
الأب آندرو جما
“وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ، وَلَا يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ، لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللهِ مَعْمُولَةٌ».” (يو 3: 19-21).
إنّ التباين بين النور والظلام مفهومٌ جميلٌ للتأمل فيه أثناء الصلاة. فهما ليسا قوتين متضادتين، بل الظلام هو ببساطة غياب النور. في الطيف المرئي، لا وجود للظلام، فهو العدم بعينه – لا نور ولا لون – مما يجعل الرؤية مستحيلة على أعيننا. وبالمثل، في العالم الروحي، يُصيبنا غياب الله بالعمى الروحي. فالظلام لا يسلبنا القدرة على الرؤية، بل يجعل بصرنا عاجزًا عن العمل بدون النور الذي يكشف الحق ويرشدنا. في هذا الظلام الروحي، نتعثر، عاجزين عن تمييز الخير من الشر أو إيجاد طريق القداسة. ولكن عندما ندعو نور المسيح الإلهي إلى أرواحنا، يتبدد الظلام ونبدأ بالرؤية بوضوح، سائرين بثقة في نعمة الله وحقه.
إذا سبق لك أن عشت في ظلام دامس، ربما في منزلك ليلة غائمة انقطعت فيها الكهرباء، فأنت تعلم أن شمعة صغيرة تكفي لترشدك. كذلك هو الحال مع نور المسيح. حتى أدنى حضور للنعمة في نفوسنا يمكّننا من البدء في إيجاد طريقنا للعودة إلى الله.
يبدأ الإنجيل بتلك الآية المألوفة من يوحنا”لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.” (يو 3: 16). تأتي هذه الآية قرب نهاية حديث يسوع مع نيقوديموس، الفريسي الذي جاء إليه ليلًا ليتحاور معه. كان نيقوديموس يبحث عن الحقيقة. ربما بعد أن سمع بعض تعاليم يسوع وشهد معجزاته، وجد نيقوديموس شعلة إيمان خافتة في روحه. مكّنته تلك الشعلة من الوصول إلى يسوع تلك الليلة باحثًا عن نور أعظم. في بداية حديثهما، حثّ يسوع نيقوديموس بلطف وحزم على تجاوز ما يستطيع عقله البشري وحده إدراكه، وأن يسير بنور الإيمان. وبينما كان نيقوديموس يستمع ويتحاور، يبدو أن عقله وقلبه قد انفتحا، مما مكّن يسوع من تعليمه وتعليمنا الحقيقة الجميلة التي نجدها في إنجيل اليوم.
لعلّ يسوع، في محاولةٍ منه لتخفيف تحدّيه الأوّلي الذي كان يهدف إلى مساعدة نيقوديموس على الانفتاح أكثر على نعمة الإيمان، تابع قائلاً: “لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ.” (يو 3: 17). مع أن الله قاضٍ عادلٌ تمامًا، فإنّ رسالة يسوع الأرضية كانت إنقاذنا من الإدانة، وتحريرنا، وإنارة أرواحنا بنور الحق، وتمكيننا من رؤية الله بالإيمان في هذه الحياة، ومقابلته وجهًا لوجه في الآخرة.
كما هو الحال مع نيقوديموس، يستطيع يسوع أن يرى أي بصيص من الإيمان في نفوسنا. عندما يراه، سيتواصل معنا، ويحفزنا، ويسعى إلى أن يُنير نوره فينا بشكلٍ كامل. إنه لا يريد مجرد بصيص من النور، بل نورًا ساطعًا. كلما ازداد وضوح رؤيتنا، كلما ثبتت أقدامنا على طريق القداسة، وكلما أسرعنا في الوصول إلى منبع كل نور – يسوع نفسه.
تأمل اليوم في التناقض بين النور والظلام في روحك. ما مدى وضوح قدرة عقلك الروحي على إدراك كل ما يريد الله أن يكشفه لك؟ إذا وجدت نفسك تائهاً أومرتبكاً بشأن الحياة، فتوجه إلى يسوع وتضرع إليه أن ينير دربك. يجب ألانكون ممن يفضلون الظلام على النور. إذا كشف نور الإنجيل خطيئتك، فلا تبتعد عنها. آمن أن يسوع لا يريد إدانتك، بل يريد تحريرك. يريدك أن تؤمن به،لكي لا تهلك بل تكون لك الحياة الأبدية. دع النور يسطع في داخلك لتجد طريقك إلى كل الكنوز التي يريد الله أن يمنحك إياها.












عذراً التعليقات مغلقة