اعلانات خــورنة القوش
كاردينيا للورود والهدايا اعلن هنا
شخصيات القوشية في سطور دليل المنتدى
كرم الالقوشي karam alqoshy فيسبوك
اخبار شعبنا اخبار القوش اعلن هنا


عرض خاص ... فقط بـــ 25 $ ... اعلانك على موقع خورنة القوش لمدة شهر كامل ... اعلن اليوم ليصل الى اكثر من 130.000 الف متابع
دعوة للإنضمام لأسرتنا
اسم العضو
كلمة السر تأكيد كلمة السر البريد الإلكتروني تأكيد البريد الإلكتروني
التحقق من الصورة
رجاء ادخل الستة أرقام أو الحروف الظاهرة في الصورة.


تاريخ الميلاد:    
هل انت موافق على قوانين المنتدى؟

التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز
قريبا
بقلم :
قريبا

العودة   منتديات خورنة القوش > الاقسام العــــــــــــــــــــامة > اصدارات جديدة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  رقم المشاركة : [21]  
قديم 06-06-16, 07:03 PM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
مبروك رد: امرأة فى الخمسين - كه يلان محمد

http://www.syrianstory.com/amis-4-50.htm

إعدام امرأة

كانت المحاكمة نهائية، والحكم قطعي غير قابل للتأجيل ولا الاستئناف ولا النقض، وقررت هيئة المحكمة الموقرة، الحكم علي بالإعدام، لأني طوحت على مدى سنوات بالتقاليد والعادات المُتعارف عليها عامةً، وشوهتُ مفاهيم الشرف والأخلاق برفضي بيت الطاعة الزوجي وإعلاني على الملأ أنني أعشق رجلاً أعيش حبه في الشمس...‏

وقالوا: إني ظاهرة خطرة على المجتمع، لأنَّ العشق الحر لو استشرى بين البشر، لانتهى المجتمع إلى كارثة لا أخلاقية، ولانهدمت بيوت كثيرة، ولهجرت نساء كثيرات أزواجهن، ولهجر رجال كثيرون زوجاتهم، وهكذا تنهدم بنية الأسرة التي هي حجر الأساس لبناء مجتمع سليم...‏

لا أذكر ماذا قالوا بعد... أغمضتُ عيني تخيلتُ بيتاً ريفياً بسيطاً وأشجاراً عالية وأطفالاً يلعبون ويتصايحون، وتبلورت هذه الصورة أكثر وأكثر، واشتد صياح الأطفال وعلت ضحكاتهم، وتبينت من خلالهم ابنتي إيمان، فخفق قلبي بشدة، كانت تضحك من كل قلبها تتكلم وتشير بيديها، كانت عيونها تلتمع فرحاً، وخدودها موردةً، وهي تقفز وتلعب مع رفاقها، صرختُ بكل قواي، إيمان، إيمان، لكنها لم تسمع، كنت أراها، ولكنها لا تراني، ولا تسمعني، وددت لو أركض أحتضنها بقوة وأقبل يديها وقدميها وشعرها.... ولكني اكتشفت أني غير قادرة على الحركة وأني مشلولة... وفجأة انطفأت الرؤية وحل الظلام، وحاولت جاهدةً استعادةً الصورة فعجزت وفتحت عيني بأسى ففوجئت بتزايد الجماهير، كيف تجمَّع كل هؤلاء، من أين أتوا؟.. رجالاً ونساءً.. حتى الأطفال، أحضروا أطفالهم ليشهدوا إعدام امرأة... ولكن لماذا يُحضرون الأطفال، وكيف تسمح هيئة المحكمة الموقرة بإحضار الأطفال؟....‏

ماكنتُ أشعر بشيء، ولكني كنتُ فعلاً مندهشة من هذا الحشد الكبير، ونقلت نظري في الوجوه، كنت أعرف أكثرها، وتبينت أصدقائي وأقربائي وجيراني وغيرهم كثيرون بالرغم عني ابتسمتُ لأني وجدتُ تشابهاً كبيراً بينهم... نفس النظرات، هل النظرة تعطي هذا التشابه الكبير بين البشر كانوا ينظرون إلي بثبات نظرة حيادية باردة ميتة... كأني لا شيء بالنسبة لهم كأني لم أعش وسطهم أكثر من ثلاثين عاماً... كيف يتنكّرون لي بهذه البساطة، ووجدت الأنظار كلها تتحول لأحد رجال المحكمة الذي وقف وأعلن بإصرار أنه لن يصلي على جثتي بعد وفاتي لأني كافرة، ولم أطبق تعاليم الدين... وجرى همس خفيف بين الناس، ثم سكت الهمس وحلَّ صمت كله ترقب...‏

سألني أحد رجال المحكمة: ماهي رغبتك الأخيرة..‏

قلت له: أريد أن أموت غرقاً...‏

دهش وقال: ولكني أسألك عن رغبتك الأخيرة، لا عن الطريقة التي ستموتين فيها، فهي من اختصاصنا...‏

ـ ليس عندي أية رغبة، سوى أن أموت غرقاً...‏

يبدو أن هذه الرغبة لم تكن متوقعة أبداً، فجرى تشاور طويل بين رجال المحكمة الثلاث، وافقوا على رغبتي... أخيراً...‏

ـ ولكن البحر بعيد من هنا، حسناً سنأخذك بالسيارة... كانت ثلاث سيارات سوداء فخمة تنتظر عند باب المحكمة وأشاروا إلي أن أركب إحدى السيارات، صعدت إلى المقعد الخلفي، وانطلق السائق باتجاه البحر... لم أكن أشعر بأي شيء، كانت أحاسيسي مصادرة، كأنها تجلدت أو هربت كنت أنظر إلى البيوت والناس والأشجار، وأكوام القمامة.‏

كان البحر ينتظرني بشوق، والموج يهمس لي بموسيقى رائعة، لم أسمع أجمل منها في حياتي... الزرقة الأبدية ستحتويني وسأرتاح، ولدهشتي وجدت حشد الناس ينتظرني على الشاطئ، كيف وصلوا بهذه السرعة؟!... هل ركبوا سيارات أم أنها جمهرة أخرى، ولكنهم متشابهون لدرجة....‏

وقف الرجال الثلاثة الممثلون لهيئة المحكمة، وأومؤا لرجلين ضخمين كي يدفعاني إلى الماء.. لكني لم أنتظر تلك اللحظة كان البحر يناديني بشوق لا يوصف، دبت الحياة بقدمي المشلولتين ووجدتني أركض وأركض وأرتمي في الزرقة اللامتناهية...‏

كانت برودة الماء منعشة، وأحسست أن أحزاني تذوب كلها... وتحررتُ من ثقل جسدي وملابسي وتنفستُ بعمق ووجدت دموعي تنسكب بغزارة وتختلط بماء البحر فيشكل اتحادهما دواءً سحرياً يداوي جروحي الكثيرة...‏

لم أكن أتصور أن قاع البحر جميل بهذا الشكل تعجبت كيف كنت أخشاه سابقاً، كان الموج ينقلني بخفة ويبحرني إلى عوالم رائعة، ألوانها ساطعة، لم أشاهد مثلها من قبل كنت خفيفة وحرة وسعيدة، وكانت تصدر آهات فرح من حنجرتي، ووجدت نفسي أغني وأنا أدور مع الموج.... لم أكن أقدر الزمن، كم استمر دوراني مع الموج، ثواني ساعات، أياماً، سنين... لا أدري، تعطل الزمن كنت أعيش بسعادة لا متناهية...‏

يبدو أنَّه لا يوجد توقيت زمني في عالم البحار، كنت مستسلمة للموج الذي ينقلني من مدينة إلى مدينة دون حدود، ودون جواز سفر، إلى أن تباطأ الدوران وتوقف، ووجدت نفسي في جزيرة خضراء رائعة، وهتفت بكل حواسي أنها الجنة، كان خيالي يعجز عن تخيل جمال بهذه الروعة أشجارها مختلفة، أزهارها بألوان لم أشاهدهما من قبل، شمسها ساطعة دوماً "تشيع الدفء والحياة وبين الأشجار الباسقة لمحت بيتاً أو بناءً جميلاً أشبه بالبيت، ولكن جدرانه شفافة واقتربت، كان الباب مفتوحاً... تعجبت هل هذه الجزيرة مسكونة دخلت من الباب وجدته، صرخت صرخةً ردد صداها الموج كله... كان حبيبي يجلس ينتظرني وعيناه تشعان حباً ووجداً... ارتميت في أحضانه وبكيتُ دهراً.... وقلتُ له: كيف أتيتُ إلى هنا، هل حكموا عليك بالإعدام أيضاً...‏

قال: أبداً، ولكن حبنا لا يعيش إلا في الجنة، وهذه هي الجنة التي انتظرتك فيها طويلاً، هنا سنعيش بسلام، لن نضطر للكذب، لن نضطر لتقديم أوراق رسمية مختومة وعليها طوابع ليحللوا علاقتنا أو يحرموها... في هذه الجزيرة، لا شيء ينمو دون حب الشمس هنا لا تغيب أبداً... ولكن أشعتها دافئة وليست محرقة الأشجار تظل خضراء ولا تتساقط أوراقها، الأزهار تظل يانعة، لا تذبل ولا تتبدل...‏

وبدأت أدور في هذه الجزيرة العجيبة، وتمددت على سجادة خضراء من العشب الطري وسط أزهار تلمع بألوان عجيبة، ومددت يدي وقطفت زهرة، ولدهشتي سال دم أحمر حار من ساقها ذهلت وأسرعت لصديقي أخبره ما حدث، فقال لي وهو متألم، ولماذا تقطعين الأزهار....‏

تأمليها فقط، هذه الأزهار نمت من دماء الشهداء، من دماء المظلومين والضحايا الأبرياء.... كانت الزهرة في يدي لا تزال ترشح دماءً خفيفاً، تألمت كثيراً، لماذا قطفتها، وتحول لونها إلى أصفر شاحب فرميتها جانباً..‏

كيف يمر الزمن في هذه الجزيرة؟ لا أدري فالشمس لم تكن تغيب أبداً... وكنتُ أستطيع أن أنام بهدوء في دفئها الرائع، وكنت أقوم بنزهات طويلة وأنا أمسك يد حبيبي بأمان، دون أن أرتجف خوفاً، ونتحدث أحاديث لا نهائية، لا يبترها تجسس ولا فضول... حتى حبنا تغير شكله، صار امتداداً لروعة الطبيعة، لا يعرف الشك ولا الفتور، ولا الغضب، صار له مسحة من الخلود والمطلق، صار نوعاً من التعبد، كأنه انصهر مع عبادة الله...‏

كيف لا يكتفي الإنسان بالجنة، فتشده قوى خفية إلى أن يخرج منها ولو لدقائق، قوى نحو مجهول، كله عتمة وخطر... وبدأت تنتابني هواجس وأحلام؟.. إني يمكن أن أتسلل خارج الجزيرة لدقائق لأرى إيمان... لتبحث روحي عنها، فقط لأراها... كنت أعرف أن حبيبي سيمنعني من الخروج لأننا أموات بالنسبة لأهل الأرض... ولكن الهواجس زادت وأخذ شوقي لإيمان يزداد ويتعمق حتى احتل كياني كله ولم أعد قادرة على التفكير بشيء... وفي لحظة لمحت دوار البحر يمر بالقرب من الجزيرة، فرميت نفسي فيه وحبيبي يصرخ أيتها المجنونة لماذا فعلت ذلك؟! وأصعدني الدوار إلى السطح، فرأيت اليابسة من بعد، آه كم هي بعيدة، كيف سأستطيع السباحة وحدي، ولكنني صممتُ كانت صورة إيمان ترتسم بوضوح شديد أمام عيني، لمعان عينيها، حبات العرق الصغيرة تنضح من جبهتها وهي تلعب أنفاسها وهي نائمة، آه، إيمان، كنت أسبح وأسبح بقوة لا تعرف اليأس، وشعرت أن المسافة بدأت تقصر وأني بعد وقت قليل سأضم حبيبة قلبي إلى صدري، ولمحت صخور الشاطئ، وداهمتني رغبة بالإقياء من رائحة كريهة انبعثت من هذه الصخور، كانت الشمس تقارب على المغيب وأخذ الغسق يلون الطبيعة بألوانه السحرية البديعة كنت على وشك الانهيار من التعب، ولكني قاومت وتجلدت وأخذت أسبح وأسبح، واشتدت العتمة حولي، ولمحت خيالات أشخاص أم أنها تهيؤات بصرية من تعبي الشديد... وتابعت السباحة باتجاه الصخور فسمعت أصواتاً بشرية تختلط مع أصوات البحر في أذني ودققت النظر في العتمة فلمحت عدة أشخاص كانوا يقفون بهدوء وينظرون باتجاهي، آه ليت أحدهم يساعدني ويجرني إلى الشاطئ، كنت أجرُّ نفسي لاهثة وأخذت نظراتي تزوغ من التعب والإرهاق، واقترب الأشخاص من حافة الصخور لم أتبين وجوههم لأن الشمس كانت قد اختفت في البحر... وبدأ الظلام وصرخ أحدهم بصوت جهوري: كنا واثقين انك ستحاولين العودة، وأن كل افتعالك للموت غرقاً كان حيلة منك، وأعطى إشارة بيده فرفع الرجال بنادقهم وانهال الرصاص باتجاهي وغطى على موسيقى الموج، كنت من التعب لدرجة لم أشعر بدخول الرصاص إلى جسدي وامتلأ جسدي بثقوب كبيرة سال منها دم أحمر حار امتزج بماء البحر، وسقط إلى القاع، فنمت للحال زهوراً رائعة الألوان لا تعرف الذبول...‏

 

 

توقيع » 1R-1026

من مواضيع 1R-1026

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [22]  
قديم 06-06-16, 07:04 PM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
مبروك رد: امرأة فى الخمسين - كه يلان محمد

http://www.syrianstory.com/amis-4-50.htm

فاطمة

لم تستوقفني فاطمة لأنها طفلة تتسول، فقد اعتدتُ رغماً عَنّي على منظر المتسولين الأطفال يداهمون المارة في الأزقة والشوارع، ليشعرونني كل مرة كم أن للحياة طعماً رديئاً..‏
لكن فاطمة التي لا يتجاوز عمرها عشر سنوات ـ كما قدّرت ـ شلّت تفكيري، واستقطبت أحاسيسي، وجعلتني أشعر كلما التقيتها، أو زارتني في مكتبي أن صرخة خرساء تمزّق قلبي..‏
من اللحظات الأولى استفزتني تلك المتسولة الصغيرة، إذ لم أتّوقع أن أجدَّ متسولاً شديد الاعتداد بنفسه كفاطمة، فهذه مهنة الذل والانكسار، لكن فاطمة تملك إحساساً فطرياً عالياً بكرامتها الشخصية، إنها لم تسمع عن الكرامة، ولا تعرف ماهي، لكنها تملكها في داخلها كمن يملك جوهرة يجهل قيمتها.‏
سيطرت عليَّ تلك الطفلة وأملّت شروطها. كنتُ جالسةً في مكتبي أنعم بدفء الشوفاج وأتلذذ بفنجان قهوة يساعدني على تحمل جرعات الإحباط اليومية التي تقدمها نشرات الأخبار، ومن حين لآخر أهرب بنظري من شاشة التلفاز إلى النافذة، لأتفرج على الأمطار الهائجة التي سقطت بعد احتباس طويل، كدموعٍ مخنوقة فاضت بها الروح أخيراً..‏
دخلت عليَّ فاطمة أشبه بفزاعة عصافير، هيكل عظمي لطفلة تكسوه أسمال بالية فضفاضة ومن حذائها المهترئ تظهر أصابع قدميها القذرة المزرقة من البرد، دخلت منتصبة القامة، ترسم ابتسامة متعبة على وجهها الطفولي المدبوغ بالإعياء والألم رغم نضارته، أدهشني امتلاء وجهها مقارنة مع نحولها الشديد، كان شعرها المقصوص بطريقة مشوهة مبلولاً ويقطر ماءً على رقبتها وكتفيها. تحمل في يمناها كيساً أسود. سألتني بصوت واثق لا يحمل أي نغمة استجداء:‏
ـ هل تشترين هذه الكنزة؟!!..‏
أخرجت كنزة خضراء عتيقة من الكيس، وعرضتها علي بطريقة نزقة، عارفةً أنني لا يمكن أن أشتري هذه الخرقة..‏
لم أستطع أن أصرفها، علاقتي مع المتسولين الصغار كانت بالهروب منهم، أسرع بإعطائهم النقود أو أسرع خطواتي كي يفهموا ألا يتبعوني ويتعبوا أنفسهم، ماكنتُ أتحمل مظهرهم الرث فقلبي طافح بأنواع كثيرة من الغمّ والقهر.‏
لكن فاطمة فرضت نفسها عليَّ بطريقةٍ غامضةٍ أجبرتني أن أراها بقلبي ـ أسرتني تلك المفارقة في شخصها، فتلك المتشردة الصغيرة، البردانة والجائعة والمُهملة، شبه الحافية، تملك كرامة متحدية واعتداداً حقيقياً بنفسها، هل أردتُ أن أحلَّ لغز النظرة؟.. سألتها: من أنتِ...؟!‏
أجابت: فاطمة...‏
ـ ولِمَ تتسولين يا فاطمة...؟‏
هَزَّت؟؟؟؟ كتفيها ساخرة من سؤالي، ابتسمت كاشفة عن أسنان مصفّرة.‏
سألها: ألم تذهبي إلى المدرسة؟..‏
ـ أجل وصلت حتى الصف الخامس.‏
ـ ولِمَ تركت المدرسة يا فاطمة؟‏
بصوتٍ بالغ الحياد أجابت: أخرجتني أمي كي أعمل.‏
ـ أهي التي تدفعك للتسول؟..‏
ـ أجل...‏
كنتُ أحدّقُ بها كحالة للدراسة، كنموذج خاص لمتسول، كانت عيناها الواسعتان العسليتان تحدّقان بوجهي بنظرة نقية صافية تستحث محبتي إنما ليس شفقتي...‏
نظرتها تعني، لا تنظري إلي نظرة فوقية، لا تهينينني بشفقتك، فأنا إنسانة مثلك، لكن ظروفي صعبة..‏
وجدتني أعطيها مبلغاً كبيراً من المال، ليس لإرضائها، وإرضاء ضميري، إنما لغاية أكثر تعقيداً، فقد أردتُ ـ أنا التي وقعتُ تحت سطوتها ـ أن أسيطر عليها بهذا المبلغ الذي لم تحلم به..‏
أخذت المال ببساطة ودسته في جيبة بنطال واسع تحزمه بشريط ثخين، ابتسمت لي شاكرة، وعادت تمسح وجهي بحنان بعينيها الصافيتين...‏
سألتها: إحكِ لي عن أسرتك، أمكِ، أبيكِ؟..‏
قاطعتني: والدي توفيَ منذ عامين بالسرطان، لديَّ أربع أخوة يصغرونني..‏
ـ وأمكِ، ماذا تعمل؟..‏
ـ لا شيء..‏
ـ وكيف تعيشون..‏
رفعت كتفيها بلا مبالاة، وقالت: الله يعيننا، أحياناً الأقرباء يرسلون لنا طعاماً..‏
أغاظتني تلك الطفلة بمظاهر الرضى التام لواقعها، كأنها لا تخجل مما هي فيه، من نذالة أمها وبؤس طفولتها، أحسستها تريد أن تحب الحياة مهما كانت قاسية عليها..‏
قاومت مشاعر غيظي وتابعت الحوار معها..‏
ـ هل تعرف أمك أنك تدورين من مكتب إلى مكتب تشحذين المال؟..‏
ـ أجل..‏
ـ ألا تخشى عليك من اعتداء، أو تحرُّش أو خطف أو....‏
قاطعتني: لا أعرف، لا أظن..‏
ـ متى تخرجين من البيت؟..‏
ـ منذ السابعة صباحاً..‏
ـ ومتى تعودين؟..‏
ـ أعود بين الثامنة والتاسعة مساءً...‏
ـ وأين تقضين كل هذا الوقت؟..‏
هزت كتفيها مستخفة بسؤالي قائلة بثقة واعتداد: أشحذ..‏
لم تشعر فاطمة أن هناك ما يهين في التسول، وجدت نفسها محشورة في زقاق الفقر، محاصرة مع أخوتها في فم غول اسمه الجوع..‏
ـ وهل تجمعين مبلغاً جيداً..؟..‏
ـ ليس دوماً..‏
ـ ما أكبر مبلغ جمعته؟..‏
ـ ذات يوم جمعت سبع مئة ليرة في اليوم..‏
فكرتُ أنه دخل موظف خلال أسبوع؟!!..‏
فجأةً لم أعد قادرة على محادثتها... شعرتُ أن وادٍ سحيق يفصلني عنها ويفصلها عني، لا يمكنني عبوره مهما دفعتُ لها مالاً، يبدو أنها شعرت أني لم أعد قادرة على تحمَّل وجودها، وبأنها تسبب لي الضيق، فحملت كيسها وهمت بالانصراف..‏
استوقفتها لأعطيها قالب شوكولا... امتدت يدها النحيلة كغصن مقطوع تأخذه مع نظرة امتنان لكني لم أشعر بلهفتها لتذوقه ـ قلتُ لها: كُليه يا فاطمة...‏
قالت: لا،.. سأخبؤه لأمي فهي تحب الشوكولا...‏
وددتُ لو أصرخ بها: وهل تستحق أمك أن تحبُيها؟..‏
لكني كبحتُ صراخي، ونفثت سموم حقدي في وجه طفلة بريئة من مصيرها...‏
ـ هل تحبين أمك التي ترميك في الشارع يا فاطمة؟..‏
حدقتْ بي بعينين زائغيتن زفرت همَّاً يضيق بها صدرها الطفولي، وقالت: كيف لا أحبها... إنها أمي... كرهتُ نفسي لأنني سببتُ لها الألم، وحين استدارت لتنصرف، تأملت عظم نقرتها وعظام كتفيها وأضلاعها التي تشف عن كنزة فضفاضة مهترئة، رجليها أشبه بعودين يابسين، لكن مشيتها شامخة، كأنها لا تريد أن تنهزم أمام نحولها، وبؤس طفولتها...‏
تركتني فاطمة مستنفدة بذكراها لأيام، التصقت هذه الطفلة بمشاعري، أحسستُها تريد أن تعطي مغزىً آخر لأيامي، إذ أحس بحضورها وأنا في السيارة، فأتخيلها هائمة في الشوارع، تفاجؤني ترنو إلي بعينيها الواسعتين العسليتين، وأنا آكل طعامي الشهي المدروس جيداً على الفيتامينات والسعرات الحرارية أحس بجوعها المُكابر... بلبلت مشاعري تلك المتسولة الصغيرة، فما عدتُ أعرف هل أرغب بلقائها أم لا...‏
لكني بعد أيام فرحت حقاً حين أطلّت عليَّ كشبح طفل يتقدم نحوي بثبات... لم أكن أعرف أن حميمية خاصة ولدت بيني وبينها، استقبلتها كأنني معتادة على استقبالها دوماً...‏
لكنها سمّمتني بالغضب حين قالت لي بابتهاج حقيقي: كم فرحت أمي بقالب الشوكولا..‏
كنتُ أريدها أن تكره أمها، وأن تعرف أن تلك الأم سيئة لأنها تدفع بطفلتها للتسول، كنتُ أطلب من طفلة لم تتعلم الكره بعد أن تعكَّر صفاء روحها وتكره، وتفهم قوانين استغلال الأطفال والإساءة إليهم، وأن تتمرد على مصيرها وتحاكم أمها، وبالتالي مجتمعاً بأكمله، ينتهك طفولتها..‏
سألتُها بحنق: كان يجب أن تأكلين الشوكولا أنت؟..‏
ـ لكن أمي تحب الشوكولا كثيراً..‏
ـ أمك هذه غريبة، كيف ترمي بك في الشارع لتتسولين؟...‏
كنتُ أشعر كم ينقل الصوت شحنات الحقد المسمومة، كم استاءت من غضبي الذي لم تتوقعه لأنها دخلت مكتبي بلهفة المشتاق، فلم تتوقع عجرفتي، أعطتني فاطمة درساً لن أنساه في أن العجرفة دليل الجهل... ماذا أعرف أنا عن هذا القاع الذي تعيش فيه فاطمة كي أنظرّ عليها وعلى أمها؟!!!...‏
كبحتُ غضبي وأعطيتها المال، فأخذته وهي تشيح بعينيها عني بنظرة انكسار، وجدتني أرّق للحال، وأطلب إليها أن تقترب مني، تركت الكيس الأسود الذي لم أسألها ماذا يضم، واقتربت مني، احتضنتها، ياه كم هي نحيلة، إنها بالكاد تملك قواماً...‏
سألتها: ألا تأكلين يا فاطمة؟...‏
ـ أجل، آكل مساءً حين أعود إلى البيت...‏
ـ وأثناء النهار..‏
ـ نادراً ما آكل، أحياناً إذا اشتدَّ علي الجوع، أشتري فولاً...‏
ـ لكن كيف ستكبرين وتصيرين صبية إن لم تأكلي...‏
أدارت جذعها بطريقة تعمّدت أن تلصق خدها بخدي، قالت لي كأنها توشوشني .‏
ـ حكيت لأمي عنك..‏
ـ وماذا قلتِ لها؟‏
ضحكت: قلتُ كلاماً جميلاً...‏
سألتها: لِمَ لا تحاول أمكِ أن تعمل...‏
ـ لا أعرف، أخوتي صغار، كيف ستتركهم...‏
ـ ووالدك ماذا كان يعمل؟‏
ـ سائق باص..‏
ـ أكان موظفاً..؟‏
ـ أجل..‏
ـ ألا تقبضون راتبه بعد وفاته..‏
ـ تقبض أمي نصف راتبه، أي ألفي ليرة..‏
ألفي ليرة!... لا تكفي ثمن خبز تسد به أرملة أفواه أطفالها الخمسة!...‏
أعدتُ سؤالي الغبي: أتحبين أمك يا فاطمة؟..‏
كأنني توقعت هذه المرة أن تصارحني بالحقيقة وتقول :لا..‏
نظرت إليَّ بعتب وتساءلت: وهل يوجد إنسان لا يحب أمه؟..‏
كانت أمها انتماؤها ودنياها، كانت وطنها، أليس للوطن وجه أم؟!... لم أعرف كم أن فاطمة تحب أمها إلا بعد شهر من ترددها عليَّ، يوم قررتُ أن أكتب رسالة لتلك الأم ـ عساني أحثها أن ترحم ابنتها من حياة التسول، وأحرّض فيها نخوة البحث عن عمل لإعالة أولادها.‏
لم أتردد بشأن الرسالة، لأن ذلك اليوم كان مشحوناً ببؤس فاطمة فوق قدرتي على الاحتمال...‏
كنتُ قد التقيتها صباحاً، وأعطيتها مالاً على عجل، وعند الظهر كانت عاصفة قوية تهب بجنون مقتلعة بضعة أشجار، ومسقطة عمودي كهرباء، كنتُ غاطسة في معطفي، أوصي سائق التكسي أن يكون حذراً خوفاً من جنون العاصفة، حين لمحتُ عَرَضاً فاطمة كشبح تقف عند مدخل أحد البنايات، تحمل الكيس الأسود بيدٍ، وتنفخ على يدها الثانية لتتدفأ.‏
كنتُ في مكان بعيد جداً عن مكتبي، تساءلت بدهشة: هل تصل فاطمة إلى هذه الأحياء!.. هزّني منظر المتسولة بقوة، ولم أستطع الاسترخاء طيلة النهار، ولعظيم دهشتي زارتني في يوم جنون الطبيعة مساءً في مكتبي، فانفجرتُ بها بلا شفقة: ألا زلت خارج البيت كيف تتجولين في الشوارع والعاصفة...‏
لكني لم أستطع أن أكمل كلامي الذي انقطع فجأةً أمام دموع عينيها، دموع بسبب البرد أسرعت تلتصق بالشوفاج، تقبض على قضبانه بأصابعها الصغيرة المحمرة، وتمسح بكم كنزتها أنفها الذي يسيل، وتقول لي متجاهلة استنكاري: ياه، البرد فظيع اليوم...‏
سألتها بسخرية:وكيف كانت الغلّة اليوم؟...‏
ردت ببساطة مسالمة: ليست سيئة.. جمعتُ مئة ليرة لأمي..‏
انفجرتُ لدى سماعي كلمة أمي، تلك المجرمة، عند هذا الحد قررتُ أن أكتب لتلك الأم رسالة، لا أذكر تماماً ماذا كتبت، لكن كلماتي كانت قاسية، لدرجة أن وجه فاطمة غام وراء غيمة حزن، عكرت ملامحها العذبة، لأول مرة شعرتُ كم هي مشوشة بالخوف وعدم الأمان، قطّبت وهي تنظر إليَّ بعتبٍ وألم، لكنني ألححتُ عليها أن تعطي أمها الرسالة، وأن تطلب إليها أن تزورني، كنتُ أريدُ أن أتفرج على تلك الطينة من الأمهات اللاتي يدفعن أولادهن إلى فم الغول..‏
أخذت فاطمة الرسالة وانصرفت، لكني فوجئتُ وأنا أغلقُ باب مكتبي أنهامزقت الرسالة، وألقت بالقصاصات عند بابي بتحدٍّ واحتقار. كتمت غيظي وقررتُ أن أحذفَ تلك المتسولة من حياتي، فلا يمكنني أن أقدم لها شيئاً، وفعلاً تجاهلتها خلال أسابيع، لكني تنبهتُ أنها هي التي بدأت تتجاهلني، فلم تعد تزورني، وتبتعد عني حين تصدفني في الشارع...‏
سخرتُ من نفسي واعترفت بأنني أسأتُ لهذه الطفلة، فأنا أشجعها على التسول حين أعطيها المال بطريقة لا تحلم بها...‏
صرتُ أتفرج عليها وهي تدور في الشوارع حاملة الكيس الأسود، تسير بقامتها الضئيلة الشامخة دوماً، شيء ما يضحك ويبكي في منظر تلك المتسولة المعتدة بنفسها، أراها جالسةً على درج، أو تقزز لب دوار الشمس، رفاهيتها الوحيدة ربما، تتفرج على الحياة حولها بعينينها الواسعتين الصافيتين، لا أذكر أنني رأيت عينان بصفاء عيني فاطمة، لم أرها مرة تأكل...‏
لكن فاطمة ظلت الغائبة الحاضرة، تركت بصمتها في روحي ومضت، بقي جزء منها في فضاء مكتبي يحفّ بي على الدوام، حاصرتني نظرتها الصافية التي تنجح دوماً في مداراة ألم أكبر من سعة صدرها النحيل، سجنتني في عسل عينيها، ياه ليس هناك من سجن أصعب من سجن العيون...‏
حاولتُ إقناع نفسي أن فاطمة وأمثالها أمرٌ واقعٌ، يجب تقبله، كما نقبل رغماً عنا مظاهر انتهاك كثيرة، الأذى الذي يحدثه فينا منظر المتسولين الأطفال، يشبه الأذى الذي نُحسِّهُ حين نرى سيارات فارهة يقودها لصوص يمصون دم الشعب. وجهان لعملة واحدة...كما أقول لنفسي...‏
لم أكن أعرف إلى أي حدّ تغلغلت في روحي تلك الطفلة، إلا بعد أسابيع طويلة من القطيعة بيننا، حين كنتُ أنتظر اللّحام يدق لي قطع اللحم لتصير شرائح رقيقة كنتُ أقف خارج الدكان هرباً من رائحة اللحم النيء، فجأة لمحتُ في زجاج الواجهة صورة فاطمة على الرصيف المقابل، ترنو إليَّ بنظرة لا نهائية، لم أستدر، ولم أقم بأية حركة، كانت تقف مستمرة بالنظر إليَّ، بشوق وعذوبة، صرتُ بدوري أحدّق بها من خلال الواجهة الزجاجية لدكان اللحام..‏
تنبهتُ أنني أدير لها ظهري، فيما هي تفتح لي صدرها بمودة إنسانية هائلة، لم أشعر بمثلها في حياتي، كانت أعيننا تتلاقى من خلال الزجاج في نظرات لا نهائية، نظرة لا يمكن وصفها إلا أنها نظرة إنسانية، نظرة إنسان لإنسان، كأنني أتعرف على نفسي من خلالها، وتتعرف علىنفسها من خلالي.هزَّني الشوق لتلك الطفلة ودفعني للاستدارة نحوها، كانت نظرة فاطمة قادرة على الوصول إلى نخاع روحي، لم نتكلم، ولم نلوّح لبعضنا، عبرتْ الشارع العريض بمشيتها الواثقة وتركت جسدها النحيل يرتاح بين ذراعي، مسحتُ على شعرها الأجعد القصير جداً، وقلت لها مدارية دوامة مشاعر تأثر تعصف بي: ماذا فعلت بشعركِ؟...‏
ضحكت: قصته لي أمي...‏
ـ لكن لِمَ قصته بهذه الطريقة، لقد شوهتك يا فاطمة...‏
ضحكت بتسامح: كي لا يتحرش بي أحد...‏
سألتها مازحةً كي أداري تأثري: ما أخباركِ يا فاطمة، أما زلت تفتلين في الشوارع...‏
ـ أجل....‏
أدركتُ حماقتي حين كتبتُ رسالة لأمها، ما أغباني هل اعتقدتُ أنني مصلحة اجتماعية، أو ساحرة قادرة أن أقلب بؤس تلك الأسرة إلى نعيم...‏
أمسكتُ يدها فتركتني أقودها حيثُ أريدُ، كانت تلك الصغيرة مستعدةً أن تتبعني، وأن تتركني أقودها حتى آخر الدنيا...‏
في مكتبي أعطيتها نقوداً كالعادة، وطلبتُ منها كما لو أننا صديقتين أن تُريني ماذا يضم كيسها الأسود أخرجت بنطالاً بالياً تحلم أن تبيعه، أكلت فولاً وشربت كولا، حدثتني عن أسفها الشديد لأنها باعت مظلتها معتقدةً أنَّ الشتاء قد ولَّى، ضربت كفاً بكف وهي تقول: تصوري يوم بعت المظلة بدأت الأمطار تهطل غزيرة، سأذهب إلى البائع لأستردها...‏
أبديتُ إعجابي بحذائها الرخيص الجديد، قالت إنها اشترته على العيد...‏
سألتُها: وهل تسوّلت في العيد؟...‏
قالت: طبعاً، وجمعت مبلغاً لا بأس به...‏
حكت لي فاطمة وهي تطقطق أصابعها النحيلة، أن أمها دائمة الشجار مع أصحاب الغرفة التي يعيشون بها، وأنهم ينوون طردهم من تلك الغرفةِ، وبأنها لن تسمح أن تصير أمها في الشارع...‏
توقدت بشرة فاطمة وتألقت نظرتها وهي تخبرني عن قَسَمِها أنها لن تسمح لأحد أن يطرد أمها وأخوتها من تلك الغرفة...‏
حكت لي تلك الصغيرة الجبارة عن رجل عجوز يملك دكاناً، يلّوح لفاطمة بالمال كلما مرّت قرب دكانه ويبرطم بكلام غير مفهوم، حذرتها منه، فابتسمت لي تطمئنني أن لاداعي لتحذيراتي.‏
ذات مساء فاجأتني فاطمة في ساعة متأخرة، ما إن رأيتها حتى نظرتُ في ساعتي، قلتُ لها: فاطمة تقترب من التاسعة، ألم ترجعي لبيتكِ بعد..‏
ـ سأرجع، لكني أردتُ أن أخبرك شيئاً...‏
اعتقدتُ أن أمراً خطيراً حدث مع فاطمة أو أحد أفراد أسرتها، سألتها بقلق...‏
ـ خير يا فاطمة...‏
ـ أردتُ أن أقول لك أنني مزّقتُ الرسالة لأنني... تعثرتُ بالكلام، ثم استجمعت قواها وتابعت، لأن أمي كانت ستضربني، فذات يوم أرسلت سيدة لطيفة مثلك رسالة لأمي، فضربتني بقسوة، وقالت لي لا تتحدثي مع الناس، إطلبي منهم المال فقط.‏
غَشِيَ دمعٌ حار عينيها، وقالت وهي تمسح عينيها بكم كنزتها طيب أنا ما ذنبي؟؟؟‏
ـ ألهذا السبب جئتِ الآن...‏
ـ أجل. طيب أنا ما ذنبي؟!..‏
كانت تسأل الدنيا حولها هذا السؤال الأليم. لم أستطع أن أقول شيئاً سوى معك حق يا فاطمة...‏
أمسكتُ بيدها وقلتُ لها هيا آن الأوان لترجعي إلى البيت، أجبرتها أن تأكل قطعة حلوى، أرادت أن تخبؤها في الكيس الأسود، انتظرتُ الباص مع فاطمة ليحملها إلى غرفة بؤسها، حيث سترتمي على فراشٍ حقيرٍ لتنام. وقبل أن تصعد الباص التفتت إليَّ وهي تضحك من قلبها.. قالت:‏
ـ أتعرفين، أحب كلامك عني...‏
حين تسألينني أما زلت تدورين في الشوارع.. لم أفهم ما الذي يضحك فاطمة في هذا الكلام، لعل أحاسيسها ملتبسة بين ضحك وبكاء، فكرتُ بأيام فاطمة التي تقضيها في دوران مضني في الشوارع متسللة إلى المكاتب تشحذ، متعرضة لتحرشات وكلمات لن تبوح بها لإنسان. فاطمة التي تدور وتدور بلاجدوى في شوارع مدينة تنتهكها كل يوم، باحثة عن حب دافئ، عن حلم طفولة يتبدد يوماً بعد يوم، عن حلم يهترئ ويبلى، كتلك الأشياء المهترئة التي تضعها فاطمة في كيسها الأسود..‏
ترى كم يساوي حلمك يا فاطمة؟!...‏

 

 

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [23]  
قديم 06-06-16, 07:13 PM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
مبروك رد: امرأة فى الخمسين - كه يلان محمد

http://www.syrianstory.com/amis-4-50.htm
عطر الحب

قوبل القرار الذي اتَّخذته زينب بالاستهجان والاستغراب معاً، لدرجةٍ شعرت أنها مطوّقة بنظراتِ أولادها وزوجها السَّاخطة، لكنَّها في أعماقها شعرت بشيءٍ من السّخرية من استيائهم، فلن تتراجع عن قرارها حتى لو اكتشفوا كِذبَتها.‏

اتخذت قراراً بأن تأخذ إجازة من المؤسسةِ الزَّوجيةِ لعدةِ أيَّامٍ، لم تكن تستطع أن تقول لهم بصراحةٍ: "اسمعوا، أنا على شفير الانهيار من الإرهاق، وأشعرُ كما لو أنَّني حمار الطَّاحون، فمنذ خمسة عشر عاماً أعمل على خدمتكم بشكلٍ متواصلٍ..". ياه، أريد أن أرتاح، أن أفرَّ منكم بضعة أيامٍ كي أرمِّم نفسي وأشحذ بطاريتي.". ما كانوا ليقتنعوا بكلامها، فاضطّرت لاختلاق كذبةٍ، بأن زوج أعزِّ صديقاتِ طفولتها قد توفيَ وعليها أن تسافرَ إليها في بيروت، تحديداً في قريةٍ قريبةٍ من بيروت.‏

حاكت كذبتها دون أن تهتمَّ بأمر افتضاحها، تحدّت زوجها الذي تعتقد أن متْعَتهُ الوحيدة في الحياة هي إدانة الناس وتقصَّى عثراتهم، كانت تتخيل ببرودٍٍ نظرَتَهُ الشامتةٍ وهو يقولُ لها: "يا سلام، المُربّية الفاضلة تكذب!"..‏

بدون أسف باعت السَّوار الذهبيّ الوحيد الذي تملكه، والذي قدمَّه لها زوجُها يوم عقدِ القران، سوارٌ مؤلَّفٌ من حلقاتٍ ثخينةٍ متشابكةٍ مع بعضها. فكَّرت وهي تقبض ثمن السَّوار، دون أن تشعر بذرّةِ ندم، أنّ حلقات ذلك السَّوار المتداخلةِ مع بعضها تشبه سنواتِ حياتِها التي تتلاحق في خدمة أحبّائها. شعرت براحةٍ وهي تتخلص من ذلك السِّوار كأنَّها تقطع آخر رباطٍ لها مع المؤسسةِ الزوجيةِ.‏

لم تكن تعرف بيروت إلا من خلال التلفاز، وبمساعدةِ صديقتها الوحيدة في العمل، اتفقت مع سائق تاكسي ليمرَّ بها فجراً لتسافر إلى مدينةٍ أهم مافيها أنها لا تعرف فيها أحداً ...دلَّتها صديقتها على عنوان فندق...‏

لم تصدِّق أنَّ كِذْبَتها نجحت إلا حين جمعت بعض ثيابها في حقيبةٍ وأولادها متحلِّقين حولها ينظرون إليها بافتقادٍ وعتابٍ. ابنها الصغير ماكان يستطيع أن يغفو إن لم يلامس جسدُهُ جسدَها، طوَّق عنقها، والتصق جسدُهُ النحيلُ بجسدِها، قائلاً:‏

ـ "ماما، أوِّل مرَّةٍ تتركينا...".‏

قبَّلت خدَّيه بنهمٍ كعادتِها، قُبُلاتٍ يسمّيها أولادها "كاسات هوا"، قالت له:‏

ـ "لن أغيب سوى أيّام قليلة وسأشتري لك هدايا كثيرة"...‏

نجحت خطَّتُها بيسرٍ لم تتوقعه، ورغمَ أنَّ كل شيء مرَّ بسلام، فإنها شعرت بذعرٍ حقيقيٍّ حين انطلقت بها السيَّارة مبتعدةً، شعرت أنَّ قرارها بالسَّفَرِ كان متهوِّراً وتمنَّت بحماسٍ أن تنال عقابها لتكفِّر عن ذنبها بترك أولادها، وكي لا تأسرها مشاعرُ الإثمِ وتأنيبِ الضميرِ تجاهَ أولادِها ذكَّرت نفسَها بأنَّها طبخت لها سلفاً عن ثلاثةِ أيامٍ، وغسلت ثيابهم وكوتها، لمَّعت الزجاج ومسحت الأرض، فلن يرهقهم أيُّ عملٍ...‏

كان الطريق إلى بيروت موازياً للبحر، ظلَّ نظرها معلَّقاً بالبحر طوال ساعات السفر، وحين عبرت الحدود غاص قلبُها في أسىً عميق وهي تعي أنَّها لم تسافر أبداً طوال حياتها. بل زاد في أساها إحساسها أنَّه كان يمكن لعمرها أن يمضي على الوتيرةِ ذاتِها لو لم تخترع كذبة لتسافر خارج سجن الحب، عند هذه العبارة همدت أفكارُها، أجل، ما الأسرةُ، سوى سجن الحب؟!.. مطلوبٌ منها أن تعطي وتعطي وتعطي، محرّمٌ عليها أن تتعب، يجب أن تكون كالإسفنجة التي تمتصُّ حتى لو اختنقت من السائل..‏

كانت متكوِّمة في مقعدِها، تسند جبينها على زجاج النافذة؛ تحبس نَفَسَها في الصمتِ كما لو أنها في درعٍ، لم ترغب في تبادل الحديث مع الرّكابِ مكتفية بحوارها الصامت الحميم مع البحر. لم تحدد طبيعة مشاعرها، وهي تتعرَّف للمرّة الأولى على طبيعة لبنان الساحرة، أحسَّت أن مشاعرها عميقةٌٍ مختنقةٌ داخلها ومتشابكة لدرجةٍ يصعب عليها تحديد ماهيتها، لم يغادر أطفالها ذهنها لحظة واحدة، كانت معهم في كلِّ تحرُّكاتهم، أثناء فطورهم، واغتسالهم وذهابهم إلى المدرسة، شعرت بغرابةٍ ودهشةٍ حقيقيَّتين وهي تتنبهُ لأوَّلُ مرّةٍ في حياتِها كيف أنها حاضرةٌ في كلِّ شيءٍ في حياتهم..‏

أصابتها تلك الحقيقة التي داهمتها متكثِّفة عبر خمسة عشر عاماً بدوار حقيقيٍّ، أغمضت عينيها مستسلمةً لدوار العاطفةِ العاصفةِ التي تربطها بأسرتها، وَعَتْ بكلِّ كيانها المتهالك من التعبِ أنها صرحُ هذه الأسرةِ، حجرُ الأساس فيها، وبأنَّهم لا يكونون إلاَّ بها.‏

أنهكتها انفعالاتِها طوال الرحلةِ، فوصلت إلى الفندق منهكة، بقلبٍ ثقيلٍ ومشاعرَ متضاربة تُثقلُ كاهلها وتجبرها على إحناءِ كتفيها قليلاً. الغرفةُ مريحة، نظيفة، ومن الشرفةِ يُطلُّ بحرُ بيروت ليزيدَ من إغوائها بالحريَّةِ، أسدلت الستائر الداكنة المضاعفة، واستلقت على سرير هروبها، مُسلِّمة نفسها للعتمةِ الرطبةِ اللطيفةِ تجرِّدُها شيئاً فشيئاً من طبقاتٍ متراكمةٍ من القلق والتَّوتُر، وصور أولادها التي تخزها دوماً بمشاعر تأنيب الضميرِ. عاودها إحساسها بذاتها، اكتشفت فكرةً أدهشتها، وتمنَّتْ لو تملك الهمة لتقاوم استرخائها وتسجلها: "الحب أفقدني إحساسي بذاتي".. هذا ما أكَّدته لنفسها وهي تعي كيف أنَّ الأمَّ مجرّدُ صدىً لأولادِها، تفرح لفرحهم وتحزنُ لحزنِهم، أمَّا هي فَتَفْرغُ، تصيرُ قربة جوفاء... أجل خمسة عشر عاماً من الحياةِ في جنَّةِ الحبِّ الأسريِّ فرَّغتها تماماً، إنها تُشبهُ بئراً جفَّ. غرقت في النوم بعكس توقعاتِها بأنَّها ستأرق ولن تتمكن من النوم في سريرٍ غير سريرِها، لكن حين أيقظها شعورٌ بالجوع أدركت أنَّها نامت بعمقٍ كما لو أنَّها ضحيّة سباتٍ، نظرت في ساعتِهَا، الرابعة والنصف بعد الظهر، اتّصلت بعاملة الاستعلامات لتسألها إن كان المطعم لا يزالُ يقدِّمُ وجبة الغداء.‏

أجابتها الموظفة بلطفٍ دافئ: "أجل"..‏

بدَّلت ملابسَها. كان المطعمُ في الطابق التاسع، اختارت زاويةً مطلَّةً على البحر، وتأمّلت بيروت المسترخيةِ على الشاطئ والمتسربلةِ بضبابٍ خفيفٍ، تفجَّرت فجأةً حيويّةً هائلةً في روحِها، حيوية مختزنة منذ سنواتٍ وسنواتٍ. طلبت بيرة وأكلت بشهيةٍ، مازحت نفسها بدعابةٍ: كم مرَّةً يا زينب تناولت طعامك دون أن تقومي عن كرسيِّكِ مراراً لتلبِّي طلباتِ زوجكِ وأولادكِ؟ أسعدها أن تُخدم، تذكَّرت أنَّها وعدتُهم أن تتصل بهم لتطمئنهم عن وصولها، كادت تنسى كذبتَّها، ذكرت نفسها أنَّها في قريةٍ قرب بيروت لتعزيةِ صديقةٍ بوفاةِ زوجها.‏

حين أتاها صوتُ ابنتِها البكرِ أحسّت أنها ترتدُّ إلى سجنِ أسرتِها، أرادت ابنتَها أن تقحمها في تفاصيل شجارها مع أخيها، حدَّثت نفسها: "يريدون إشراكي بمشاكلهم حتى لو كنت بعيدة، "ابنها الأكبر طلب رقم صديقتها فراوغت وادَّعت أنَّ الاتصالَ صعبٌ، أمّا!.. صغيرها حين حان دوره وانتزع السمّاعة فقال لها جملة وحيدة: "هيّا عودي. "ارتعش قلبُها وهي تعي كم يحتاجها، حاولت أن تطمئنه أنَّها ستعود قريباً محمّلةٍ بالهدايا، لكنَّه قالَ بحزمٍ: "أريد الماما ولا أريد هدايا"..‏

ابتدأت رحلةُ الحريةِ بالتسكُّع في شارع الحمرا، تتوقفُ طويلاً عند الواجهاتِ مفتتنة بالمعروضات، تقارن بين الأسعار هنا وهناك، وكلَّما مشت عدَّة أمتار تستدير للخلفِ لتذكِّر نفسَها بطريقِ الفندقِ. كانت نشوتها عميقة وغامضة في آن، وأحسَّت أنَّ جناحين نبتا لها في ظهرها، وأنَّها خفيفة كفراشة، تنبّهت بعد ساعتين من تسكُّعِها أنَّ هناك شيئاً لا يقلُّ روعة عن الحب وهو الحريّة، شعرت كما لو أنَّ روحَها أرضٌ مشققة بالجفافِ، والحريةُ أشبه بمطرٍ يملأ تلك الشقوق، وجدت نفسها أمام سينما روكسي، وبدون تردُّدٍ اشترت بطاقةً لتحضر فيلم العاصفة ليسرا ممثلّتها المفضَّلة، تذكَّرت بأسىً كيف أنها محرومة من السينما في مدينتِها الكئيبةِ، وتمنّت لو كان أولادها معها. تأثرت بقصّةِ الفيلم، وبتمثيل يسرا المتفجِّرةِ بالأحاسيس، لكنَّ بكاءها المتواصل طوال الوقت لم يكن بسبب انفعالِها بالفيلم، بل لأشياء كثيرة في حياتها ضاعت في الإهمال وفي زحمةِ اهتماماتِها الأسرية. خرجت من السينما متورِّمة العينين، مندهشة من عاصفةِ بكائها، جلست في مقهى رصيف أمَّاً وحيدةً بحاجة أن ترمم ذاتها وتحاور نفسها، طلبت كأساً من عصير الجزر، فيما لا تزال تبتلع دموعها للداخل متسائلة عن سرِّ عاصفةِ بكائها، لكن كم من الأشياءٍ تستحقُّ أن تبكي عليها، كم تشعرُ أنَّها ضيَّعت أجمل مافي روحِها في سبيل أسرتِها؟!..‏

هدأت بعد أن رشفت كوب عصير الجزر البارد الذي أطفأ لهيبَ روحِها، رغبت أن تتمطّى بقوَّةٍ أمام كلّ الناس، أن تتثاءب بعمقٍ وتقولَ بصوتٍ عالٍ ياه ما أحلى الحريَّة، وفي ساعةٍ متأخرةٍ من الليلِ عادت إلى الفندق، قلَّبت محطاتِ التِّلفاز بلا مبالاةٍ، استحمَّت وهي تغنِّي طوال الوقت مستعيدةً تلك الصفة التي كانت تتمتَّع بها أيَّام العزوبية، لم ترتد ملابسِها في الحمّام كعادتِها، بل خرجت إلى الغرفة تحيط جسدها بمنشفةٍ، أسقطت المنشفة أرضاً وتفرّجت على جسمها في المرآة الكبيرةِ للمدخلِ، صدمها عُريُّها، ورغم أنها لا تزال محتفظةٍ برشاقتِها إلاَّ أنَّها أحسَّت بحزن عظيم وهي تتأمل نهدَيها، أمسكت نسيجَهما الرَّخو، عصرتهما براحتَّيها، يالطعم المرارة الذي تشعره، وهي تتذكر كم كانا شامخين ومتينين، تذكَّرت سنواتِ زواجها الأولى التي قضتها مسممة بالغيظ بسبب تحوُّلاتِ جسدِها المنتفخِ بالحمل والمترهِّل بعد الولادةِ، واحتقان ثدييها المؤلم بالحليب، ثمَّ تهدُّلهما وارتخائهما. كان زوجها يضاعف غيظها. لأنّ لا شيء تبدّل في جسدهِ بعد الزواج، إنَّ الطبيعة ظالمة حقاً ومنحازة للذكور.‏

أفاقت في ساعةٍ متأخرةٍ من صباح اليوم التالي، طلبت الفطور إلى غرفتِها وتناولت قهوتّها على الشرفة متأمِّلةً النَّاس في سعيهم الدؤوب، فكَّرت أنّ البشر يتشابهون في كلِّ مكان، كانت تتذوق مع قهوتِها طعمَ الحريَّةِ، شعرت أنها ستعيش حالة سمَّتها "فتنة الحريةِ"..‏

مرَّ أطفالها بمخيَّلتها غارقين في الضباب، حيَّتهم بحب لكنَّها رجتهم أن يتركوها مستمتعة بوحدتها. تنبَّهت لمتعة الصمت، حيث يمكنها أن تسمع صوت أعماقها. حاولت أن تفحص مشاعرها تجاه زوجها، عجزت، لتعترف أنها لم تشتق لـه، وبأنَّها لم تعد تُحبُّهُ، مابالها مرتبكة هكذا؟.. فهو لن يتمكَّن من محاسبتها على أفكارها، تذكَّرت بمرارةٍ كيف تهبه جسدها كحقٍّ له، كما لو أنها مدينة له بتلك الممارسة الفارغة... لولا الأولاد لهجرتْهُ...‏

تنبَّهت لنظرات نزيل في الفندق تراقبها، كان يدخن الغليون في الشرفةِ، ورغم نظّارته الشمسيةِ السَّوداء فإنها شعرت أنَّ نظراته مثبتة عليها، تذكَّرتْ أنَّها التقته مساء البارحةِ عند باب المصعد وبأنه حيَّاها بإيماءةٍ من رأسِه. قدّرت أنه على أعتاب الخمسين، وأسعدها أنها لا تزال قادرةً على إدارة الرؤوس إعجاباً، وجدت أنَّها تفكَّر به في تسكُّعها الجميل بعد الغداء كاحتمال غواية.. استعادت بذاكرتها لقطاتٍ بعيدةٍ لرحلاتِ صيدٍ كان زوجها يقوم بها مع رفاقه تستمرُّ ليومين أو ثلاثة أيَّام، ترى هل كانت رحلات صيد؟.. أكانوا يلاحقون الخنازير والطيور أم النِّساء؟! وإلاَّ ما معنى الأحاديث الغامضة والتعليقات الجنسيّةِ والغمزات المبطَّنة التي كان الأصدقاءُ يتبادلونها، إنها واثقة أنَّه يخونها، وقد ساعدتها الصدف أن تكتشف كذبات كثيرة لفقها أمامها، لكنها لم تشأ أن تواجه تلك الحقيقة لعجزها عن تخيُّل انهيار أسرتِها، إنَّها تعبد أولادها، ومستعدة أن تتحمَّل كل طعنات الألم في سبيلهم...‏

اشترت فستاناً أنيقاً يجمع بين اللونين الأحمر والأبيض، ارتدته وأفردت شعرها الطويل الذي تعقصه دوماً في خصلة ثخينة تنسدل حتى منتصف ظهرها. قررت أن تحضر مسرحيّة، تذكَّرت أنها منذ عشرين عاماً لم تحضر مسرحيَّة، اشترت دخاناً خفيف النيكوتين رغم أنَّها لا تدخِّن، لكن بدا لها نفث سيجارة من مستلزمات ديكورات الحرية. لم تبكِ ذلك المساءِ في المسرحِ، بل استمتعت تماماً، وحين تسلَّمت مفتاح غرفتِها من عاملة الاستقبال، أحسَّت بشيءٍ يحرقها بين كتفيها، استدارت لتجده يحدِّق بها، لم يكن وجهه يعكس عاطفةً أو انفعالاً، لكنَّها قرأت رغبة عميقة في عينيه بأن يكون قربها ويحدثها، تجاهلته واتجهت بخطوات ثابتةٍ نحو المصعد، وحين رمت فستانها جانباً وأشعلت سيجارة لتنفث دخانها بتلذذ فكَّرت. ما الذي يمنعها حقاً من خوض التجربة مع رجل آخر غير زوجها، ورغم أنَّها أرادت أن تستفظع الفكرة وتزجر نفسها، إلا أن الخطيئة بدت لها فاتنة حقاً. لِمَ لا تجرّب رجلاً آخر غير زوجها؟... ألا يحقُّ لها أن تخونه مرَّةً واحدة مقابل خياناته الكثيرة لها؟ ولماذا يُنظر لخيانة المرأة كجريمةٍ، أمَّا خيانة الرجل فيجدون لها مئة مبرِّر... فتحت البرّاد وأخرجت زجاجة بيرة، شربتها مستمتعة بذلك الاسترخاء اللذيذ الذي يولده الكحول في أطرافها، تساءلت: "هل تستحق الحياة أن تؤخذ بكلِّ تلك الجديّة؟ عادت الفكرة المتحدِّيةِ التي تحاصرها؛ ما الذي يمنعها من خيانة زوجها؟!".. الخيانة تكون لرجلٍ تحبّه، أمّا هي فلم تحبّ زوجها، لكن كيف تخون مع رجلٍ غريبٍ لا تعرف عنه شيئاً؟... وجدتُ نفسَها تفكّر به قبل أن تغفو، بل أسعدها أنَّه رآها بأجمل صورها...‏

صباح اليوم الثالث لرحلة حريّتها، تعارفا، قدَّم لها نفسه ببساطة، وجدت نفسَها ترحِّب به ليتناولا الإفطار معاً، ارتاحت للتحدُّثِ إليه في مدينةِ الغرباءِ، أسعدها أنَّه لم يسألها أيّ سؤالٍ شخصيٍّ، فحذت حذوه، لم تمانع حين دعاها لمرافقته لزيارةِ متحف جبرانِ خليل جبرانٍ قرب إهدن، جلست بجانبهِ في السيّارة الفخمة وصوت مطربٍ يونانيٍّ يفجِّر فيها أحاسيسَ غير متوقِّعةٍ، اكتشفت أنَّ هذا الغريب يحرِّك فيها أحاسيسِ اعتقدت أنَّها ماتت بدأت جاذبيّة خجولة تنمو بينهما يتجاهلانها بقسوة. نسيت اسمها تماماً، كأنَّ دهراً يفصلها عن أحبِّائها، وتآلفت مع الغريبِ لدرجةٍ شعرت أنَّها تعرفه منذ دهر...‏

كانت مبهورةٍ بالطريقِ الجبليِّ الساحر، برسومِ جبران وروحها التي تطوف في المكان، تناولا عشاءً خفيفاً في مطعم يقدِّم مأكولاتٍ بحريةٍ، وحين دخلت غرفتها كانت منهكة من سعادةٍ مباغتةٍ وغريبةٍ، تذكّرت أنها لم تتصل بأولادها لتطمئنَّ عليهم، لكنَّها لم تشعر بالتقصير، فليتركوها تستمتع بحريَّتها مع الغريب، كانت تعرف أنَّ خيالاتٍ عاطفيةٍ رقيقة تجول بذهنيهما وأنهما سيستسلمان للنَّوم على أمل أن يتلامسا في اليوم التالي، لكنَّ أوّلَ شيءٍ فعلته حين استيقظت أن اتّصلت بأولادها، تبلبلت من القلق حين أخبروها أنَّ الصغير استيقظ وحنكه متورِّمٌ بشدةٍ، إنَّه النكاف كما شخَّصَ لـه الطبيب، وهو يعاني من حرارة... بلحظةٍ كانت قد جمعت ثيابها في الحقيبةِ، دفعت الحساب لعاملةِ الاستقبالِ، ورجت سائق التاكسي أن يسرع إلى محطّةِ الباصات، كانت دموعها تنهمرُ كاويةً، تمسحها بظهر يدها... دفعت للسائق أجرة راكبَين ورجته أن يسرع، سخرت من أيَّام الحرية التي قضتها في بيروت، أحسَّت أنَّها تكسو نفسها بثوبٍ مخادع، كان حبّها لصغيرها طوال طريق العودة يسيطر عليها ويغمرها بنشوةٍ تذهب بعقلها، مرَّ بذهنها الغريب يتناول إفطاره وحيداً ينتظرها، ابتسمت باستخفافٍ للأفكار العابرة والغريبة عن جوهر كيانها أم... كانت يداها المحيطتان بحقيبة يدها ترتجفان من الانفعالِ، فكّرت بأنها لن تعطي جسّدها لرجلٍ آخر لتحافظَ على نقاءِ روحها، وجسدها من أجل أطفالها، وليس لأجل زوجها، إنها تعي تماماً كيف أنَّ لا طعم لحياتها دونهم، وأنَّ تعبها الطويل في سبيلهم هو الذي يغني روحها ويجعلها صامدةً ومطلقةً وعظيمةً.؟ صار نفاذ الصَّبر يلسعُها، غاية ما تريده أن تضمَّ الصَّغير المريض إلى حضنها، ستقبِّله قبلاتها "كاسات الهوا" محاذرةً أن تسبب له الألم، سَتُدللّهُ وتحضر له المأكولات الخفيفة، وحلوى الزبيب واللوز التي يحبها، كم تتمنَّى أن تسهر بجانبه طوال الليل منصته لإيقاع تنفُّسِهِ، وأن يمدَّ يده وهو نائمٌ باحثاً عنها بقلقٍ، ليستكن ويتابع نومه حين يلمسها...‏

أيّة حريّةٍ مخادعةٍ أرادت أن تعيشها؟... كم تشعر بذلك اللهب المتأجّجِ من عينيها، تشعر به دون أن تراه، لهب الحب، لا يوجد أروع من أن يعيش الإنسان لهب الحب... صارت أنفاسها تتخذ إيقاعاً حماسيّاً، فجأةً غزت أنفها رائحة عطرٍ ساحرٍ، التفت تبحث عن مصدره، سألت السائق والركاب عن مصدر تلك الرَّائحة الزكيَّة، أبدوا دهشتهم، واضحٌ أنَّ أيَّاً منهم لم يشم تلك الرَّائحة. ابتسمت وهي تغمض عينيها متشنِّجةً من السَّعادة. إنَّه عطر الحب...‏

 

 

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [24]  
قديم 06-06-16, 07:16 PM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
مبروك رد: امرأة فى الخمسين - كه يلان محمد

http://www.syrianstory.com/h-bytar.htm#بطاقة تعريف الكاتب


جـــانحــة

حولتها الشرطة الجنائية إلى قسم مكافحة الفتيات الجانحات، لافتة كبيرة مكتوبة بالأحمر تعطي الإحساس بالفضيحة.
قدروا أن عمرها خمسة عشر عاماً، فهي لا تحمل هوية، كُتب في أوراقها وهي تدخل بناء مكافحة الفتيات الجانحات: مشرّدة، ضُبطت بجرم السرقة من بقالية، سلّمها صاحب الدكان إلى الشرطة، لم تنكر حادثة السرقة، ردّت على المحقق بجملة دامعة: لا أستطيع تحمل الجوع، أريد أن آكل.
وحده الجوع كان حيوياً في وجودها، هو ملهمها للنبش في القمامة، والتسول والسرقة ولمساومات مختلفة كانت تجهل كنهها حتى وقت قريب.
اسمها عذاب حمدو، اسم على مسمى كما قال الشرطي ضاحكاً وهو يسلمها للمسؤولة في قسم رعاية الجانحات، من باب الفضول كنت أزور هذا القسم، وحدها اللافتة الكبيرة الصارخة بالأحمر، شدّتني، المشرفة كانت شرطية فُرزت للاهتمام بالجانحات، قالت لي إنها تسلّمت عملها منذ شهرين، وإنها تسعى للانتقال إلى مكان آخر، لأنها تحس بكآبة خانقة. أطلت عذاب حمدو من الباب وقالت للمشرفة: ضرسي يؤلمني...
صرخت المشرفة: كفى، ما عدت احتملك، كل يوم يؤلمك شيء، مرة بطنك، ومرة رأسك أجرجرك من طبيب إلى طبيب...
جمدني تعبير وجه الشابة، في وجهها شيء صارخ غير عادي، لكأن الحياة نقشت على وجهها النضر حقداً دفيناً، أخذ يلوح من مسامها ليغمر المكان، في عينيها نظرة قلق ويأس، ولمعان زائغ يوحي بالجنون. واضح أنها ترزح تحت وطأة ضغط وكبت شديدين، رغم أنها نطقت بجملة واحدة: ضرسي يؤلمني، فإن الحزن العميق كان يتستر خلف كلماتها. تفرست في الوجه النضر الذي ترسم خطوطه همّ صاحبته القاسي، لا أعرف لماذا رغبت بالاختلاء بتلك الصبية، أحسستُ أنني معنية بأمرها، كلنا معنيون، طلبت من المشرفة أن تسمح لي بالاختلاء معها، قالت وهي تتنهد: يا ليت على الأقل أرتاح قليلاً من شكاويها المستمرة.
قدّرتُ أنها جائعة، ترددت! هل أطلب طعاماً أم أعطيها نقوداً، رجحت الفكرة الثانية، وجدتني أنقدها بلا تردد خمسمئة ليرة، خطفتها للحال، وركعت لتقبل قدمي، انتفضتُ واقفة وأنا أمسكها بحنان من كتفيها وأقول لها إياك أن تركعي لأحد يا عذاب، تعالي اجلسي إلى جانبي أريد أن أحدثك.
دست ورقة النقود في جيب بنطالها الأسود الخلفية. واضح أن البنطال لم يُشترَ لها لأنها اضطرت أن تحزم خصرها بحزام عريض أبيض مشقق كي تحكم لصقه بجسمها، كانت تلبس سترة حمراء ضيقة تكشف عن عنق أبيض فتي، لم أمنع نفسي من إطراء جمالها، وجهها المستدير النضر، وبياضها الوردي عيناها القلقتان الواسعتان، وفمها الممتلئ الذي يفتر عن ابتسامة قادرة على رسمها في قسم مكافحة الفتيات الجانحات.
أخذت تفقد تحفظها أمامي، شيئاً فشيئاً، بزفرات طويلة متلاحقة تعبر عن ضيقها.
سألتها: منذ متى أنت هنا يا عذاب؟
قالت بآلية: منذ خمسة شهور.
سألت: أين كنت من قبل؟
ردت بالآلية ذاتها: في الشارع.
قالتها بسخرية باردة: كأنها تريد أن تصفعني بها، وتصفع المجتمع بأكمله، لم أستطع إخفاء دهشتي قلت لها: في الشارع؟ أتنامين في الشارع؟
قالت ببساطة: لا، بل أنام في المغاور.
سألت: أية مغاور؟ من أين أنت؟
-من منطقة القساطل.
-أليس لك أهل؟
-أجل.
كانت ترد على أسئلتي ببساطة شديدة، كأن واقعها لا يثير أية غرابة.
-أين والداك؟
-أبي في السجن.
-لماذا؟
أسرعت بالرد: كان يهرّب مخدرات.
-من قال هذا الكلام؟
ضحكت قائلة: الكل، راسمة بيديها دائرة أغلقتها بإحكام عليها.
-وأمك؟
-أمي تزوجت.
-لماذا لا تعيشين معها؟
-زوجها لا يرضى.
-وهي، أتعرف كيف تعيشين؟
-أجل.
-وكيف ترضى؟
هزت كتفيها بلا مبالاة، وكررت بآلية: زوجها لا يرضى.
-أليس لك أقارب؟
-أجل أعمام وأخوال.
-لماذا لا تعيشين عند أحدٍ منهم؟
-لا يرضون.
كانت تحمل على كاهلها لعنة العصر، أحسستُ من الآلية المطلقة التي تجيب بها، أنها لا تعرف صفات إنسانية أساسية، كالحب، والحنان والتعاطف والرقة... أخبرتني أنها تعيش في المغاور مذ كانت في السابعة من عمرها، وأنها قبل هذه السن كانت تعيش مع أب وأم دائمي الشجار، كان والدها يضربها وأخوتها ضرباً مبرحاً، حين ترجع خاوية اليدين من التسول، ومراراً كان يرميها لتنام في العراء، غير آبه بالبرد والذئاب البشرية.
سألتها: كم أخ لديك؟
قالت: ثلاثة صبيان، وبنت.
-هل أنت الكبرى؟
-أجل.
-أين البقية؟
رفعت كتفيها باستخفاف وقالت: لا أعرف.
حّل بيننا صمت متوتر، كانت ترمقني بعينيها الزائغتين اللتين يلوح فيهما الانهيار والجنون والجهل، إنها تجهل تشخيص حالتها، تفتقت في ذهني جملة عفوية: أتراها إنسانة واقعية حقاً؟! أهي نتاج عصرٍ وحضارة!! أتنام حقاً في المغاور وتأكل من القمامة؟!
تدّفق دفء غزير من روحي تجاهها، وأنا ألاحظ خشونة يديها وتقصف أظافرها.
سألتها برقة: ماذا أخذت من دكان البقال؟
قالت: ألواح شوكولا، لا تتصورين كم أحبها.
-أبسببها سلمك للشرطة؟
-أجل، ضربني وسلمني.
-أحقاً ضربك؟
أشارت بيديها: نعم، على رأسي، وعلى ظهري، ركلني أيضاً في خاصرتي.
كيف تتكلم تلك الطفلة بهذه البساطة المعذبة، في صوتها رنة تحرقني وتشعرني بالذنب.
أمسكت يدها، وكأنني أريد التأكيد أنها كائن بشري حقيقي أمامي، وليست خيالاً فاراً من كابوس.
سألتها: هل حقاً رفضك كل أقربائك؟
أطرقت، لم تجب، لمعت نظرة حقد مخيفة في عينيها جعلت قلبي يرتعش، قالت وقد تصلب صوتها هذه المرة: أجل.
سألتها برقة مبالغ بها كي أساعدها على الاسترخاء: عذاب، أحسك تخبئين سراً عني، احكي لي كل شيء عن نفسك اعتبريني أختك...
قاطعتني ضاحكة: سوسن.
سألتها: من سوسن؟
-أختي، هل تريدين أن أعتبرك مثلها؟
ألا تعرفين شيئاً عنها؟
-لا، عاشت معي في المغاور، مدة، ثم ضاعت.
-ألا تعرفين تقدير تلك المدة؟
هزت رأسها بالنفي.
تذكرت، قالت: كانت تسعل دوماً، أحياناً كنت أضربها لأن سعالها يمنعني من النوم.
كم بدا سؤالي تافهاً وأنا أسأل مشردة مرمية في مغارة عن أحاسيس التعاطف الإنساني.
-أما كنت تخشين الذئاب والحيوانات المفترسة يا عذاب؟
رمقتني بنظرة غائمة، كأنها تستحضر ذكريات بعيدة وقالت: أحياناً.
-أكنت تشحذين الطعام من البيوت؟
-نعم.
-أكان الناس يلبون طلباتك؟
-أحياناً.
أحسست من كلامها، أنها لا تعرف الكثير من المفردات اللغوية، تفتقر للغة كما تفتقر لكل شيء، حاولت أن أحرض في نفسها شيئاً من الرقة لكني عجزت. سألتها بروح الدعابة: ألا تذكرين إنساناً أو إنسانة عاملاك بكرم ورقة.
الكرم فهمته، أما الرقة فكلمة تستعصي على عقلها الذي لا يختزن لمسة حنان. انتصبت واقفة كأنها تذكرت أهم حادثة في حياتها، قالت:
- ذات يوم كنت انكش في القمامة بحثاً عن بقايا طعام، فاجأني شاب يحمل صرة، فتحها أمامي، كانت تلك أعظم مفاجأة لي، تصوري فروج كامل -أخذت شهيقاً عميقاً وتابعت- رائحته دوختني، فروج مشوي مع سلطة خيار وبندورة، يا سلام، في حياتي لم أتذوق أطيب منه.
سألتها وأنا أتوجس من جوابها: هل أعطاك الفروج دون مقابل؟
ضحكت، تساءلت ماذا أعني، يبدو أنها لم تفهم معنى مقابل.
-أقصد ألم يطلب منك شيئاً؟
فرّت شرارة ألم سريعة من عينيها، قالت: عجباً، كأنك كنت معنا.
-عذاب، أرجوك صارحيني، ماذا حدث بينك وبين الشاب؟
ردت ببساطة: لا شيء طلب إلي فقط أن نصعد ظهر شاحنة.
-ظهر شاحنة؟
-أجل.
-وماذا فعل؟
-لا شيء، لا أتذكر تماماً، سوى أنه أرخى جثته فوقي.
هوى قلبي وتابعت أسئلتي: وأنت ماذا فعلت؟.
-لا شيء.
-ألم تقاوميه.
-لا.
-ألم تتألمي وتخافي؟
-لا، بل فاجأني؟
-لماذا لم تقاوميه؟
ردت ساخطة: ولماذا أقاومه وقد أحضر لي فروجاً!
-أمن أجل الفروج سمحت له أن يغتصبك؟
قالت مؤكدة: أجل، الجوع صعب، صعب.
كان لحرف الباء، بالطريقة التي تلفظه بها، مفعول إقفال كل إمكانية تواصل ولقاء بيننا.
أطرقت بخجل أمام الطفلة المسكينة، التي يعلق عليها الناس آمالهم. سألتها بعد تردد:
-هل تكرر معك ما حدث..
قاطعتني بألم صريح: تقصدين الرجال.
-أجل.
ردت ببساطة: نعم، تكرر.
سألتها: كيف؟
قالت: ذات مرة دخلت أشحذ من مكتب، كان رجل وحده، طلب إلي أن أجلس، أغلق الباب، أدخلني حماماً صغيراً طلب إلي أن أغتسل، فرحت في البداية، كنت أحتاج لتنظيف جسدي، ثم تصرف معي، ضحكت، ولم تكمل.
-ألا تعرفين أن هذا الفعل يسمى اغتصاباً؟
-لا، لم أسمع بهذه الكلمة من قبل.
دخلت المشرفة تحمل فنجان قهوة، فرّت عذاب وهي تغمزني، قالت للمشرفة: السيدة أعطتني مالاً هل يمكنني شراء بعض الأغراض من عند البقال.
قالت بجفاء: أجل، إنما لا تتأخري.
سألت المشرفة: كيف تعيش عذاب هنا؟
تنهدت قائلة: من التبرعات، ننتظر أن يتحنن عليها أحد أقربائها ويأخذها لتعيش عنده، تصوري، ذهبت بنفسي لمقابلة أمها، بعد أن أضنانا البحث عن عنوانها، رفضت استقبال ابنتها، قالت أنها غير مستعدة أن ترمى في الشارع مع أولادها بسبب عذاب.
-شيء غريب، الحيوانات تحنّ على أولادها!
رشفت القهوة بصوتٍ عالٍ، قالت: ألا تعرفين أحداً ما يبحث عن خادمة؟
وجدتني أسأل: ألم تفكري بتعليمها القراءة والكتابة؟
ضحكت: القراءة والكتابة؟ لماذا، هل ستسد جوعها! المشكلة مع عذاب أنها عدوانية، شرسة، لا يغرّك شكلها، مقصوفة العمر جميلة، اقتربت مني وهمست قائلة: لا تؤاخذينني أظن أنها مشروع (...)
انتفضت مجفلة من هذه الجملة، كأن أحداً لكزني بقوة مابين كتفي، وجدتني أقول باحتداد: يجب أن نسعي لتكون هذه الفتاة مشروع إنسانة، كلنا يجب أن نساعدها لتصير إنسانة تحس بكرامتها، لا أن تُرمى بين الجدران كغرض ينتظر من يستعمله.
قاطعتني المشرفة بدهشة وهي تستغرب انفعالي: ألا يكفي أننا آويناها، نطعمها ونلبسها بعد أن كانت مشردة كالكلاب.
لم أستطع أن أرد بكلمة، كانت صورة عذاب تحاصرني وهي تنام في المغاور، وهي تنكش في القمامة، وهي تقايض جسدها بفروج، وهي تنام في العراء مطرودة من بيت والديها، صور كثيفة كأنني شاهدة حقيقية عليها، حاصرتني ولحقتني وأنا أخرج من مبنى مركز مكافحة الفتيات الجانحات، لأقف مسمُرة أمام اللافتة العريضة الضاجة بالأحمر، وهي تؤكد إحساسي بالخجل.

 

 

رد مع اقتباس
  رقم المشاركة : [25]  
قديم 06-06-16, 07:22 PM
 
1R-1026
عضو ذهبي

  1R-1026 غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي





1R-1026 is on a distinguished road
مبروك رد: امرأة فى الخمسين - كه يلان محمد

امرأة في الخمسين، هيفاء بيطار (سورية)، رواية
دار الساقي - 2014
الثلاثاء 8 آذار (مارس) 2016 بقلم محمد بكري
http://www.langue-arabe.fr/spip.php?article3078

العرب : أول صحيفة عربية يومية تأسست في لندن 1977



جريدة العرب
نُشر في 06-02-2016، العدد : 10177، ص(16)
الصفحة : ثقافة
العرب - مفيد نجم



هيفاء بيطار تكتب سيرة الوجع النسائي



تحضر المرأة على اختلاف مستويات تجربتها الاجتماعية والعاطفية والوجودية في أعمال الروائية هيفاء بيطار كموضوع وبطلة وساردة، مشكلة جوهر تلك التجربة السردية، وشواغلها الفكرية والجمالية، حتى أصبح من الصعب الحديث عن هذه التجربة بمعزل عن موضوع المرأة وبحثها المضني عن تحقيق ذاتها وتكامل وجودها جسدا وروحا، بعد أن عملت الثقافة الذكورية على تهميش هذا الوجود واختزال قيمته في صورة جسدها ووظيفتها الاجتماعية.

تأتي رواية هيفاء بيطار الجديدة “امرأة في الخمسين”، الصادرة، مؤخرا عن دار الساقي، لتواصل فعل التعرية والحفر في ذهنية الرجل الذكورية المتورمة، التي تحكم علاقته بالمرأة تحت ثقل الأقنعة، التي يحاول أن يواري وراءها تلك الحقيقة الفاضحة، التي لا ترى فيها سوى جسد يشكل موضوع الرغبة المحكومة بشرط العمر وفيزيولوجيا الجسد، باعتبارهما يحددان مقدار قدرته على أداء وظيفة الإمتاع واللذة بالنسبة إليه. إن هذا المخيال الذكوري المحكوم بنزعة الفحولة، والذي يجرد المرأة من أي قيمة خارج هذا التصور النمطي والمهين، هو ما تصطدم به بطلة الرواية في علاقتها مع الرجل منذ لقائها الأول معه، حيث يتعزز حجم الألم والخذلان والقرف عندما يكون الرجل في هذه العلاقة، ممن يدعون التنوير ومناصرة الإبداع النسوي.

انكشاف الرجل

يهيمن صوت الراوية/ البطلة على الجزء الأكبر من الرواية، التي تقتحم حدثها المركزي منذ البداية جملة الاستهلال مشكلة بؤرة مركزية أولى في السرد، سرعان ما تتولد عنها مجموعة أخرى من البؤر والمحاور السردية. ترتبط هذه الجملة بشخصية الراوية/ البطلة التي تضع المتلقي منذ البداية في فضاء هذه التجربة، التي يظهر فيها التساوق الدلالي بين انحدار المكان الذي تتولى عتبة السرد وصفه، وشخصية الناقد الأدبي التي تسرع في رسم صورة انحدارها عند بطلة الرواية، الصحافية، بسبب اندفاعها الذكوري في كشف حقيقة علاقته بالمرأة ونظرته إليها.

رغم ذلك نجده يعبر عن شعوره بالشفقة والنفور منها، عندما التقى بها في مؤتمر أدبي وقد بلغت الخمسين من عمرها، وأخذت شفتاها بالذبول والتجعد ورقبتها بالترهل، دون أن ينتبه إلى ما أصبح عليه جسده وقد تجاوز الخمسين، ما يفضح زيف الوعي الذي يدعيه، ويجعل بطلة الرواية تزداد احتقارا له، خاصة وأنها في عمر الخمسين، ما يدفعها إلى التساؤل بغرابة كيف يحاول إغوائي وأنا أيضا في عمر الخمسين؟

تعيش البطلة صراعا داخليا بين احتقارها له، ونفورها منه بسبب غطرسته الذكورية وتخلف نظرته إلى المرأة، وبين رغبتها في الاستجابة لنداء الرغبة والجاذبية التي تولدت بينهما، وأصبحت تدفعها إلى خوض مغامرتها الجنسية معه، بعد أن انقطعت عن ممارسة هذه العلاقة مدة خمس سنوات. ورغم اعتقادها بوجود انجذاب مشترك بينهما، فإن صدمتها من تجاهله التام لها بعد تلك العلاقة الجسدية، تجعلها تنطوي على شعور قاس بالمرارة والخيبة.

تشكل هذه العلاقة العابرة، التي كان يمكن لها أن توقظ نداءات جسدها، مدخلا لاستبطان علاقة المرأة في الخمسين بجسدها، والتعرف إلى فيزيولوجيته وقدرته على أنه مازال مرغوبا فيه من قبل الرجل، الأمر الذي يجعلها تتخذ من هذه العلاقة مختبرا لمعرفة كل ذلك.

تتفرع عن هذه البؤرة المركزية الأولى بؤرة سردية أوسع، تكشف عن المعاناة الصعبة التي تعيشها المرأة المطلقة، في مجتمع ينظر إليها نظرة سلبية، تجعلها أسيرة هذا الواقع، الذي تتمرد عليه بطلة الرواية محاولة أن تستعيد ثقتها بنفسها، على الرغم من حالة الصراع النفسي التي تعيشها بين حاجاتها الملحة ورغباتها، وبين قيود المجتمع ومتطلباته. وتتسع حدود هذه المعاناة في مجتمع تحكمه علاقات الاستهلاك التي تحوّل كل شيء في الحياة إلى سلعة بما فيها الجسد، وهو ما ترفضه وتثور عليه، عندما تصرّ على أن تقيم أي علاقة جسدية مع الرجل خارج إطار الحب، لكي تحافظ هذه العلاقة على بعدها الإنساني والروحي، الأمر الذي يترتب عليه المزيد من المعاناة في ظل الحاجة إلى وجود الرجل في حياتها والخوف من تقدمها في العمر.

تستخدم الكاتبة في سردها الحكائي تقنية الفلاش باك، التي تجعلها تعود إلى الماضي مسترجعة حكاية زواجها الفاشل من رجل مستبد، لم ير فيها سوى جسد يمتلكه، ويحق له أن يخضعه إلى جميع نزواته دون أي اعتبار لموقف زوجته ومعاناتها، ما يقودها إلى طلب الطلاق منه بعد فشل كل محاولاتها في إقناع نفسها بقبول هذا الوضع حفاظا على مصلحة طفلها. لكن يشتدّ جنون الزوج المستبد الذي رأى في سلوكها تحدّيا له وتمردا على سلطته، فيلجأ إلى مختلف أشكال الانتقام منها لإذلالها غير أنها تقابل ذلك باللامبالاة والتجاهل.

على الرغم من أن جميع الرجال الذين تعيش معهم تجاربها كانوا من المثقفين، إلا أنهم جميعا يشتركون في نفس الرؤية إلى المرأة باعتبارها جسدا لإشباع رغباتهم، وبالتالي لا يختلف سلوك أحدهم معها عن الآخر، ما يدفعها مع صديقة لها إلى إنشاء جمعية خاصة بالنسوة اللواتي في عمر الخمسين لخلق فضاء بديل يمكنه أن يملأ فراغ حياتهن العاطفي والاجتماعي.

فضاء نسوي بديل

مع نجاح المشروع وبدء جلسات الاعتراف الجريئة التي تروي فيها نساء الخمسين تفاصيل تجاربهن مع الرجال يبرز تعدد الأصوات بدلا من هيمنة الصوت الواحد لبطلة الرواية على المشهد السردي، حيث تتنوع أشكال معاناة المرأة وأسبابها، وإن ظل الرجل يشكل محورها. ست نساء يتناوبن في الجلوس على كرسي الاعتراف، وفاء وابتهال وكاتيا وفتون ونجاة وريم، لكل واحدة منهن حكايتها وأسبابها، لكنهن جميعا يشتركن في نفس المعاناة التي كان أصلها الرجل العاجز عن التعامل مع المرأة خارج إطار علاقة التملك والسيطرة والتفوق الذكوري.

من بين حكايات النساء تبرز حكاية الفنانة ابتهال التي لا تكتفي بفضح العلاقات السائدة في الوسط الفني والثمن الذي على المرأة أن تدفعه مقابل شهرتها الفنية، بل تتجاوز ذلك إلى فضح ممارسة السلطة القمعية في سوريا وما تلحقه بالإنسان من شعور بالقهر والذل والخوف، حتى تتحول هذه الممارسات إلى تمرين أولي، يقودها إلى الاستجابة لما يطلب منها أن تقدمه من تنازلات للمنتج والمخرج مقابل الحصول على الأدوار التي تقودها إلى النجومية في الأعمال الدرامية التي تلعب فيها دور البطولة. لم يكن هذا التعهير الواسع الذي طال كل شيء في المجتمع، سوى محاولة من سلطة الاستبداد لضرب منظومة القيم الأخلاقية في المجتمع، وتدجينه وإذلاله، الأمر الذي يجعل ابتهال تؤكد على العلاقة الوثيقة بين القمع وإرهاب السلطة لإخضاع الناس لمشيئتها، وبين استسلامها لسلطة المال والقبول بالثمن الباهظ الذي كان عليها أن تدفعه من جسدها للمنتج والمخرج، مقابل فرصة العمل والنجومية، التي حققت لها الشهرة “كنت تربة مثالية للاغتصاب، لأنني مهزومة سلفا”.

تنتصر هؤلاء النسوة على خيباتهن وفشلهن في إقامة علاقة متوازنة وصحيحة مع الرجل من خلال هذا التضامن النسوي والمكاشفة التي تفضح واقع الاستبداد الذكوري وآثاره العميقة على حياة المرأة واستقرارها وكرامتها، إضافة إلى فضح دور سلطة الاستبداد في تدريب المجتمع على الاستسلام والخضوع للإذلال الذي تمارسه عليها جميع أشكال القوة والسلطة في المجتمع والحياة.

عن موقع جريدة العرب اللندنية

المقال بالـ PDF

 

 

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة BB code متاحة قوانين المنتدى
لا تستطيع الرد على المواضيع الابتسامات متاحة
لا تستطيع إرفاق ملفات كود [IMG] متاحة
لا تستطيع تعديل مشاركاتك قوانين المنتدى
الانتقال السريع

Facebook Comments by: ABDU_GO - شركة الإبداع الرقمية

الساعة الآن 08:12 PM.