسكوني أثيناغوراس الأول وأعلنا معا:
1- أسفهما على الكلمات الجارحة والتوبيخات التي لا أساس لها، كذلك على الأحكام التي صدرت أثناء الاحداث الماضية.
2- رفع جميع أنواع الحرمان التي كانت نتيجة لهذه الاحداث.
3- اسفهما على هذه السوابق المحزنة وما نتج عنها من خلق جو من عدم الثقة وعدم التفاهم. الامر الذي قاد إلى الانفصال.
لقد كانت هذه المقابلة حادثا تاريخيا مفرحا ساهم فيه هؤلاء الذين كتبوا ودافعوا وعملوا كل ما يمكن عمله ليتقابل الرجلان.
اما فيما يخص الجزء الثاني من الطلب وهو رفع الحرمان عن لوثر، فقد وصل الأستاذ المحامي فيلهلم ميكائيليس مجهوداته وسعيه، فلم يكتف بإرسال هذا الطلب إلى من ذكروا فقط بل أرسله إلى بعض الأساقفة اللوثريين في ألمانيا أو السويد والدانمرك والنرويج والنمسا والبرازيل والاتحاد اللوثري العالمي... وبدات المناقشات الطويلة بين الفاتيكان وهذه الاطراف المعينة وكان ملخص الرد النهائي الذي أرسله رئيس سكرتارية الوحدة المسيحية ما يأتي: (يرى قداسة البابا فيما يخص طلبكم بمارتن لوثر انه من غير الممكن في الوقت الحاضر التصريح بأكثر ما صرح به رئيس منظمة الوحدة المسيحية امام المجمع العام للاتحاد اللوثري العالمي في سنة 1970 ففي مدينة افيان ليبان (Evian- Les- Bains) [21] وكان الكردينال فيليبراند (Willebrands) قد أعلن في هذا المؤتمر باسم الكرسي الرسولي ان لوثر كان شخصية تتميز بالتقوى العميقة والإخلاص وإنكار الذات في البحث عن رسالة الإنجيل. هذا ما قد اعلنه الكاردينال فيليبراند، وهذا ما وصل إليه أيضا الأستاذ المحامي وقد تبدو هذه النتيجة ضئيلة امام الشخص الذي لا يعرف جيدا سوء التفاهم بل أقول أيضا التي كانت بين الكاثوليك والبروتستانت في العصور الماضية والتي تركت في النفوس وفي القلوب أثرا ليس من السهل محوه بسرعة: ان هذه النتيجة عظيمة مع ضالتها، عظيمة لأنها تنشر بالامل والرجاء لمواصلة هذه الجهود التي بذلت من أول هذا القرن. اننا في أول الطريق ولم نصل بعد إلى نهايته.
ان الظروف التي اجتازتها الكنيسة أيام مارتن لوثر، تختلف اختلافا كبيرا عن الظروف الحالية. فقد كان البابا يجمع بين يديه سلطة روحية ومدنية في نفس الوقت. وكانت الكنيسة تريد ان تحتفظ بهاتين السلطتين مما جعلها في بعض الأحيان تتخذ موقفا ملوما. وقبل ظهور لوثر كانت الكنيسة الكاثوليكية تتألم من جراحات الانشقاق الذي حدث بين أساقفتها وادعاء بعضهم بالبابوية (1378-1417) حين ظهر ثلاث بابوات في آن واحد. وكان البابا في صراع مستمر ومميت ضد الانقسام وهذا ما ظهر في مجمع بيز (Pise) سنة 1511-1512.
كما ان البابا ليون العاشر كان مهددا ليس فقط بالانقسام بل بالموت أيضا. ألم تكتشف في صيف سنة 1517، أي في نفس السنة التي كتب فيها لوثر اعتراضاته. اكتشفت مؤامرة دبرت من الكرادلة ضده. في هذه الفترة ظهر لوثر. وعند ظهوره رأى فيه البابا ليون تهديدا للبابا ولسلطانه. ولهذا وقف ليون العاشر امام لوثر وقفة المعادي والمطارد. ولهذا السبب واسباب أخرى أيضا نستطيع ان نجد نحن أرضية جديدة صالحة للحوار المسكوني في القرن العشرين. لأن القرن الذي نعيش فيه الآن يختلف تماما عن العصر الذي ظهر فيه لوثر. والكنيسة الكاثوليكية الحالية تختلف عن كنيسة القرن السادس عشر. ونشكر الله من أجل قادتها وخدامها. فلقد امتلأ الكثيرون منهم بروح البحث العلمي الصادق والتقوى الحقيقية والرغبة في خلق جو لحوار مسكوني مخلص أمين لتوحيد الكنيسة المنقسمة الممزقة.
وقبل ختام هذا الكتاب يجب ان نلفت نظر القارئ إلى الحقائق الآتية:
1- رغم ان العصر الذي نعيش فيه الآن يختلف عن العصر الذي ظهر فيه المصلح الألماني الا انه يشبه إلى حد كبير الزمن الذي ولد فيه المصلح. فعلى المستوى العلمي: يعرفنا العلماء ان التقدم العلمي والتكنولوجي الذي وصل إليه الباحثون والعلماء في الثلاثين سنة الأخير يفوق في أهميته وكميته وفعاليته كل ما اكتشف وعرف من علوم على مختلف أنواعها وفروعها، منذ ان بدأت الأبحاث والاكتشافات إلى سنة 1950.
وهذا يشبه إلى حد كبير فترة الإصلاح والفترة التي سبقت ظهوره فقد كانتا فترتي ازدهار وتقدم علمي لم يعرف له العالم نظيرا. والدارس لهاتين الحقبتين من التاريخ يستطيع ان يدرك كما لو كان عدد كبير من العباقرة والعلماء كانوا على موعد في هذا الوقت الذي ظهر فيه كل من : اراسم Erasme، وبوديه Bude ، ورابليه Rabelais، باراسلس Paracelse، دورار Durer، ومخائيل انجلو Michel- Angelo ، وفينيس Vinci، ورافائيل Raphael، وبرامانت Bramante، وكورتز Cortez، وماجلان Magellan، وكولومب Colomb، وكبرنيك Copernic، وماكيافل Machiavel، ولويولا Loyola ، وجون كلفن Jean Calvin وآخرون غيرهم.
2- لقد تميز ذلك العصر أيضا باختراع الطباعة مما سهل وسوف يسهل في المستقبل طبع الكتب ونشر الأفكار بطريقة سريعة.
3- في ذلك العصر أيضا بدأت الكشوف الجغرافية التي غيرت بل قلبت بعض المفاهيم السياسية والدينية والتجارية.
4- ظهور بعض المصلحين قبل لوثر أمثال فالدو (Valdo) وويكليف (Wiclef) ، وهوس (Huss) ثم سافونا رولا.
لقد كان ذلك العصر عظيما باختباراته واكتشافاته. فعندما حاول الفارس الألماني أولريتش فون هوتن (Ulrich von Hutten) في القرن السادس عشر وصفه فلم يجد الا هذه الكلمات: (يا لك من عصر جدير بأن نحياه) ولا نريد هنا الإسهاب في المقارنة بين القرن الذي ولد فيه الإصلاح والقرن السابق له وعصرنا الحاضر، ولكن نود ان نقول وقد واجه لوثر في عصره مجتمعا متطورا، بل مضطربا بسبب تطور العلوم والفنون وقد استطاع ان يقم رسالة حية مناسب لهذا العصر المتطور المتقلب: وهذا ما تواجهه كنائسنا في العصر الحالي وتواجهه بلادنا العربية في جميع المجالات.
5- ملاحظة أخيرة في غاية الأهمية فيما يخص علاقتنا المسكونية- هي قول الأب الأستاذ دانيال أوليفيية (Daniel Oliver) الكاثوليكي والمتخصص في الدراسات اللوثرية وما معناه: ليس لوثر وتعاليمه ملكا للكنيسة البروتستانتية وحدها، بل هما ملك للكنيسة الجامعة. ويناشد العالم الكاثوليكي والكنيسة الكاثوليكية بان تدرس تعاليم لوثر. بل انه ذهب ابعد من ذلك، فقال: (لو وجد لوثر في عصر البابا يوحنا الثالث والعشرين وليس في عصر البابا ليون العاشر لأصلحت المسيحية كله).
معنى هذا انه لو كان البابا ليون العاشر الذي قاوم لوثر والإصلاح متمتعا بنفس الروح التي كان يتمتع بها البابا يوحنا الثالث والعشرين من انفتاح في الفكر واتساع في الرؤيا وعمق في المحبة الأخوية- لقبل وقبلت الكنيسة معه الإصلاح الذي نادى به لوثر، وظل هذا الأخير في كنيسته لأنها قبلت الإصلاح الذي كان يسعى إليه ويتوق إلى تحقيقه وقد حث الأب الأستاذ دانيال اوليفييه (الكنيسة الكاثوليكية) بأن تدرس بجد وأمانة، تعاليم لوثر من جديد وبطريقة موضوعية حيادية حتى تعرف حقيقتها مما يقود إلى خلق علاقات جديدة لكي نحيا على اختلاف طوائفنا حياة جديدة لمجد المسيح.
فكما نشط هؤلاء الكتاب أقلامهم في الكتابة معلنين الوحدة المسيحية، علينا نحن أيضا ان نسير على نهجهم.
ان العصر الذي نعيش فيه الآن يحتاج إلى وحدة كاملة وترابط قوي وإيمان عميق ومحبة صادقة بلا رياء لكي نستطيع معا ان نواجه تحديات المجتمعات المتنوعة من الحاد وكفر ومادية وتعصب.
ان المسيحية في جميع أرجاء العالم بجميع طوائفها، تجد الآن نفسها امام هذه التحديات، رغبت ذلك أو لم ترغب وأسلم طريق للتغلب على تحديات العصر هذه أيا كان لونها أو نوعها، هو أن ننفذ بطريقة علمية وصادقة وأمينة صلاة الرب الشفاعية (ليكون الجميع واحدا كما انك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضا واحدا فينا ليؤمن العالم انك أرسلتني) (يو 21:17) .











هوامش الفصل الرابع والعشرون




[1] Les Commentaria de actis et Scripis Martini Luther;
[2] Cite par j. Lortz, Die Reformation in Deutschland, Tome 1, P. 193-263.
[3] Richard Stauffer, Les Catholicisme a La de cooverte de Luther, Edc. Delachaux et Niestle, P.11-38.
[4] R. Stauffer, P. 19-20.
[5] The Catholic Encyclopedia, Vol9, N. Y. 1910, P. 438-458.
[6] F. O Hare, The Facts about Luther, N. Y. et Cincinnati, 1916.
[7] F.O. Hare, P. 9-40.
للتوسع في هذا الموضوع ادرس أيضا:
H.O. Evennette, the Reformation, J. Clayton, Luther and His Work, P. Higues, History of the Church. The Revolt against the Church.
[8] الدكتور حنا جرجس الخضري. صراع بين بولس السادس والأسقف لفقر- مجلة الهدى، يونيو 1977.
[9] Cite par R. Stauffer, P. 55.
[10]Cite par R. Stauffer, P. 57.
[11] Concilium Revve (14) P. 28, 29.
[12] Concilium (14) P. 28, 29.
[13] J. Lortz. Die Reformation in Deutschland.
[14] Concilium Revve (14) P. 29-32.
* ألم يقل عن رسالة يعقوب بأنها قش.....
[15] A. Herte, Das Katholisch Lutherbild IM Bann der Luther Kommentare, des Coch Laus.
[16] انظر كتابه، كتب باللغة الفرنسية والإنجليزية:
Louis Boyer, Du Protestant tisme a L’ Eglise, the Spirit and Forms of Protestantism, London, 1956.
[17] Tavard. A.A, A La rencontre du Protestantisme (Trad. Ang): Approach to Protestantism, N. Y. 1955.
[18] Franco is Biot, De La Polemique au dialogue, Vol. 4. et5, de la collection <L’Eglise aux cent visages>, Parise, 1963.
[19] J. Todd 20 285-288.
[20] Concilium Re.. (118).
[21] Concilium R. (118), D. Olivier, P. 19,20.
* Le Christianisme Au 20 eme 5, ecle Lundi 23 Ma, 1983 N.21.

 

 

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [7]  
قديم 17-08-16, 09:45 PM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
ص رد: القديس مارتن لوثر

مارتن لوثر
الثلاثاء، 04 تشرين ثاني 2008، 23:28
https://www.linga.org/biblecharacters-articles/MjM5Mw==


نص كان "مارتن لوثر" أحد أبرز قادة الإصلاح الإنجيليّ في ألمانيا. كان والده من طبقة الفلاّحين، ثمّ تحوّل إلى صناعة المعادن حيث نجح وحصّل مداخيل عالية سمحت له بتأمين تعليم ممتاز لولده. درس "لوثر" في مدرسة الكاتدرائيّة في "ماغدبورغ"، حيث وقع تحت تأثير جماعة "أخوة الحياة المشتركة". ثمّ تابع دراسته الثّانويّة في مدرسة "أيزناخ" قبل ذهابه إلى جامعة "إيرفورت" في العام 1501، حيث حصّل شهادة البكالوريوس في العام 1502، والماجستير في العام 1505. درس "لوثر" الحقوق تلبية لأمنية والده. إلاّ أنّ صاعقة برق ضربت قربه، فأرعدته وجعلته يقطع نذراً أن يصير راهباً، وذلك في تمّوز 1505. وفيما هو في الدّير، بدأ "لوثر" في دراسة اللاهوت بجديّة في جامعة "إيرفورت". وفي العام 1508، أُرسِل إلى "ويتنبرغ" حيث كان يُحاضر في الفلسفة الأخلاقيّة في جامعتها الجديدة. وفي العام 1509 عاد إلى "إيرفورت" حيث تابع دراسته وراح يُحاضر في اللاهوت. أمّا أساتذته في "إيرفورت" فكانوا من أتباع مدرسة اللاهوت الإسميّ (Nominalist) الّتي أنشأها "وليام أوكهام" وتلميذه "كابريال بيال"، الّتي قللّت من دور العقل في الوصول إلى الحقائق اللاهوتيّة وشدّدت على دور الإرادة الحرّة للإنسان في تحقيق خلاصه. في العام 1510-1511، سافر "لوثر" إلى روما بمهمّة تخصّ رهبنته. وبينما هو هناك، صُدِمَ بما رآه من دُنيويّة لدى الإكليروس الّذي كان غير مبالٍ بالحياة الدّينيّة. وفي العام 1511 أُرسِل من جديد إلى "ويتنبرغ" حيث أكمل دروسه العليا ونال الدّكتوراه في اللاهوت في تشرين الأوّل 1512. وفي العام نفسه عُيِّنَ رئيساً لقسم دراسات الكتاب المقدّس في الجامعة. وبين الأعوام 1507-1512 اختبر لوثر صراعاً روحيّاً عنيفاً بينما كان يسعى إلى تتميم خلاصه، عبر التّدقيق في حفظ القواعد الرّهبانيّة، والاعتراف المتواتر، وإماتة الذّات. وربّما بسبب تأثير التّقوى الشّعبيّة وتعليم لاهوت "أوكهام"، كان "لوثر" يرى في الله قاضياً غضوباً يتوقّع من النّاس أن يُحصِّلوا تبريرهم بأنفسهم. إلاّ أنّ "لوثر" غيّر تدريجيّاً نظرته إلى التّبرير، وذلك بفضل مساعدة الرّئيس العامّ لرهبنته "يوحنّا فون ستوبيتز"، وقراءاته لكتابات القدّيس "أوغسطينوس"، ودراسته للكتاب المقدّس بشكل أساسيّ بينما كان يُحضّر محاضراته لصفوفه في الجامعة. نما مفهوم "لوثر" اللاهوتيّ تدريجيّاً من الإيمان بدور الإنسان في خلاص نفسه، كما علّم "أوكهام"، إلى تبنّي التّعليم "الأوغسطيني" القائل: إنّ الله بنعمته المجّانيّة يُبادر إلى تخليص الإنسان بالإيمان فقط، وبعد هذا الاختبار، يبدأ الإنسان بالتّعاون مع الله في حياته الرّوحيّة. قد يكون "لوثر" اختبر الخلاص شخصيّاً بين العامين 1517-1518، وهو ذَكَر في موعظته حول "التّبرير المُثلّث"، كيف أنّ الله يُبرِّر الخاطئ بفضل ذبيحة المسيح الكفّاريّة بشكل آنيّ وكامل، ومن دون أيّ جهد أو استحقاق بشريّ. ابتدأ الإصلاح الإنجيليّ في تشرين الأوّل من العام 1517، عندما احتجّ "لوثر" على بيع صكوك الغفران، وذلك عبر أطروحة ضمّت خمسة وتسعين بنداً، علّقها على باب كنيسته في "ويتنبرغ" عشيّة عيد جميع القدّيسين. وقد تُرجمت الأطروحة إلى لغة الشّعب في اليوم التّالي، ووُزِّعت في كافّة أرجاء ألمانيا، الأمر الّذي أثار عاصفة من الاحتجاج ضدّ بيع صكوك الغفران. عندما تضرّرت عمليّة بيع الغفرانات، حاولت السّلطات البابويّة إسكات "لوثر"، فوُوجِهَ أوّلاً داخل رهبنته في "هايدلبرغ" وذلك في 26 نيسان 1518، إلاّ أنّ المناظرة تحولّت فرصة "للوثر" ليُدافع عن لاهوته وليربح مُهتَدين جدد. وفي آب 1518 استُدعيَ "لوثر" إلى روما ليَردّ على الاتّهامات المرفوعة ضدّه والّتي تتّهمه بالهرطقة، على الرّغم من أنّه لمّا يكن قد علّم صراحة ضدّ أيّ من العقائد الرّائجة في القرون الوسطى. وخوفاً من عدم حصول "لوثر" على محاكمة عادلة في روما، تدخّل الأمير "فريدريك الحكيم" طالباً من السّلطات البابويّة أن تُرسِل مُمثّلين عنها لإجراء المحاكمة في ألمانيا. تمّ الاجتماع الأوّل برئاسة الكاردينال "كاجيتان" في تشرين الأوّل 1518، والثّاني برئاسة "كارل فون ميلتِتس" في كانون الثّاني 1519، وفي كلا الاجتماعَين رفض "لوثر" أن يتنكّر لمعتقداته، واستمرّ في إظهار كلّ احترام للبابا ولمُمثّليه. في تمّوز 1519، عُقِدت مناظرة في "لايبزغ"، حيث شكّك "لوثر" بالسّلطة البابويّة وبعِصمَة المجامع الكنسيّة، مُشدّداً على أولويّة الكتاب المقدّس، الأمر الّذي دفع بخصمه "يوهان إيك" إلى نَسْبِهِ إلى المُصلِح البوهيمي "جون هوص" (الّذي عاش في القرن الخامس عشر وحُكِم عليه كهرطوقيّ)، وذلك في محاولة لتحقيره. خرج "لوثر" من هذه المناظرة أكثر تيقّناً من معتقداته وتصميماً على المجاهرة بها. تابعونا على الفيسبوك: وفي العام 1520 كتب "لوثر" ثلاثة كُتيّبات مهمّة للغاية. الأوّل كان "خطاباً للنّبلاء المسيحيّين في الأمّة الألمانيّة"، يدعوهم فيه إلى إصلاح الكنيسة والمجتمع، الأمر الّذي عجزت البابويّة عن إتمامه. الثّاني دعاه "الكنيسة في السّبي البابليّ"، الّذي هاجم فيه النّظام الأسراريّ لكنيسة القرون الوسطى، الأمر الّذي أدّى إلى تصنيف "لوثر" مع المُنحَرِفين عن الإيمان المستقيم. وقد حَصَر "لوثر" في هذا الكُتيّب الأسرار الكنسيّة في اثنتين: المعموديّة وعشاء الرّبّ، وقد زاد سرّ التّوبة إليهما، فيما نَكَر عقيدة الاستحالة وذبيحة القدّاس. أمّا الكُتيّب الثّالث، وهو لاهوتيّ غير وعظيّ بعنوان "حريّة الرّجل المسيحيّ"، فقد وجّهه إلى البابا، وعلّم فيه عقيدة التّبرير بالإيمان فقط. ومن الجدير ذكره، أنّه قبل نشره هذه الكتيّبات الثلاثة، صدر حكم بابويّ بِحَرْم "لوثر" وبِفَصْله عن الكنيسة الكاثوليكيّة، إلاّ أنّ "لوثر" أظهر عدم خضوعه للسّلطة البابويّة بحرْقِهِ قرار الحَرَم علانية، وذلك في كانون الأوّل 1520، قبل شهر من وضع هذا القرار قيد التّنفيذ في حال رفض "لوثر" التّراجع عن إيمانه. وعلى الرّغم من إدانة "لوثر" من قِبَل الكنيسة، إلاّ أنّه أُعطيَ حقّ الدّفاع عن نفسه أمام محكمة "وورمز" الأمبراطوريّة في نيسان 1521. وفي هذه المُحاكمة طُلِب من "لوثر" التّراجع عن تعاليمه، إلاّ أنّه تمسّك بها بشدّة قائلاً: "أنا لا أتراجع عمّا كَتَبت، فضميري أسيرُ كلمة الله. هنا أقِف، وليُعينَني الله". وبموقفه هذا، تحدّى "لوثر" سلطة الأمبراطور الّذي وضعه تحت الحَرَم وأمر بحرق جميع كتاباته. وفي طريق العودة إلى المنزل، خَطَفَه أصدقاؤه وأخذوه إلى قلعة "وارتبورغ"، حيث بقي مختبئاً حوالى السّنة، وكتب عدداً من المناشير الّتي هاجم فيها المُمارسات الكاثوليكيّة، وابتدأ بترجمة الكتاب المقدّس إلى الألمانيّة. وفي العام 1522 عاد "لوثر" إلى "ويتنبرغ" ليُرتّب الأمور بعد أن عمّت الفوضى في أثناء غيابه، وبقي هناك حتّى نهاية حياته. تزوّج "لوثر" في العام 1525 من الرّاهبة السّابقة "كاثرين فون بورا"، الّتي أنجبت له ستّة أولاد، وكانت حياته العائليّة سعيدة للغاية، لم يُعكّر صفوَها إلاّ المرض المتكرّر والمشادّات العقائديّة الحادّة. تميّز "لوثر" بكونه رجل العمل المتواصل. كان يقضي أوقاته يكتب ويُعلّم ويُنظّم شؤون الكنيسة الجديدة، ويقود حركة الإصلاح في ألمانيا. ومن أهمّ كتاباته: "اعتراف الإيمان"، الّذي وضعه في العام 1538، والّذي أظهر بوضوح خلافه اللاهوتيّ مع الكنيسة الكاثوليكيّة. كما اشتهر "لوثر" بكونه صعب المِراس، وباستخدامه لغة وعظيّة قاسية في مواجهة خصومه. ففي العام 1525، عند اندلاع ثورة الفلاّحين في جنوب ألمانيا ورفضهم الاستجابة إلى ندائه بالتّروّي والسّماح له بمعالجة الأمور بهدوء، هاجمهم "لوثر" في منشور دعاه: "ضدّ عصابات الفلاّحين القَتَلَة". لكنّ الحقّ يُقال إنّ "مارتن لوثر" لم ينظر إلى نفسه كمؤسِّس كنيسة جديدة، بل كمُصلِح كرَّس نفسه لإصلاح الكنيسة وإعادة عقيدة التّبرير بالنّعمة، الّتي نادى بها بولس الرّسول، إلى الموقع المركزيّ في اللاهوت المسيحي. وفي العام 1522، عندما بدأ أتباعه يُطلقون على أنفسهم اسم "اللوثريّين"، كتب إليهم ناهياً إيّاهم عن ذلك، قائلاً لهم: "دعونا نتخلّص من كلّ الأسماء الفِئويّة وندعُ أنفسنا مسيحيّين، على اسم ذاك الّذي نتمسّك بتعليمه ... فانا أتمسّك، مع الكنيسة الجامعة، بتعليم المسيح الجامِع، الّذي هو سيّدنا الوحيد". إلاّ أنّ "لوثر" عاد وقَبِلَ التّسمية عندما هاجم الأعداء أتباعه مُعيّريهم باللّوثريّة، الأمر الّذي أخافهم، فقال لهم "لوثر": "إنْ كنتم مقتَنِعين بأنّ تعليم لوثر يتوافق مع تعليم الإنجيل ... فلا تتنكّروا للوثر بالكامل، لئلاّ تتنكّروا أيضاً لتعليمه، الّذي تعترفون بأنّه تعليم المسيح أيضاً". مات "مارتن لوثر" في "آيسلوبن" في 18 شباط 1546، في أثناء رحلة لمُصالحة اثنين من النّبلاء اللوثريّين، ودُفِن في كنيسة قلعة "وتنبرغ"، إلاّ أنّ الإصلاح الإنجيليّ استمرّ بعده ونما وغيّر وجه أوروبّا والعالم الغربيّ.

لينغا: https://www.linga.org/biblecharacters-articles/MjM5Mw==

 

 

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة BB code متاحة قوانين المنتدى
لا تستطيع الرد على المواضيع الابتسامات متاحة
لا تستطيع إرفاق ملفات كود [IMG] متاحة
لا تستطيع تعديل مشاركاتك قوانين المنتدى
الانتقال السريع

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية

الساعة الآن 04:36 PM.