من الذاكرة الى المعنى

Khoranat alqosh
اراء ومقالات
Khoranat alqosh18 مايو 2022256 مشاهدةآخر تحديث : الأربعاء 18 مايو 2022 - 7:57 صباحًا
تلكرام
المطران مار بولس ثابت
المطران مار بولس ثابت
من الذاكرة الى المعنى
أصوات بدأت تهيأ ماكنة الحصاد ولازلنا صغارًا تلامذة الابتدائية نقرا لنخوض الامتحان ولكي ننهي عاما دراسيا لنتفرغ للحرية في الازقة وفوق الأسطح مع ألعابنا الشعبية ومساحاتنا الخاصة، هناك يجتمع فريق كبير من أعمار متقاربة مرتدين بجامات يدعى قماشها البازا والارجل عارية او منتعلة إصبعًا . آنذاك كانت أصوات الميكانيكي تتدغذغ سمعنا وتشردنا من التركيز وتدعونا للتسلل من البيت الى حيث تقف الحاصدة، جسم كبير تتخيل نفسك قزمًا أمام وحش جبار ، تأخذك المخيلة لتتصور نفسك بطلًا من ابطال الأساطير التي كنا نعرفها او نشاهدها في التلفاز. عندما كان يدوي صوت الحاصدة كانت لحظة التجمع وترك كل شي والانبهار بهذه الآلة، وعندما كانت تنطلق للحصاد كنا نتربص لها ونحاول التعلق بها وهي تسير متخيلين نفسنا تارة القبطان نامق وهو يقود الآلي الضخم وتارة عدنان وعبسي ومشاكساتهم وخفتهم في التعلق. وإذا لمحتك عين الكبار نالت منك ألسنهم وتعالت صيحاتهم لتوبخك. بدايات العطلة الصيفية كانت تتزامن مع الحصاد حيث كان الجد ينتظر ان ياتوا بمنتوج ارضه ليقوم بتكليف الجميع بإدخال الشعير والحنطة الى مخزنها، فكانت تتكون خلية عمل من كبار وصغار كل يحمل حسب طاقته ، صغارًا كنا نظهر تفانيًا وجهدًا وهمة فسعة الكيلو غرام كانت بالنسبة لنا تمثل حملا كبيرا وإدخالها منجزا عظيما، هكذا توالت السنوات لنستطيع ولازلنا صغار ان نتابع الحاصدة في حقولنا البعيدة تلسعنا الشمس والبعوض على السواء، نستمتع بالحصاد ونقف الى جانب السائق وهو يحصد مستنشقين الغبار ورذاذ التبن يعمي عيوننا ولكن قلبنا كان مغمورا بشعور اخر . صغارًا تابعنا الحصاد وبعد ان تحصد ارضك كنت تعود وانت راكبًا متعلقًا بالساحبة التي كانت تنقل الحاصل وهي تزمجر وانت من فوقها تشعر بالفخر . لقد قدم الحاصل وانت معه بملابسك المتربة تستقبلك والدتك بكاس ماء بارد وبحنان وكأنها تقول لك: ماذا تفعل هذا ليس ملائما لسنك؟. لقد شبنا على محبة الارض والأرض تحبنا، نضع فيها تفانينا وعرقنا وصلاتنا وفولكلورنا وهي تمنحنا بركة الله. كم مرة رسمنا عليها الصليب وكم مرة غرسنا فيها بركات أغصان السعانين، واوقدنا شموع شمعون الشيخ عند تساقط الحالوب، وكم مرة جلبنا منها الورد لنحضر جلجلة المسيح في جمعة الآلام، وسنابل لتزيين المذبح يوم عيد الجسد. لقد نظرنا ارضنا وما فيها بنظرة روحية فخيراتها كانت تذكرنا برموز الكنيسة ومواد الأسرار المقدسة، منذ زرعها والى يوم حصادها ثم إنتاجها كان يأخذنا لفهم مراحل صناعة الخبز وعصر النبيذ وكيف ان هذه نستخدمها عند التقديس. نعم لقد ولدنا في الكنيسة، في عوائل كنسية ومنها شاع نور الكنيسة في طفولتنا. ان معنى تفاعلنا مع الحياة هو نتيجة دعوتنا لنقدس العالم من خلال حضور الله فينا ونحن نعيش حياتنا بكل ابعادها حسب منطق الخالق دعوتنا ونحن قد تقدسنا باسرار المسيح ان نقدس العالم ذاته
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.